بانوراما الفيلم الأوروبي: شباب في مواجهة أسئلة الهجرة والهوية والحرب

Dec 03, 2016

القاهرة – إسلام أنور: انطلقت الدورة التاسعة من بانوراما الفيلم الأوروبي في الإسكندرية وبورسعيد، الإسماعيلية والقاهرة، «وسط أجواء متقلبة حيث الأزمة الاقتصادية العالمية وطفو التيار اليميني ومزيد من قمع الحريات المدنية»، حسب ملصق المهرجان، الذي أكد أنه رغم هذه الظروف «تمكنت البانوراما من توسيع نطاقها هذا العام عن طريق إقامة عروض».
وظهر في المهرجان حضور بارز للشباب على كافة المستويات بدءاً من التنظيم ومروراً بالجمهور حيث الحضور الطاغي للشباب داخل قاعات العرض ووصولاً للأفلام التي رصد معظمها القضايا والأزمات التي تواجه الشباب مثل الهجرة والهوية والحرب والحب والبحث عن حياة جديدة أكثر إنسانية وأقل قسوة. وتضمن برنامج البانوراما هذا العام عرض أكثر من خمسين فيلما روائيًا وتسجيليًا بالإضافة إلى العديد من الفعاليات المتنوعة. ولأول مرة تصدر نشرة نقدية يومية مصاحبة للبانوراما شارك فيها أحد عشر ناقدًا وناقدة شابة من مصر وقدمها الناقد الفرنسي الكبير جون ميشيل.
وشهدت المراكز الثقافية الأوروبية في القاهرة عدة عروض سينمائية مجانية بالإضافة لعرض رقص معاصر قدمه الفنان الفلسطيني ماهر شوامرة بطل فيلم «مسرح قاسي» وشاركه في العرض مجموعة من الراقصين المصريين الشباب، وفي مدينة الإسكندرية عقدت ورشة بعنوان «سينما الشعر» بإشراف المخرجة الألمانية كاثي دي هان.

الهجرة

حلم الهجرة والبحث عن حياة جديدة من القضايا الرئيسية التي تناولتها العديد من الأفلام، من أبرزها الفيلمان التسجيليان «حريق في البحر» الحاصل على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين لعام 2016 والمرشح لجائزة الأوسكار لعام 2017، و«القافزون» الحاصل على جائزة منتدى اللجنة المسكونية في مهرجان برلين، يشترك الفيلمان تناولهما لقضية المهاجرين الأفارقة لأوروبا، وفي معالجتهم السينمائية التي ترصد المعاناة والقسوة الشديدة التي يواجهها المهاجرون، لكن دون السقوط في فخ الميلودراما المفرطة والتحول لمرثية مبتزلة.
في «حريق في البحر» يأخذنا المخرج الإيطالي جيانفرانكو روسي لجزيرة «لامبيدوسا» الواقعة على بعد 200 كم من الساحل الجنوبي لإيطاليا والتي تستقبل كل عام الآلاف من المهاجرين، ومن خلال عين صبي صغير في الثانية عشرة من عمره من سكان الجزيرة يسير الفيلم في خطين دراميين متداخلين. أحدهم يكشف لنا حياة السكان داخل الجزيرة والتغيرات التي يعيشونها منذ حدوث موجات الهجرة الكبيرة في السنوات الماضية.
أما الثاني، يرصد لحظة وصول المهاجرين إلى الجزيرة، هذه اللحظة التي تشبه ميلاد جديد عقب مخاض عسير، تعكسه الكاميرا من خلال عدة مشاهد نرى فيها الترقب والقلق والفرح المختلط بالدموع في عيون المهاجرين الناجين من الموت. ثم نشاهدهم بعد ذلك وهم يقيمون صلاة أو طقسا ما يبكون فيه بشدة، قائلين «خرجنا من نيجيريا وعبرنا الصحراء تحت شمس حارقة، مات منا كثيرون، وشربنا بولنا، ووصولنا إلى ليبيا، في ليبيا قبضوا علينا، عذبونا وسجنونا، وحرمونا من الطعام، ليبيا قاسية وتكرهنا، ثم عبرنا البحر، في البحر كان الموج عاليا والموت قريبا، لكننا نجونا، نجونا».

الهوية

على الجانب الآخر، تدور أحداث فيلم «القافزون» في لحظة فارقة في رحلة المهاجرين الأفارقة من دولة مالي إلى أسبانيا عبر التخفي في أحد الجبال المطلة على مدينة «ميليلة». الأخيرة مدينة أسبانية تقع على الحدود مع دولة المغرب وتعتبر واحدة من مراكز الهجرة الرئيسية في العبور لأوروبا. فوق الجبل ينتظر المهاجرون لأيام طويلة وفي أحيان أسابيع وشهورا حتى يستطيعوا عبور الأسوار الحدودية في هذه الأثناء تولد حياة جديدة، يضع المهاجرون قواعدها وقوانينها ويشكلون هويته التي تظهر بوضوح كهوية ثالثة تطرح بدائل وتصورات مختلفة للحياة. هي ليست كهويتهم الأفريقية التي تركوها خلفهم ولا كالهوية الأوروبية التي في طريقهم إليها. هذه الدعوة إلى خلق عالم جديد بهوية مختلفة سرعان ما تدمر من قبل قوات الشرطة المغربية الذين يصعدون لمطاردة المهاجرين فوق الجبل ويحرقون خيامهم وطعامهم، في محاولة لمحو أي أثر لهم، لكن رغم ذلك يعدو المهاجرون مرة أخرى للجبل ويرممون ما هدم ويرفعون رماد الحرائق في إنتظار فرصة للقفز من فوق السياج الحديدة والعبور إلى أسبانيا.
بجانب فيلم «القافزون » الذي يطرح فيه سؤال الهوية كجزء من أزمة المهاجرين الأفارقة لأوروبا، هناك العديد من الأفلام التي ركزت بصورة أكبر على سؤال الهوية بوصفه واحدا من أبرز الأزمات التي تواجه الشباب على مستوى العالم. ففي الفيلم التسجيلي «قصة حب سورية» الحاصل على جائزة لجنة التحكيم لمهرجان «ووتش دوكس» السينمائي لعام 2015 نجد رصداً لأزمة عائلة سورية ومعاناتها مع الحرب والهجرة. كذلك، الفيلم الروائي»باريسية» الذي يرصد رحلة فتاة لبنانية للدراسة في باريس وما تعانيه من عنصرية وصراع بين ماضيها وحاضرها. وأيضاً، فيلم «حظ موفق للجزائر» الذي يقدم صورة مغايرة لوضع المهاجرين من شمال أفريقيا في فرنسا عبر شخصية «سمير» لاعب التزلج على الجليد.

عين أوروبية على فلسطين

واحدة من أبرز مظاهر البانوراما هذا العام الحضور البارز، هو فلسطين، عبر فيلمين تسجيليين، الأول، «مسرح قاسي» للمخرج الإستوني توماس يارفيت، يتتبع حياة الراقص المعاصر الفلسطيني ماهر شوامرة، حيث نرى صورة للمجتمع الفلسطيني عن قرب ونعيش معاناة ماهرالبطل وأحلامه ومخاوفه ورفض مجتمعه وأسرته لما يفعله فبالنسبة لهم هو فن مبهم وبلا فائدة ولن يحرر فلسطين، ورغم كل هذه المعارضة يصر شوامرة على إكمال مسيرته وتحقيق حلمه بتنظيم أول عرض للرقص المعاصر في فلسطين، ورغم ما قام به ماهر من تحدي وصبر وبطولة في مواجهة مجتمعه إلا أن المخرج إختار الا يقدمه بصورة بطولية جامحة بقدر ما حاول أن يلتقط لحظات وحدته وتساؤلته الإنسانية عن معنى الحياة والفن والنضال.
وفي هذا السياق يقول شوامرة في الندوة التي عقدت بعد الفيلم : «الفنون والثقافة من أقوى أدوات المقاومة للمحتل، فالفن الصادق يدفع الإنسان للتساؤل والتفكير والثورة والتمرد، وهذا أكثر ما تخشاه دولة الإحتلال، لذلك إغتالوا فنانا كناجي العلي، وأنا لا أدعي أن ما أقدمه من فن هو ممارسة نضالية، أنا فقط أعبر عن نفسي ومجتمعي، ولكني أريد التأكيد على كون المقاومة لها صور عدة وجميعها ضرورية». الفيلم الثاني، الذي تدور أحداثه في فلسطين هو «أخوات السرعة» للمخرجة اللبنانية الكندية عنبر فارس، الحاصل على جائزة الجمهور لافضل فيلم في مهرجان المعهد الأيرلندي للفيلم التسجيلي عام 2015. نتعرف خلاله على أول فريق نسائي عربي يشارك في سباقات السيارات ويتكون من ميسون جيوسي 38 سنة من القدس، ومنى علي 29 سنة من رام الله، ومارا زهالكا 23 سنة من جنين، ونور داوود 25 سنة من القدس، وبيتي سعادة 35 عاما من بيت لحم، ما يميز الفيلم أن المخرجة لم تنجرف لتقديم صورة احتفائية بالمتسابقات بقدر ما قررت أن تروي من خلالهم حكاية مجتمع صار النضال جزءا أصيلا من أفعاله الاعتيادية اليومية، ففي ظل الغطرسة والعنف الإسرائيلي والتراجع العربي المخزي عن دعم القضية الفلسطينية، صار خروج الفلسطينيين من بيتهم نضالا، وقيادة السيارة نضالا والحب نضالا.
عبر مجموعة من التكوينات البصرية البديعة حولت المخرجة حلبة السباق لتصبح صورة مصغرة لفلسطين المحتلة الساعية للتحرر من قيودها، والقادرة على خلق الحياة وزرع الأمل رغم كل ما يحاصرها من موت ورصاص.

بانوراما الفيلم الأوروبي: شباب في مواجهة أسئلة الهجرة والهوية والحرب

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left