تيارت: مهد الفروسية ومدينة الأهرامات الجزائرية المنسية!

كمال زايت

Dec 03, 2016

الجزائر ـ «القدس العربي»: مدينة تيارت واحدة من أبرز مدن الغرب الجزائري، فهي تقع في الشمال الغربي من البلاد، وتعتبر مدينة الأهرامات الجزائرية، وهو الشيء الذي يجهله الكثير من الجزائريين، فيما تسعى السلطات الجزائرية لنفض التراب عن هذا المعلم، وتسجيله في منظمة اليونسكو كتراث مادي عالمي.
يعود اسم المدينة إلى أصول أمازيغية، إذ كانت تسمى «تيهرت» والمقصود به «اللبؤة»، كما أن أسماء أخرى أطلقت عليها مثل «تاهرت» و«تاقدمت» و«تاغروت» و«تنقارتيا» وقد كانت المدينة عاصمة للرستميين الذين حكموا الجزائر بين 776 و908 وهم من سلالة الإباضيين.
الدولة الرستمية ظهرت في الجزائر، التي كانت تعرف بالمغرب الأوسط، على يد الإمام عبد الرحمن بن رستم بن برهام بن كسرى، وقد ولد في العراق في العقد الأول من القرن الثاني هجري، حسب الكثير من المراجع، وهو من أصل فارسي، في حين أن بعض المؤرخين يقولون إن نسبه يرجع إلى اللذارقة الذين حكموا الأندلس قبل الإسلام، وسافر أبواه من العراق إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، لكن القدر شاء أن يتوفى والده هناك، وبعدها بفترة تزوجت والدته من رجل من المغرب ورحلت معه إلى مدينة القيروان، وهناك كبر وتعلم وتأثر بالدعوة الإباضية، قبل أن يسافر إلى المشرق لتلقي المزيد من العلم، على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة إمام الإباضية آنذاك، واستمر تعليمه في مدينة البصرة خمس سنوات.
وبعد سنوات من الإقامة مع الإمام أبي عبيدة عاد إلى المغرب مع الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمني، الذي تعتبره الكثير من المراجع أول إمام إباضي في المغرب، في حين أن مراجع أخرى تقول إن أئمة للإباضيين كانوا موجودين في المغرب قبل أبي الخطاب، وبعد أربع سنوات من إقامة هذه الدولة، أرسل أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي جيشا يقوده محمد بن الأشعث الخزاعي، فدخلت قواته في معارك ضارية مع قوات الدولة الإباضية، لكنها تمكنت في الأخير من هزمها، واستشهد الأمير أبو الخطاب في هذه المعركة، أما عبد الرحمن بن رستم ففر إلى المغرب الأوسط (الجزائر حاليا) وشرع في التحضير لبناء دولته في منطقة «تيهرت» بعد أن جمع الكثير من الأنصار وبعد أن وثق فيه الأمازيغ من سكان المنطقة الأصليين، ليعلن بعدها قيام دولته الإسلامية في حدود عام 155 هجري، وقد اختار أن يسميها بالدولة الرستمية نسبة إلى والده.
وشرع عبد الرحمن في بناء مدينة تيهرت، وخلال عهده شيدت القصور والبيوت والأسوار والحصون والمسجد الذي كان أول ما تم بتاؤه، وتحولت المدينة إلى مكان للعيش الآمن والهنيء، الأمر الذي جعل الكثيرين ممن وصلتهم أنباؤها يشدون الرحال إليها، وقد وصفها المقدسي قائلا»: هي بلخ المغرب، قد أحدقت بها النهار، وغابت في البساتين، ونبعت حولها العين، وجل بها الإقليم، وانتعش فيها الغريب، واستطابها اللبيب، يفضلونها على دمش وأخطأوا، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا، هو بلد كبير، كثير الخير، رحب، رقيق طيب، رشيق الأسواق، غزير الماء، جيد الأهل، قديم الوضع، محكم الرصف، عجيب الوصف».
وبعد كل ما قدمه عبد الرحمن بن رستم للمدينة وأهلها قرروا أن يبايعوه إماما عليهم، وقد بلغ من التبحر في العلم ما جعل شيخه ومعلمه أبو عبيدة يقول له: «افت بما سمعت مني وما لم تسمع».
وقد اشتهرت هذه الدولة التي لم تطبق مبدأ التوريث للإمامة بنظام الشورى، وكان أئمتها عادلون، ولم يكن هناك أي تعصب أو تضييق على أتباع المذاهب الأخرى، وكان حتى الغرباء الذين يمرون بالمدينة يستقر الكثير منهم بها، لما يجدونه فيها من رغد العيش، وكان في المدينة يهود ونصارى يعملون في عدة مهن ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية. وقد تطورت الزراعة في الدولة الرستمية، مثل زراعة الحبوب، والزيتون، والتين والسمسم والنخيل، كما عرفت المدينة بالأنهار وخزانات الماء، وتمكنوا من إيصال الماء إلى البيوت بشق القنوات واستخدام الأنابيب.
وازدهرت الدولة الرستمية التي أصبحت لديها عدة مدن مثل تلمسان وشلف والغدير والمدينة الخضراء، وفي سنة 296 هجري تعرضت لهجوم من قوات الفاطميين الذين دمروها، وأحرقوا مكتبة المعصومة.

مهد الفروسية

وتوصف منطقة تيارت بأنها «مهد الفروسية» فخصوبة أراضيها جعلتها مكانا مناسبا لتربية الخيول العربية الأصيلة والبربرية، وقد سارع الفرنسيون عند احتلالهم للجزائر إلى تأسيس حظيرة «شاوشاوة» سنة 1877 التي ما زالت تعمل لتطوير سلالات الخيول المختلفة وحمايتها من الانقراض.
وقد صنفت السلطات الجزائرية حظيرة شاوشاوة ضمن المواقع الأثرية الجزائرية عام 1995 وقد كان لهذه الحظيرة دور بارز في حماية وتطوير السلالات المختلفة من الخيول العربية والبربرية، وتضم حوالي 288 حصانا، بينها 174 من الخيول العربية الأصلية، و68 من الجياد البربرية، وتعرف ولادة 55 حصانا سنويا، وأغلب هذه الولادات عربية أصيلة.
وتمتد الحظيرة على مساحة بحدود 876 هكتارا، وهي تحتوي على أنواع عديدة من النباتات الطبية وتخلب العقول ببحيرتها الساحرة، ويحرص سكان المنطقة على زيارتها، بالنظر إلى ما توفره من مظاهر طبيعية خلابة.
وتنظم مدينة تيارت سنويا صالونا وطنيا للفروسية، يهدف إلى الترويج لثقافة الفروسية، وهو ينظم على مستوى حظيرة شاوشاوة ومركز الأمير عبد القادر للفروسية والديوان الوطني لتربية الخيول والجمال، ويتم بالموازاة تنظيم عدة نشاطات، مثل مسابقة حباكة السروج والحدادة، وسهرات فنية تقدم فيها أغاني من التراث مثل الأغنية البدوية.

كنز منسي

قبل بضعة أسابيع نفض وزير الثقافة الجزائري الغبار عن معلم تاريخي في مدينة تيارت، وهي أهرامات «لجدار» التي تشبه إلى حد بعيد أهرامات الجيزة في مصر، والتي تقع في ضواحي مدينة فرندة، إذ كتب الوزير على صفحته في موقع فيسبوك قائلا»: يجهل كثير من الناس وجود أهرامات في الجزائر. نعم، هناك أكثر من 13 هرما رباعي القاعدة دائري القمة، يطلق عليها اسم لجدار، إذ تبين أنها أضرحة جنائزية تعود إلى القرن الخامس ميلادي، وطبيعتها كأسرة لا تختلف عن أهرامات الجيزة، وهي لا تبعد عن مدينة تيارت إلا بحوالي عشرين كيلومترا. وتعمل وزارة الثقافة على إعداد ملف علمي بقصد تصنيفها كتراث عالمي».
وكان الوزير ميهوبي قد زار المنطقة، وأخذ صورا للأهرامات ونشرها عبر صفحته في موقع فيسبوك.
ويعود تاريخ هذه الأهرامات حسب علماء الآثار إلى ما قبل السيد المسيح، إذ كانت في منطقة المغرب مملكات ودويلات صغيرة متناثرة، وتبقى هذه الأهرامات التي لم تدرس ولما تجرى بحوث للبحث عن أسرارها، ويقول الكثير من الباحثين إنها تبدو كآثار جنائزية وأضرحة لملوك حكموا الممالك الأمازيغية، وجاءت هذه الأهرامات في مجموعتين تبعدان عن بعضهما البعض بحوالي ستة كيلومترات.
وتوجد ثلاثة أهرامات في جبل لخضر، والعشرة الأخرى توجد في جبل عراوي، ولها قاعدة مربعة تتراوح بين 12 و46 مترا وارتفاع يصل إلى 18 مترا، وتوجد فيها المغارة التي كتب فيها العلامة عبد الرحمن ابن خلدون كتابه الشهير «المقدمة» وتوجد في هذه الأهرامات دهاليز وغرف، ولكل غرفة خصائصها، وبخلاف الأهرام المصرية فإن الجزائرية لها قمم على شكل قبب وليس على شكل سهام، وقد تم بناؤها بحساب موقع النجوم، ورغم ذلك فإنها تبقى خزانا للأسرار بحاجة إلى استكشافها.
وحسب تصريحات الباحث بشير صحراوي لصحيفة «الشروق» فإن هناك أكثر من 100 هرم في الجزائر، وأن أهرامات تيارت هي الأهم، ورجح أن تكون الأهرامات الجزائرية بنيت في الفترة ذاتها مع الأهرامات المصرية، مشيرا إلى أن الأهرامات الجزائرية بناها الأمازيع الذين كانت لهم حضارة كبيرة، وأنه تم العثور على رموز إغريقية على جداريات هذه الأهرامات، ما يدل، حسبه، على وجود علاقة بين قدماء الأمازيغ والإغريق.
واعتبر الباحث أن الكثير من تلك الأهرامات أضحت عرضة للتخريب والنهب والاندثار، مشيرا إلى أن بعض الباحثين الغربيين يريدون طمس تاريخ المنطقة، بالترويج لأطروحة أن عصر الأمازيغ كان بدائيا وخاليا من مظاهر الحضارة، وأن أهرامات «لجدار» هي ضريح لحاكم روماني عظيم حكم المنطقة، في حين أن الصحيح والموثوق أن بناء هذه الأهرامات يعود إلى آلاف السنين.
وكتب ابن خلدون»: نقل ابن الرقيق القيرواني وهو مؤرخ جغرافي ومستكشف عربي مغربي عن المنصور أنه رأى في حملة استكشافية آثارا قديمة منتصبة فوق ثلاثة جبال، وكانت تبدو وكأنها أضرحة فوق ظهور حمير، وعلى إحدى الحجارة لهذه الأطلال، اكتشف نقش كتب بلغة قديمة ترجمه المترجمون الأكفاء هذا هو نصه: أنا سليمان الستراتقوسي، وهذه الكلمة اليونانية تعني قائد الجيوش.

كردينال فرندة

تعتبر فرندة وحدة من بلديات مدينة تيارت، وقد التصق اسمها لسنوات باسم الجنرال العربي بلخير، الرجل القوي في نظام الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي حكم البلاد ما بين 1979 و1992 وهو من مواليد 1938 في مدينة تيارت وتوفي سنة 2010. وبعد أن التحق بالجيش الفرنسي خلال فترة الاستعمار، وتلقيه تدريبا عسكريا، فر والتحق بالثورة الجزائرية، وبعد الاستقلال سنة 1962 كان مثل غيره من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي المؤهلين لتولي المناصب القيادية في جيش الجزائر المستقلة، لأنهم كانوا قد تلقوا تدريبا عسكريا خلافا للمجاهدين الذين لبوا نداء الوطن والواجب، دون أن تكون لهم فرصة لتلقي تدريب عسكري احترافي، إذ عين قائد أركان في مدينة ورقلة الجنوبية، ثم في التق في الناحية العسكرية الثانية، ثم عين مسؤولا عن المدرسة الوطنية للمهندسين والفنيين، ثم مع وصول الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الحكم وجد الجنرال بلخير طريقه إلى الرئاسة التي أصبح شيئا فشيئا الرجل القوي فيها، إذ عين في البداية أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن بين عامي 1980 و1982 وتولى بعدها منصب أمين عام الرئاسة، وأصبح الرجل القوي، وكان يقدم على أنه الحاكم الفعلي من خلف الستار، وقد أطلق عليه اسم كاردينال فرندة، نسبة إلى البلدة التي ولد فيها.
ويقال إن حزبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ (المحظورة) التي كانت في قلب الأزمة السياسية والأمنية التي عصفت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطي العلماني تأسسا في بيت العربي بلخير، الذي كان ضمن مجموعة من الجنرالات الذين اتخذوا قرار إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون سنة 1991 ودفع الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الاستقالة، فقد كان بلخير وزيرا للداخلية، وأعلن وهو مضطرب نتائج الدور الأول من الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون، وكانت منعرجا في تاريخ الجزائر، بما تلاها من فوضى وإرهاب ودمار وخراب وانهيار.
ورغم أن الجنرال بلخير توارى عن الأنظار بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف في 29 حزيران/يونيو1992 فقد حامت شكوك حول العربي بلخير، على اعتبار أنه لم يرافق الرئيس في تلك الزيارة، رغم أنه كان وزيرا للداخلية، وما زال نجل الرئيس بوضياف يتهمه ومجموعة من الجنرالات بأن لهم يد في اغتيال والده، ولكن العربي بلخير عاد إلى الكواليس مجددا نهاية التسعينيات، عندما أعلن الرئيس اليمين زروال عن استقالته من منصبه، إذ لعب بلخير دور المناجير للإقناع بعبد العزيز بوتفليقة كخليفة لليمين زروال، وهو ما تحقق بعد أشهر، ليتولى بلخير مرة أخرى منصب مدير الديوان، لكن علاقته ساءت مع الرئيس بوتفليقة ومع شقيقه ومستشاره السعيد بوتفليقة، فأرسل إلى المغرب سفيرا، وبقي هناك حتى وافته المنية سنة 2010. وقد أطلقت عدة أسماء على الجنرال بلخير منها «عراب الجنرالات» و«العلبة السوداء» للنظام الجزائري.

تيارت: مهد الفروسية ومدينة الأهرامات الجزائرية المنسية!

كمال زايت

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left