انتهاك الجسد المؤنث: حِصار حواء

Dec 10, 2016

الرباط – رباب الرزيني: قضية المرأة محاصرة تاريخياً بين عوامل خارجية وداخلية تلغي دورها الأساسي في المجتمع بحجة الاستقرار الذكوري البطريركي الذي يسير شأن المؤسسات والحياة.
قد تكون صورة المرأة في حاضرنا لم تعرف تغييراً كبيراً مقارنة بالتغيرات التي عرفها جنسنا البشري منذ ظهوره بعد تفوق نموذج التجمع البطريركي. المرأة جلست طوال صناعة التاريخ في الكرسي الخلفي رغم أنها حاولت إثبات نفسها في العديد من المجالات والأوقات بغض النظر عن الحجاب الذي كان مفروضاً عليها.
في مجتمعاتنا العربية مازالت وضعية المرأة في مؤخرة المجتمعات العالمية، محاصرة بين نظام يستهلك جسدها في سبيل الربح والمنفعة، وثقافة تعود إلى القرون الوسطى ترى في جسمها عورة وفي صوتها فتنة. أما في وسط المثقفين فتجدها في منزلة ثانوية يوهمها بأهمية قضيتها وسط التنظيم، ويستنزف نضالها ثم ينساها.
من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، قد تأتي على أذنك في الشارع العام عبارة خادشة، وفي المساجد أن المرأة مكانها دارها، وفي وسط الحداثيين فعلى المرأة أن تتحرر حسب منظور المتحدث «الرجل» للتحرر.
كذلك، في المنزل، يأتي العامل المضطهد من طرف رب العمل، ويمارس جميع أنواع القمع على المرأة وهي بدورها قد تنقلها إلى الأطفال، فنرى مجتمعا تكتسح نواته الذكورية والعنف من كل الجوانب.
في ماض قريب، عقب فترة الاستعمار وما بعدها، عرفنا شكلاً أكثر إبداعاً في استغلال التقاليد المحلية من أجل اضطهاد المرأة، في السودان، إثر الاستعمار البريطاني، وفي مصر في عهد الرئيس أنور السادات، الذي أطلق يد الأصولية ليحارب الموجة الاشتراكية، وفي المغرب خلال عهد الحماية الفرنسية، وما حل محلها من استعمار في شكل ثان يتمثل في اكتساح الفكر المتطرف عبر التلفزيون المغربي. واقع الاحتلال كان يفرض تقوية الحس الوطني عبر الثقافة والأصولية المقاومة، والذي بدوره كان يعزز موقف الرجعية وينعكس سلباً على حالة المرأة باعتبارها من الشرائح الأكثر تضرراً وتجاهلاً من كل الأطراف. أما في فلسطين التي لا زالت تقبع تحت سلطة الاحتلال، لم تتغير وضعية المرأة عن ما عهدناه، فبدت محاصرة بين سلطتين الاستعمارية والذكورية.
تظل صورة المرأة في مجتمعاتنا العربية، المرأة التي تتعرض للتحرش والاغتصاب بجميع أشكاله وتكون هي المذنبة، تلزم بما يسمونه بالأنوثة منذ نعومة أظفارها، ما اكتسبته من دور مجتمعي تربوي يختزل في الخضوع والانهزام وتحمل الأبوية الوحشية في المنزل والشـارع وكل الأماكن العـمومية.

انتهاك الجسد المؤنث: حِصار حواء

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left