في مصر: أنا صحافية «تحت الحصار»

Dec 10, 2016

القاهرة – مارينا ميلاد: قرأت مرة في جريدة «المصري اليوم» خبراً عن إصدار ترخيص بهدم فندق «الكونتننتال» وسط القاهرة، فذهبت إلى هناك لكتابة تقرير عن هذا الفندق العريق. عندما وصلت إلى مدخله الذي يشير إلى «أطلال فندق»، أوقفني ثلاثة من الأمن الخاص المكلفين بحراسته، ومنعوني من التصوير، وأكدوا أن ليست لديهم أي معلومة عن المكان. لكن الغريب أن أحدهم أبلغ شخصا ما بوجودي وأعطاه عبر الهاتف، الاسم والبيانات الموجودة في البطاقة، وقال حرفياً له: «يا فندم. فيه صحافيين هنا».
استوقفتني هذه الجملة، وشعرت أن هناك مجرمين موجودين في المكان ويتم الإبلاغ عنهم، مع العلم أن التقرير ليست له علاقة بأمور أمنية أو سياسية أو حتى حادث ليستحق هذا التخوف.
لم تكن هذه المرة الأولى بالنسبة لي أو لغيري من الصحافيين التي يتم فيها منعهم من تأدية عملهم، وفي حال وجود كاميرا قد يصل الأمر إذا تدخل الأمن إلى الاحتجاز.
وحسب تقرير لمرصد «صحافيون ضد التعذيب» (غير رسمي) صدر في تشرين الأول /أكتوبر الماضي «هناك 106 حالات انتهاك تعرض لها الصحافيون في مصر خلال تأدية عملهم في الربع الثالث من عام 2016 فقط، إذ تراوحت بين منع من التغطية ومسح محتوى الكاميرا والايقاف والتفتيش والتعدي بالقول والتهديد والاحتجاز».
وفي 20 أبريل/ نيسان، الماضي أصدرت مُنظمة «مراسلون بلا حدود» الدولية تصنيفها السنوي عن حرية الصحافة في العالم، وأفردت تقريراً خاصاً عن مصر، قالت فيه إن «الصحافيين يعملون في بيئة تتسم بالعداء المتزايد لمنتقدي النظام». واحتلت مصر المركز الـ159 عالمياً.
والسؤال، كيف يمكن أن أؤدي عملي وأنا أشعر بالخطر؟
نعم أنا أشعر بالخطر كصحافية تتجول في الشارع لتسأل. أو تحمل الكاميرا لتصور.. إذا لم يمنعني الأمن، فهناك مواطنون يتولون هذه المهمة. في هذه الحالة، سألتزم مكتبي، وأقوم بعمل ما يسمى عند الصحافيين «تقارير مكتب»، ولكن حينها أيضا سأجد معاناة أخرى. هي التعامل مع المعلومات والمصادر، فأغلب المصادر تخشى الرد والحديث عندما يكون الموضوع «حَساسا»، وإن وجدت من يتحدث، فتقابلني مشكلة أخرى ألا وهي الرد الرسمي.
يقال إن المهنية تتطلب عند توجيه انتقاد لمؤسسة ما، فلا بد من وجود ما يسمى بحق الرد، أو عند العثور على معلومة فيجب التأكُد منها، ولأجل ذلك يوجد المتحدثون الرسميون في مناصبهم، لكن في حقيقة الأمر هؤلاء «متحدثون لا يتحدثون». فأغلبهم يرفض التعليق أو يؤكد عدم توافر معلومات لديه أو لم يرد على هاتفه من الأساس.
نحن في مصر لدينا دستور «جيد جداً» ينص في مادته الـ68 على أن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً».
لكن على أرض الواقع، فلا وجود لهذا الدستور، فقد حظرت السلطات المصرية النشر في 19 قضية خلال الثلاث سنوات الماضية. كما لم يصدر قانون لحرية تداول المعلومات، الذي يحمي حقي في الحصول على معلومة ومقاضاة أي مؤسسة حال رفضها الإفراج عن وثائق، مثلما هو موجود في دول أخرى.
على كل حال، إذا استطعت أن أتجاوز خطر الشارع أو لم استطع، وإذا نجحت في الحصول على المعلومات من مصادرها أو لم أنجح. فهناك معاناة حتمية أخرى أعاني منها مثل أغلب الصحافيين العاملين في مؤسسات بشكل أساسي ودائم، وتتعلق بالضغوط النفسية؛ يمكن أن تتلخص في «كم الانتاج، والالتزام بمواعيد الحضور والانصراف، وضخ أخبار وموضوعات بشكل مستمر لتتلاءم مع طبيعة المواقع الإلكترونية السريعة».
هذه الإشكالية ليست في مصر فقط، لكنها موجودة في مؤسسات صحافية كثيرة بالعالم كله، وجميع من يلتزمون بها يعانون من «الروتين»، لكنها في مصر تأخذ بعداً آخر كونها تتشابك مع الصعوبات السابق ذكرها، إلى جانب ضعف الرواتب، وقلة الإمكانيات، وعدم توافر فرص للتدريب والتطوير بشكل مستمر داخل أغلب المؤسسات، والتهديد بالفصل خاصة إذا كان الصحافي غير نقابي (ليس عضوا في نقابة الصحافيين المصرية).
كل ذلك يجعل أي تحرك أو أي فكر خارج الصندوق (كما يقال) أو أي محاولة لكشف الحقيقة مهمة صعبة جداً في مصر.

في مصر: أنا صحافية «تحت الحصار»

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left