تريليون دولار قيمة الرشى حول العالم وتريليونان مبالغ مسروقة ومنهوبة سنويا: تحالفات دولية لتطويق ظواهر الفساد والرشوة والسيطرة عليها

سليمان حاج إبراهيم

Dec 10, 2016

فيينا ـ«القدس العربي»: تشير الأمم المتحدة إلى أنه في كل عام، تصل قيمة الرشى التي تمنح عبر ربوع العالم، إلى تريليون دولار، فيما تصل قيمة المبالغ المسروقة بطرق الفساد إلى ما يزيد عن تريليونين ونصف دولار. مبلغ يساوي خمسة في المئة من الناتج المحلي العالمي، أما في البلدان النامية حسب ما يبرزه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فتقدر قيمة الفاقد بسبب الفساد بـ10٪ من اجمالي مبالغ المساعدة الإنمائية المقدمة.
سبب الدمار الذي تخلفه هذه الظواهر المـــرتبـــطة بالموضــوع، وخطورتها الاجتــمــاعية والسياسية والاقتصادية المعـــقــدة التي تؤثـــر على البلدان كافة، حفزت الجمعية العامة، للأمم المتحدة في 31 تشــرين الأول/أكتوبر 2003 لطرح اتفاقية لمــكــافحــة الفساد. وتخصص 9 كانون الأول/ديسمبر من كل عام يوما عالميا لإبراز خطورة هذه الآفة وعرقلتها لجهود التنمية في الدول.
الدول العربية من أكثر الدول
فسادا في العالم

تقوم منظمة الشفافية الدولية منذ العام 1995 بإصدار تقرير سنوي لمؤشر دولي لملاحظة الفساد وترتيب الدول حول العالم حسب درجة مدى ملاحظة وجود الفساد بين الموظفين والسياسيين. ومنذ ذلك الحين والعديد من الدول العربية تصنف ضمن خانة الدول الأكثر فسادا في العالم وتحتل الصدارة في هذا المجال.
وتصدرت الصومال في آخر تقرير للمنظمة الدولية قائمة أكثر دول العالم فسادا وشاركتها المرتبة كوريا الشمالية، وضمت أيضا في قائمة العشر الفاسدة ثلاث دول عربية أخرى هي السودان وليبيا والعراق.
واعتبرت الشفافية الدولية إن الدول الأكثر فسادا عادة ما تكون دول تشهد صراعا وتتصف بضعف المؤسسات مثل الشرطة والمحاكم وتفتقر إلى الإعلام المستقل.
وتضم قائمة الدول العشر الأكثر فسادا في العالم بالترتيب كلا من: الصومال وكوريا الشمالية، وأفغانستان، والسودان، وجنوب السودان، وأنغولا، وليبيا، والعراق، وفينزويلا، وغينيا بيساو، وهاتي، وبعدهما سوريا واليمن.
وحل لبنان في المركز 123 وموريتانيا في المركز 112 بين الدول التي تعاني من الفساد. وفي المراكز دون 100 احتلت جيبوتي المركز 99 بينما تساوت المغرب ومصر والجزائر في معدل الفساد بحسب المنظمة واحتلت هذه الدول المركز 88.
واحتلت تونس المركز 76 ثم سلطنة عمان وحلت في المركز 60 بينما جاءت الكويت في المركز 55 والبحرين (50) والسعودية (48) والأردن (45) والإمارات (23) وقطر (22) والدولتان الأخيرتان من بين الدول المتقدمة على سلم الشفافية والأقل فسادا.
وعكس هذه اللائحة، فإن الدول الأكثر شفافية وتكاد تخلو من الفساد، هي الدنمارك التي حلت أولا، وتبعتها فنلندا في المركز الثاني والسويد ثالثة، ثم نيوزيلندا في المركز الرابع، وهولندا خامسة والنرويج سادسة، وتلتها سويسرا وسنغافورة وكندا وألمانيا على الترتيب.
ومع الأحداث والاضطرابات التي تشهدها المنطقة زادت حدة الأمر وارتقت الكثير من الدول درجات في مجال انتشار الفساد ورافقها أيضا حديث عن أموال ومقدرات مهربة إلى دول عدة تزايدت المطالبات بضرورة استرجاعها.

جهود تبذل لاسترداد الأموال المنهوبة

وشدد المحامي الخاص للأمم المتحدة، المكلف باسترداد الأموال المنهوبة من دول الربيع العربي، الدكتور علي بن محسن بن فطيس المري، في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أنه من دون محاربة الفساد وتطويق الظاهرة لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة التي هي عماد ازدهار الدول. واعتبر أن المشكلة الأساسية في العالم العربي هي الفساد الذي ينخر جسدها، وهي تعاني من الآفة والظواهر المحيطة بها وبالتالي أصبحت قضية محاربته أمرا محوريا لأي بلد ينشد الازدهار والرقي.
واعترف أن دولته قطر حيث يشغل منصب النائب العام لديها سارعت إلى فصل السلطات بشكل بين ومنع أي واحدة من الهيمنة على الأخرى، خصوصا بالنسبة للسلطات القضائية التي هي العماد. وأشار المحامي الدولي إلى أن في العديد من الدول العربية يخضع النواب العموم للسلطة التنفيذية سواء وزراء العدل أم الداخلية وهو ما يجعلهم يخضعون في اعتقاده لنفوذهم وهو ما سيخل بوظيفتهم ولا يجعل أيديهم تطلق لمحاربة الفساد.
وعاد النائب العام في حديثه إلى تجربة بلاده التي منحت النائب العام استقلالية تامة عن أي سلطة تنفيذية وهو ما ساهم في منحه الحصانة والقوة لمتابعة الجميع من دون استثناء وشدد على ضرورة أن تسعى الدول العربية إلى تحقيق هذه الاستقلالية ومنح النواب العموم كامل الصلاحيات لمتابعة الجميع من دون استثناء وأداء دورهم بحرية وهو ما سيدعم جهودهم في مجال محاربة الفساد.
وعند سؤالنا عن جهودهم في مجال استرداد الأموال المنهوبة من عدد من الدول العربية التي يسعى جاهدا وراءها، كشف عن عراقيل تواجهها العملية بسبب عدم استجابة عدة دول لمطالباتهم. وشدد على أنه يضغط عليها ويطالبها بمزيد من التعاون مع تقديم كافة الأدلة والقرائن التي تعزز مساعيه إضافة إلى تذكيرها بتعهداتها الدولية. وكشف أن عددا من المساعي والجهود تكللت بتجميد أرصدة وأموال في سويسرا وأرجعت نسبة منها إلى الدول التي نهبت منها وهي بارقة أمل تزيد من تصميمهم على المضي قدما في هذا المسار.
كما قال أن بعض الدول العربية لا تتعاون فيما يتعلق بجهود استرداد أموال دول شقيقة أخرى نهبت منها وأودعت لديها.
وكشف الدكتور علي بن فطيس المري في حديث صحافي سابق أن دولا أوروبية وخليجية على رأس البلدان التي تستقبل أموال زعماء عرب سابقين أطيح بهم جراء الثورات العربية. وأكد أن «نزيف الأموال المهربة ازداد إبان الثورات العربية، وما زال مستمرا، وسيكون من بين نتائجه إفقار العالم العربي».

تحالف دولي لتطويق الظاهرة

الدكتور ديمتري فلاسيس، مدير قسم مكافحة الفساد في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يؤكد في حديث مع «القدس العربي» خلال زيارته إلى فيينا، على أهمية الجهود الدولية المبذولة لمكافحة الفساد التي تساهم تدريجيا في تضييق الخناق على الإجرام. وشدد على ضرورة أن تكون هناك رؤية عامة لدى الجميع على حيوية الأمر من خلال توحيد الجهود الدولية لمحاربة هذه الآفة وإدماج هذه المواضيع في مختلف الجهود الرسمية، حتى تكون سياسة عامة وتحفز الجميع لبذل المزيد من الجهود ليكونوا أقوياء. وحول ارتباط الفساد والرشوة وتقدير حجمهما وتأثيرهما على التنمية المستدامة لدى الدول اعتبر المسؤول الأممي أن هذه الظواهر موجودة في كل مكان وحتى في الدول المتقدمة وهي تأخذ أشكالا عدة ولا يمكن تحديد حجمها بشكل دقيق لأنها ظاهرة معقدة. وأكد على ضرورة إيجاد حلول شاملة وجذرية من خلال توفير سبل نجاح أي مسعى يبذل في هذا السياق وتعزيز ذلك بمنظومة شاملة من القوانين واللوائح والسياسات وحتى الخطط الرامية إلى تحصين الدول. وقال الدكتور ديمتري أن «الرشوة على سبيل المثال تتبع مسارها أمر معقد جدا ولهذا لابد من حلول ناجعة وتفكير عميق وجهود دولية لتطويقها».
وأشار إلى وجود بعض الدول التي لديها تشريعات قوية تحارب هذه الآفة والحكومات والمؤسسات تبذل جهدا ومع ذلك توجد بعض الثغرات. تهريب الأموال والملاذات الآمنة التي تعتبر أحد ركائز الفساد هي من الأدوات التي يستخدمها الأفراد والمنظمات غير الشرعية لتبييض أموالها وتحويلها، وهي من المعوقات التي تثبط من عزيمة المؤسسات التي تعمل على مكافحتها. واعترف المسؤول الأممي بوجود بعض الثغرات في المنظومة النقدية التي تسمح لهؤلاء للتسرب والتماهي، مستفيدين من تعقد تلك الأنظمة المرتبطة بتشريعات بعض الدول التي تستفيد من هذه الأنشطة وتعتبر محور اقتصادها. وتعالت الأصوات المطالبة بشفافية أعلى بخصوص متابعة هذه الظواهر وتطويق عمليات تهريب الأموال والحد من هذه الآفات.
وعند سؤالنا مدير قسم مكافحة الفساد في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، عن حجم الأموال المهربة، اعترف بصعوبة تحديد ذلك بشكل دقيق لأنه لا يمكن أن تقدر الأصول التي حولت. واستطرد قائلا أن هناك دولا عدة لم تقدم معطيات دقيقة بخصوص هذا الموضوع، وأخرى لم ترسل كافة التفاصيل، والملفات غير متكاملة بوثائق مدعمة، وفي المقابل بعض الجهات تعقد هذه الجهود بأسئلة وأخذ وقت طويل. وشدد على أن الأمم المتحدة تعمل جاهدة على تضييق الخناق، ومساعدة الدول المطالبة بحقوقها وتقريب المسافة بينها وبين الدول المستضيفة لهذه الأرصدة. وكشف الدكتور ديمتري عن تعالي أصوات عديدة تطالب بشفافية أعلى بخصوص تهريب الأموال، والأمم المتحدة تعمل معها في مبادرات متنوعة لاسترجاع الأموال المنهوبة وهي تدعو كافة الدول للتعاون. واعترف بصعوبة تحقيق تقدم سريع مع الدول التي واجهت هذه الظاهرة، لأن المهمة ليست سهلة على حد وصفه، مشددا على ضرورة رسم خطة طريق على المدى البعيد.

بارقة أمل

الأمم المتحدة وفي سياق جهودها لتطويق الظاهرة استحدثت عددا من المبادرات والحملات للتأكيد على خطورة الظاهرة وآثارها السلبية على التنمية المستدامة.
وضمن اتفاقية مكافحة الفساد أعلنت خلال «المؤتمر السنوي الثامن للجمعية الدولية لهيئات مكافحة الفساد» الذي استضافته مدينة سان بطرسبرغ الروسية في 2015 عن استحداث جائزة لدعم الشخصيات والهيئات والمؤسسات التي تعنى بجهود محاربة الآفات التي تعرقل التنمية المستدامة في العالم.
وحملت المبادرة اسم «جائزة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للتميز في مكافحة الفساد» التي ترعاها من خلال «مركز حكم القانون ومكافحة الفساد» الذي يرأس مجلس أمنائه الدكتور علي بن فطيس المري.
وتحدث الدكتور إبراهيم الجازي المدير التنفيذي لمركز حكم القانون في قطر، في تصريح لـ«القدس العربي» عن أهداف الجائزة التي تم إطلاقها السنة الماضية، وبما يوحي اسمها «مكافحة الفساد» على المستوى الدولي، فهي ترمي إلى تكريم الفاعلين في هذه المجالات لترسيخ هذه الثقافة والاحتفاء بكل من يقوم بهذه الأعمال الجبارة.
واعتبر أن الجائزة تم إعداد هيكلها بشكل تقني وحرفي عال ويمكن أن تصنف في خانة جوائز دولية مثل نوبل. وحول آلية عملها لتحديد الشخصيات الفائزة، كشف عن وجود عدد من المؤسسات والإدارات التي تتلقى الترشيحات وتدرسها بدقة وتفرزها لتقوم لجنة متعددة الاختصاصات بتقييمها وترسل إلى جهة عليا تتكون من مجلس أمناء المركز لتصفيتها لتتوافق مع الفئات الأربع التي استحدثتها الجائزة.
وتوقع الدكتور الجازي أن تتحول هذه الجائزة بمرور الوقت إلى مرجع هام في تحديد الشخصيات والمؤسسات الدولية التي لها إسهام في مجال محاربة الفساد لتترسخ تدريجيا هذه القيم وتتحول إلى ظواهر تتعزز بتبني الدول لها.

تكريم واحتفاء بمحاربي الفساد

وفي العاصمة النمساوية فيينا، توج أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني راعي الجائزة الدولية التي تحمل اسمه، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في قصر هوفبورغ عددا من المؤسسات والأفراد والمجموعات من أوروبا وآسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية وأفريقيا، بجائزة تقديرية لجهودهم في مجال مكافحة الفساد وهذا في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد.
ومنحت الجوائز لعدد من الشخصيات في الدورة الأولى، وكرمت أبرز المساهمات والجهود المبذولة لمنع ومكافحة الفساد حول العالم بما في ذلك توجيه الاتهام إلى اثنين من قادة الدول في أمريكا الوسطى وأوروبا.
وبعد عملية اختيار طويلة ومستفيضة، أعلنت اللجنة العليا للجائزة -استناداً إلى توصيات اللجنة الاستشارية للتقييم-عن 7 فائزين ضمن الفئات الأربع: «الابتكار في مكافحة الفساد»، و«البحث الأكاديمي في مكافحة الفساد»، و«جائزة إبداع الشباب»، و«جائزة إنجاز العمر في مكافحة الفساد».
وستعتبر هذه الجائزة أحد ركائز الجهود الدولية المبذولة لمحاربة الفساد الذي يعد أخطر فيروس ينخر جسد المجتمعات ويعرقل جهود التنمية عبر العالم.

تريليون دولار قيمة الرشى حول العالم وتريليونان مبالغ مسروقة ومنهوبة سنويا: تحالفات دولية لتطويق ظواهر الفساد والرشوة والسيطرة عليها

سليمان حاج إبراهيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left