منظمات فرنسية تدق ناقوس الخطر حول آفة الفقر في فرنسا: عدد الفقراء يناهز 9 ملايين و140 ألف مشرد ينامون في العراء

هشام حصحاص

Dec 10, 2016

باريس ـ «القدس العربي»: أصدرت منظمة «كاريتاس» الفرنسية التي تعنى بالفقراء تقريرها السنوي قبل أيام، تحت عنوان «الفقر في فرنسا». وعبرت المنظمة عن مخاوفها من تزايد نسبة المعوزين في خامس أكبر قوة اقتصادية في العالم، وناشدت المرشحين للانتخابات الرئاسية إلى تقديم التزامات ضمن برامجهم الانتخابية لحلول ناجعة للحد من هذه الآفة.
وأشارت المنظمة إلى أن نحو1.5 مليون شخص في حالة اجتماعية «ضعيفة» ولجأوا إليها لطلب المساعدة المادية أو العينية. كما أن عدد المواطنين الذين طلبوا يد العون ازداد بنحو 40 ألفا مقارنة مع السنة الماضية. ويرصد التقرير أن هذه الأرقام تخص فقط منظمة «كاريتاس» وبالتالي فعدد الفقراء أعلى بكثير من هذه الأرقام على المستوى الوطني.
كما أن المرصد الوطني الفرنسي في آخر تقرير له أكد أن عدد الفرنسيين العاطلين عن العمل بلغ 6 ملايين.

9 ملايين فقير

ويشير تقرير المركز الوطني للاحصاء في تقريره السنوي لعام 2015 إلى أن نسبة الفقراء في فرنسا في ازدياد مضطرد، وقد بلغ نحو 9 ملايين فقير أي ما يعادل نحو 2.5 مليون أسرة، وازداد عدد الفقراء ما بين 2004 و2014 بأكثر من مليون شخص.
وبالتالي أصبح الفقراء يمثلون 14 في المئة من نسبة السكان البالغ عددهم 65 مليون نسمة. ويدخل في خانة الفقراء كل الأشخاص الذين يعيشون بأقل من 833 يورو في الشهر.
ويشير تقرير منظمة «كاريتاس» أن فئة «الأسر» هي الأكثر تضررا من بين كل الفئات الاجتماعية خصوصا النساء اللواتي يربين أبناءهن في غياب الأب، وبلغ عددهن نحو 29 في المئة من إجمالي نسبة الفقراء. كما أن نحو 36 في المئة من الأشخاص الذين يطلبون المساعدة من «كاريتاس» هم من «النساء الأجنبيات» وأغلبهن «لا يتقن اللغة الفرنسية، ولا يتوفرن على عمل قار». وخلص التقرير أيضا إلى أن 65 في المئة أو نحو ثلثي هذه الشريحة الاجتماعية تعيش بأقل من 672 يورو في الشهر. وأوضحت «كاريتاس» أنه خلافا عما يروج له عدد من السياسيين خصوصا اليمين واليمين المتطرف، عن استفادة الأجانب من المساعدات الاجتماعية فإن 72 في المئة من الفرنسيين هم من يستفيدون من هذه المساعدات بينما الأجانب بنسبة 37 في المئة فقط.

ثلاثة ملايين طفل فرنسي فقير

وأشارت منظمة «اليونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في تقرير مفصل لها صدر السنة الماضية إلى أن نحو ثلاثة ملايين طفل فرنسي يعيشون تحت عتبة الفقر، أي ما يعادل واحد من بين خمسة أطفال.
كما أظهر التقرير أن دائرة الفقر اتسعت بشكل مقلق في السنوات الماضية، لتصل نحو نصف مليون طفل، بينهم 30 ألف طفل تم تصنيفهم ضمن خانة «المشردين» باعتبارهم لا يملكون مسكنا قارا.
ولا يختلف وضع الأطفال الأجانب المقيمين في فرنسا مع وضع الأطفال الفرنسيين، بل يشير تقرير اليونيسيف إلى أن نحو 11 ألف طفل أجنبي يعيشون في ظروف اجتماعية صعبة للغاية ويقطنون في الأحياء القصديرية، إضافة إلى كونهم محرومين من أدنى حقوقهم الأساسية ويعانون من التمييز والعنصرية.
وأفادت «هيئة الاحصاءات الأوروبية» في تقريرها الذي صدر يوم الأربعاء الماضي، أن نحو 25 مليون طفل في دول الاتحاد الأوروبي أي ما يعادل 27 في المئة من الفئة العمرية أقل من 17 عاما، يواجهون «خطر الوقوع في الفقر».
وأشار المركز الوطني للاحصاءات في تقريره السنوي الأخير أن فئة «الشباب» تعاني أيضا من الفقر، بنسبة 19 في المئة للشريحة العمرية بين 18 و29 سنة، وارتفع عدد الشباب الفقراء بنحو 420 ألف خلال العقد الأخير. وتشير الأرقام الرسمية أن عدد الطلبة الفرنسيين يبلغ نحو 2.2 مليون طالب، بينهم 100 ألف يعيشون تحت خط الفقر، ما اضطر عددا من الشباب إلى الانقطاع عن الدراسة الجامعية، بينما اضطرت بعض الفتيات الطالبات إلى امتهان الدعارة من أجل إكمال دراستهن. وحسب دراسة جامعية صادمة فإن 40 ألف طالبة فرنسية على الأقل التجأن إلى الدعارة من أجل توفير تكاليف الدراسة الباهظة.

معاناة الأسر في دفع تكاليف الإيجار

وأفادت مؤسسة «أبي بيير» التي تدافع عن حقوق المستأجرين بأن القضاء الفرنسي أصدر أحكاما بالإخلاء في عام 2015 وصلت إلى 67 ألف حالة. كما سجلت ارتفاع حالات الإخلاء، مع تدخل قوات الأمن بنحو 24 في المئة أي ما يعادل 15 ألف حالة إخلاء بالقوة. وتعزو المؤسسة ارتفاع نسبة المطرودين من مساكنهم إلى ارتفاع نسبة البطالة، وكذلك ارتفاع أسعار الإيجار في فرنسا في السنوات الأخيرة.
وحسب تقرير المؤسسة لهذا العام، فإن نحو 4 ملايين فرنسي يعانون من صعوبات لدفع الإيجار آخر كل شهر، من بينها 500 ألف أسرة توجد في وضعية «عجز كلي» عن الأداء. كما أن نحو 10 ملايين شخص يوجدون في حالة «ضعيفة» في ما يخص العيش الكريم في سكن لائق يحفظ الكرامة الإنسانية.
وحذر ايريك بلييز مدير المؤسسة الوطنية للخدمة الاجتماعية والصحية من «كارثة حقيقية خلال فصل الشتاء» في حال لم تتدارك الدولة الأزمة بشكل عاجل وتقوم بإيواء أكبر عدد من الأسر والأفراد الذين يعيشون من دون مأوى. وأضاف «أن أزمة السكن ازدادت حدة في الأشهر الماضية بسبب ارتفاع نسبة المهاجرين واللاجئين الذين توافدوا بالآلاف على فرنسا ويعيشون ظروفا إنسانية مأساوية».
وقد أعلنت الحكومة الفرنسية إطلاق «برنامج فصل الشتاء» بداية الشهر الجاري، بالتنسيق مع العديد من المنظمات والجمعيات التي تساعد لايجاد حلول عاجلة لإيواء عدد كبير من المهاجرين واللاجئين إلى جانب المواطنين الفرنسيين المشردين.
وأكدت وزيرة السكن الفرنسية أمانويل كوس بأنها أعطت تعليماتها من أجل استغلال كل المؤسسات التي يمكنها أن تستقبل مواطنين من دون مأوى، وأكدت أن الحكومة عملت جاهدة على رفع ما يعرف بـ «أماكن الايواء بشكل عاجل» وخصصت لباريس وحدها «نحو ثلاثة آلاف مكان إضافي إلى جانب 93 ألف مكان مجهز بكل المرافق، طيلة فترة الشتاء وبشكل يومي».

وككل عام من بداية شهر تشرين الثاني/نوفمبر، تتنفس مئات الآلاف من الأسر الفرنسية الصعداء، بحيث تتزامن مع فترة بدء سريان عملية ما يعرف بـ«الهدنة الشتوية» لمدة خمسة أشهر، وتتوقف عمليات إخلاء المساكن المستأجرة بالنسبة للأسر التي تعاني الفاقة وتجد صعوبة في دفع فواتير الإيجار، وتستمر هذه الهدنة إلى غاية 31 من آذار/مارس من العام المقبل. ويمنع القانون الفرنسي منعا باتا طرد المتخلفين عن دفع الإيجار حتى في حال صدور قرار الإخلاء من المحكمة. كما يلزم القانون أيضا الشركة الوطنية الفرنسية للكهرباء والغاز بتزويد الأسر خلال هذه الفترة بالكهرباء والغاز حتى وإن لم تدفع فواتير الاستهلاك. وللاشارة فقد دخل هذا القانون حيز التنفيذ منذ عام 1956 بعدما ضربت فرنسا موجة برد قارس راح ضحيتها عشرات المواطنين.

140 ألف مشرد

وبغض النظر عن أزمة اللاجئين الذين تدفقوا على عدد من الدول الأوروبية بينها فرنسا هربا من الحرب في سوريا والعراق، فقد أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية في شهر كانون الثاني/يناير الماضي أن فرنسا تضم نحو 142 ألف مشرد، وأغلبهم «مواطنون فرنسيون» أو من المواطنين الأجانب الذين يقيمون بشكل شرعي في فرنسا، وليسوا من المهاجرين غير الشرعيين أو اللاجئين.
كما أكد ائتلاف «أموات الشارع» في 27 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أن عدد الأشخاص المشردين الذين قضوا في الشارع منذ بداية العام الجاري بلغ 323 شخصا. وأوضحت هذه المنظمة الحقوقية التي تقوم بعملية إحصاء المشردين الموتى أن هذه الحصيلة قد تكون «ستة أو عشرة أضعاف هذا الرقم (323)، بسبب عجزنا عن تغطية كل التراب الفرنسي». وأضافت أن في 2015 ناهز عدد الموتي المشردين نحو 2500 شخص، بينهم 450 حالة وفاة في فصل الشتاء، موثقة من طرف وزارة الصحة. كما تم توثيق نحو 6 آلاف حالة وفاة لمشردين خلال السنوات الأربع الماضية.
وتطالب عدد من الجمعيات التي تدافع عن حقوق المشردين الحكومة بالتدخل من أجل استخدام الشقق والمكاتب الفراغة من أجل إيواء المشردين والمواطنين من الذين دون مأوى، وحسب إحصاءات حكومية رسمية، فهناك نحو مليوني شقة غير مسكونة في فرنسا، إضافة إلى ملايين الأمتار المربعة على شكل مكاتب فارغة.

«مطاعم القلب» تقدم 133 مليون وجبة

وأطلقت جمعية «مطاعم القلب» الأسبوع الماضي حملتها السنوية لإطعام المعوزين والمشردين، ودعت إلى تكثيف الجهود من أجل مساعدة أكبر عدد ممكن من الفقراء في فرنسا. وأضحت هذه الجمعية منذ تأسيسها من طرف الكوميدي الفرنسي المعروف كولوش قبل نحو ثلاثة عقود، تقدم ملايين الوجبات لعشرات الآلاف من العوائل المعوزة، كما أن بعض المستفيدين منها، يتوفرون على عمل وعلى عائد مادي شهريا لكن لا يكفيهم لإطعام أبنائهم.
يشار إلى أن هذه المؤسسة الخيرية تتوفر على مطاعم موزعة على كامل التراب الفرنسي ويبلغ عددها 2112 مطعما، وتعتمد على 71 ألف متطوع في تسييرها، ويبلغ حجم ميزانيتها نحو 200 مليون يورو بينها نحو 100 مليون يورو من التبرعات، وعوائد حفلات قام بها فنانون لصالح الجمعية. وأفادت «مطاعم القلب» في تقريرها السنة الماضية، أنها قدمت نحو 133 مليون وجبة، واستفاد من خدماتها نحو 936 ألف شخص، بينهم 3850 ألف طفل. كما أنها وفرت نحو 71 ألف «ليلة مبيت» في الفنادق للمشردين الذين يبيتون في العراء، خلال فصل الشتاء، وتصل درجات الحرارة نحو 20 درجة تحت الصفر أحيانا في بعض مناطق فرنسا.

منظمات فرنسية تدق ناقوس الخطر حول آفة الفقر في فرنسا: عدد الفقراء يناهز 9 ملايين و140 ألف مشرد ينامون في العراء

هشام حصحاص

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left