حنان الحروب في حديث لـ«القدس العربي»: المعلمون قوة حقيقية وهم من يستطيعون تغيير العالم نحو الأفضل

حاورتها: وجدان الربيعي

Dec 10, 2016

المعلمة حنان الحروب ساهمت في وضع اسم فلسطين بقوة على خريطة العالم من خلال منهجها التربوي القائم على الحد من العنف عن طريق «التعلم باللعب». في مخيم الدهيشة الذي عانى من ويلات الاحتلال كانت أولى خطوات حياتها القاسية والتي استطاعت أن تتغلب عليها بإصرارها المتواصل ونجحت في حفر اسمها في ذاكرة العالم بعدما توجت المعلمة الفلسطينية بجائزة أفضل معلم في العالم لعام 2016 التي تمنحها مؤسسة «فاركي فاونديشن» وهي مؤسسة إنسانية غير ربحية أسسها صاني فاركي، مؤسس «جيمز إديوكيشن» وتعمل على بناء مستقبل تكون فيه جودة التعليم في متناول الجميع. وجاء فوز حنان الحروب من خلال مبادرة انطلقت بها عنونتها بالتسامح والأخلاق والمرح أرادت أن تعزل الأطفال عن أجواء العنف والصدمات المحيطة بهم المباشرة وغير المباشرة ونجحت في تحويل التعليم إلى متعة ومرح من أجل خلق جيل مبدع يفكر ويخطط ويشارك بعيدا عن التلقين الذي جعل الطالب يكره المدرسة وينفر من التعليم.
«القدس العربي» أجرت حوارا مع حنان الحروب خلال زيارتها إلى لندن استكمالا لجولاتها العالمية، حيث استقبلت بحفاوة كبيرة من عدد من المؤسسات التربوية وغير التربوية وقدمت ورقة عمل وضحت فيها كيفية التعامل مع معاناة الأطفال اللاجئين الذين هربوا إلى بريطانيا واحتياجاتهم النفسية، وركزت على ضرورة توفير التعليم لهم كمطلب أساسي لا يقل أهمية عن توفير الدواء والطعام. كما افتتحت بورصة لندن في سابقة لم تحصل، إذ يفتتحها عادة كبار المشاهير حول العالم. وفيما يلي نص الحوار:
○ كيف بدأت الفكرة وما هي الظروف التي جعلتك تفكرين في طريقة مختلفة في التعليم وكيف نجحت في إثبات فكرتك؟
• القصة بدأت كأي قصة ممكن تعيشها عائلة فلسطينية تحت الاحتلال والأوضاع وتفاصيلها لا تخفى على أحد. أولادي كانوا عائدين من المدرسة، ابني في الصف الأول ابتدائي وبنتين توأم في الثالث ابتدائي ووالدهم في السيارة وزوجة عمهم يقفون على حاجز عسكري وفيه تم إطلاق الرصاص عليهم من قبل جنود الاحتلال وأصيب أبوهم وزوجة عمهم.
أطفالي شاهدوا والدهم مصابا وهذه الحادثة سببت لهم صدمة عنيفة أثرت فينا كأسرة وعانيت معاناة شديدة في سبيل إخراج
أولادي من آثارها. تسببت تلك الصدمة في انعزالهم وزعزعت ثقتهم في أنفسهم وصاروا لا يتقبلون الآخرين، وتولد جو من العنف فيما بينهم، وتدنى تحصيلهم الدراسي تدريجيا. وفي المدارس عموما، المعلمون غير مدربين على سبل المعالجة والتعامل مع نتائج تلك الصدمات ولا يوجد مرشدين اجتماعيين لمساعدة الأطفال على تجاوز حالات كهذه يمرون بها. اضطررت لمساعدة أطفالي بنفسي عبر «اللعب» ونجحت في إخراجهم من أجواء تلك الصدمة وعملت زاوية في البيت أصمم فيها ألعابا أثناء فك منع التجوال في الانتفاضة الثانية، وقتها كان الناس يخرجون للبحث عن طعام بينما أنا كنت أبحث عن مكتبة من أجل الحصول على ألوان وبالونات وأدوات للرسم حتى أستطيع انتشال أولادي من تلك الأزمة وتدريجيا بدأت الثقة في النفس تزيد، وبدأ أولاد الجيران يلعبون مع أولادي.
أخذ ذلك مني وقتا طويلا لكني استطعت إخراجهم من دوامة العنف وآثار الصدمة التي تولدت من جراء العنف المحيط بهم ومنذ ذلك الحين أخذت على عاتقي أن أساعد كل طفل يحتاج إلى مساعدة.
○ ما هي نظرية حنان الحروب في تعليم الأطفال وكيف جعلت التعليم أكثر متعة؟
• الطفل الفلسطيني يتعرض للعنف بشكل مباشر وغير مباشر نتيجة الاحتلال وسلوكياته العنيفة تجاه المجتمع ككل والأطفال خاصة حيث تتأثر سلوكيات الطالب بفعل العنف المسلط عليه وبالتالي تشــكــل عائــقــا لنا كمــعلمين في الصفوف الدراســية كما تصير عائقا للطفل أمام استيعاب الدروس وحبه للعلم والمعرفة.
عبر اللعب استطعت الحد من العنف وتغيير السلوكيات الشاذة وتمكنت من تقديم تعليم مناسب أخذة في الاعتبار احتياجات كل طالب على حدة ومجموعة هذه السلوكيات جعلت التعليم أكثر متعة. في صفي أشعر أني وتلاميذي أسرة واحدة.
منهجيتي تتمثل في الحد من العنف عبر عنوان أساسي هو «نلعب ونتعلم» فباللعب أستطيع تغيير السلوكيات العنيفة وغير المرغوبة، تلك السلوكيات التي تشكل عائقا لنا كمعلمين من القيام بواجباتنا. باللعب نغير تلك السلوكيات وكوني أحاكي مرحلة الطفولة خاصة ان أكثر شيء محبب للأطفال هو اللعب، أعلمهم كيف هي آليات الحوار وكيف يحاكمون سلوكياتهم ويفكرون ويراجعون ما قاموا به من تصرفات أدت للخسارة وتدريجيا يضطر الطالب إلى تغيير نفسه لانه يريد المشاركة والفوز ويريد ان يحصل على جوائز لمجموعته. لا أقول للطالب لا تفعل ذلك ولا أطلب منه شيئا بالأمر ولا أوبخه بل بالعكس، أغرس الأخلاق وأعلم القيم من خلال الألعاب التي تتمثل في الحركة والغناء والرسم والتي أصبحت تخفف من معاناة الأطفال الذين يتعرضون لصدمات تسببت في فقدانهم للسلام النفسي، استطعت ان أعزلهم عن العنف الخارجي وأصبح الصف أكثر متعة للطفل.
التدريس التلقيني انتهى

الطفل الآن أصبح يصل إلى أي معلومة من خلال الأجهزة الالكترونية لذلك يجب ان تتغير أساليب التعليم. الطفل اليوم يحتاج إلى ان يشارك ويتحرك ويفكر ويستنتج ويخطط، من هنا فالتدريس التلقيني انتهى، وآن الأوان لإعادة تدريب المعلمين على تغيير أساليب ونوعية التدريس.

الفوز بالجائزة انتصار لفلسطين

○ ماذا يعني لك الفوز بجائزة أفضل معلم ولمن تهدين هذا الفوز؟
• سعيدة جدا وأعتبر ذلك انتصارا للقيم الإنسانية في العالم، فكرة مؤسسة «فاركي فاونديشن» البريطانية كان الهدف منها تطوير التعليم بعد ان لوحظ أن هناك تراجعا في مكانة المعلم وتراجعا في نوعية التعليم على مستوى العالم.
كانت الفكرة بإطلاق جائزة توازي جائزة نوبل ترفع من مكانة المعلم وتحسن من جودة ونوعية التعليم من خلال القاء الضوء على قصص نجاحات تكون ملهمة للمعلمين الآخرين في جميع أنحاء العالم. من فلسطين شارك 3 معلمين على مستوى 50 معلما في العالم في المرحلة الأولى، بعدها تأهلت من بين 8000 معلم من 148 دولة حول العالم، وتم ترشيحي ضمن العشرة المتميزين وبعدها كان الفوز، وشعرت في لحظات الفوز أننا كمعلمين وحدنا العالم بالتعليم.
كان الجميع يتساءل أي مستقبل نترك لأطفالنا؟ وسؤالنا كمعلمين ومعلمات كان أي أطفال نترك للمستقبل؟
نعم في إمكاننا ان نساعد أبناءنا في ان ينخرطوا في فهم العالم وتسهيل اندماجهم فيه كفاعلين مبدعين عبر سياقات متعددة تتضمن اللعب والرسم والحركة، سياقات توفر لهم التساؤل والحوار والتفكير والشعور مما يجعلهم يعبرون عن مشاعرهم ويبنون قيمهم وأخلاقياتهم كبشر صغار ينمون بشكل يضمن عالما أكثر عدلا وجمالا وحرية.
صحيح ان المستقبل يبدو بعيدا وغامضا لكن بمجرد الإنخراط في صنعه يمتلئ بالضوء.
شعاري لا للعنف لهذا العام واقترح ان يكون عام 2016 عام المعلم الفلسطيني ليقدم العالم دعمه لنا لتحقيق الأمل نحو العدل والسلام.
أما فوزي فأهديه لطلابي ولأبناء شعبي في الوطن والشتات لزوجي وأولادي ولمن علمني في المدرسة وفي جامعة القدس المفتوحة، ففوزي بهذا المنصب نتاج لمعلمين رائعين. كما أشكر سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ومؤسسة «فاركي فاونديشن».
○ كونك امرأة فلسطينية هل يحملك هذا الفوز مسؤولية مزدوجة في واقع الاحتلال المفروض؟
• كوني أمثل نموذجا وملهما وكوني فلسطينية فهذا يحملني مسؤولية مضاعفة. هدفي عزل الأطفال عن المعاناة وهذا أمر صعب لكني أؤمن ان التعليم سلاح وهو طريق للنجاح وللصمود والحفاظ على الهوية وإثبات حقنا في أرضنا، كما أني على يقين ان تدريب المعلمين مسألة مهمة والأهم من ذلك اقتناعهم بهذه النظرية التي سمع العالم عنها اليوم وهناك مدارس بدأت تطبقها في الأراضي المحتلة وفي دول كثيرة عبر العالم وتبحث بعض الجامعات إمكانية تدريسها.
نعم يمكن ان نغير الواقع ونبني المستقبل، المعلمون هم القوة الحقيقية على الأرض وهم من يستطيعون التغيير، نحن نوحد العالم في التعليم في إمكاننا التغيير نحو الأفضل.

مهمة المعلم الفلسطيني غاية في التعقيد

○ كيف تصفين أوضاع المعلمين في الأراضي المحتلة وهل ضمن خطتك تدريب المعلمين لدمج منهجية «التعليم باللعب» في المناهج الدراسية الحالية؟
• لا شك ان المعلم الفلسطيني يعيش في ظروف غير طبيعية، فالعنف والاحتلال يحاصرنا من كل الاتجاهات ويتسرب إلى كل زوايا الطبيعة التعليمية ومكوناتها، لذلك أصبحت مهمتنا غاية في التعقيد حيث نرى يوميا المعاناة في عيون طلبتنا ومعلمينا تلك المعاناة الناتجة عن المضايقات التي تتنافى مع المبادئ الإنسانية والأعراف والقوانين الدولية تتجسد في حواجز الاحتلال وأحزان الفقد وآلام الاستعباد وتدخل إلى الصف على شكل مشاعر حزينة وأفعال عنف تنتشر في المدرسة والصف والمجتمع، عنف خطير في وجه ان نعيش حياتنا بشكل طبيعي هنا يبدأ دور التعليم، ومن هنا تنبثق مسؤولية المعلم كمربي وفنان يخلق بيئة وسياقا لتحرير الأطفال من العنف ويحرر خيالاتهم ويجسدها في أشكال من الحوار والحب والجمال. نريد لأطفالنا أن يعيشوا بحب وسلام كبقية أطفال العالم.

محطات في حياة المعلمة حنان الحروب

• تنحدر من مخيم الدهيشة في مدينة بيت لحم.
• كانت طالبة مجتهدة وذكية ومتميزة.
• عاشت في بيت أسرة بسيطة لاجئة مكافحة.
• نشأت وترعرت في بيئة كلها عنف واحتلال. لم تعش طفولتها الطبيعية في أكثر الظروف مأساوية.
• انهت التوجيهي أو البكالوريا الفرع العلمي بنجاح مميز ودخلت بعدها الحياة الزوجية.
• اصرارها على العلم ومساندة وتفهم زوجها وإرادتها القوية وتشجيع المحيطين بها دفعها لإكمال الدراسة الجامعية.
• بعد تخرجها بدأت برسم معالم حياتها وصقل إبداعاتها إلى ان وصلت من أزقة المخيم إلى فضاءات العالم.
• صاحبة منهجية التعليم من خلال اللعب التي بدأت بتطبيقها في البيت ومن ثم الفصل.
• تدرس الحروب في مدرسة سمية خليل في مدينة البيرة وسط الضفة الغربية.
• خبرتها في الإرشاد النفسي والاجتماعي ساهمت في تعزيز ثقة طلابها بها وحبهم للعلم.
• تم ترشيحها ضمن 10 معلمين.
• تأهلت من بين 8000 معلم ومعلمة من 148 دولة حول العالم.
• في عام 2016 فازت حنان الحروب بجائزة أفضل معلم على مستوى العالم وبذلك انتصرت لفلسطين.

حنان الحروب في حديث لـ«القدس العربي»: المعلمون قوة حقيقية وهم من يستطيعون تغيير العالم نحو الأفضل

حاورتها: وجدان الربيعي

- -

4 تعليقات

  1. قلب جميل.. كلة رحمة.
    كان انطوائياً لا يتحدث الكثير من الكلمات غير أنة كان ممتازاً بالعمل منجزاً بدقة لكل ما يوكلُ الية. شاباً في نهاية العشرينات من العمر، سألته مراراً عن سبب صمته و من ثم هذه الانطوائية ، كان يميع الإجابة و لا يعطيك شيئاً… مرت الأيام والأشهر وانفتح ما بداخلة ليجيب…
    كان عليَّ ان اصنع اخطر قرارٍ في حياتي عندما كنت طفلاً في الرابعة من عمري، على حاجزٍ بلبنان وقفنا، جدي وابي وانا، كفلسطينيين كان يجب ان نفتش على نقطه من نقاط أمل (ورثها حزب حسن فيما بعد) ، زجرني معلناً ذلك الأملاوي المدجج، واحداً من هذين الاثنين يجب ان يذهب، قل لنا يا صغير أيهما تختار، قالها عابثاً وهو يمسك برأس ابي، من الذي تريدة ان يذهب.. صرخت لا. لا. اترك ابي… أطلق رصاصه واحدة اخترقت جمجمة جدي العجوز…

  2. تحية إكبار وإجلال إلى هذه المعلمة.
    مجهود يذكر فيشكر ما قامت به في ظل احتلال لفلسطين أن نجحت في الإحاطة بالتلميذ الذي هو أساس للتعلم وجعله يثق بنفسه بعد إخراجه من دوامة العنف المفروضة عندنا وهو ليس بالأمر السهل.
    هكذا يقع إصلاح التعليم إنطلاقا من المعلمة والمعلم حيث أن كل منهما يعايش واقع التلميذ فهو الأقرب إلى فهم سلوكه وتعديله ممكن حتى يستقيم التعليم.
    في تونس على سبيل المثال وبعد 14/01/2011 كان من المفروض الإحاطة بالتلميذ من خلال التشجيع على ابتكار ما يُصلح التلميذ بعد التغير الذي حصل بالتحفيز لكل معلم أو أستاذ أن يستنبط على غرار ما قامت به المعلمة الفلسطينية السيدة حنان الحروب.
    بحيث لا يكون الإصلاح مسقطا على بيئة فيها العنصر البشري ، التلميذ، مهزوز نفسيا. بل أكثر من ذلك يقع التعمد لإحباطه وشيطنة معلمه من قبل من ادعى أن الله خلق العالم في ستة أشهر. حيث لن يستقيم حال التعليم من خلال تطفل السياسي بأن يكون التعليم عنده حسبة فلوس بدل إصلاح النفوس وتغيير ما يجب تغييره لأن التعليم في تونس ما عاد يحتمل أكثر خصوصا وقد أتى في المراتب الأخير من ناحية التصنيف بسبب زيد أو علان.

  3. التعليم ، مفتاح التغيير،وتجربة حنان الحروب مثال،إنساني،وطني،على ما يمكن للتعليم أن يحدثة،حتى تحت،
    ظروف الإحتلال،تحية للإبداع والتميز .

  4. المعلمون قوة حقيقية وهم من يستطيعون تغيير العالم نحو الأفضل…. ربما يكون الكلام صحيح لكن يستثنى من ذلك العالم العربي المكبل بأنظمة ديكتاتورية لا تتحدث عن المعلم والمعلمين إلا أمام وسائل إعلام أجنبية…. و لأن فاقد الشيء لا يعطيه، أنظمة لا تريد إلا اشخاص لا يفقهون سوى كلمة سمعاً وطاعاً سيدي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left