الرقص فوق الخراب

الياس خوري

Dec 13, 2016

يستطيع بشار الأسد أن يرقص فوق ركام حلب ويدخل بجيشه وميليشيات حلفائه الأصوليين المدينة، وينتقم من قلعتها، ويدمر قبر المتنبي، معلنا انتصاراً فوق خراب المدينة الأجمل وبقاياها.
كما تستطيع الدول العربية والإقليمية التي استباحت الانتفاضة الشعبية السورية بالمال والنفط والغاز والسلاح غير المجدي، أن تطرب، حتى وهي ترى اتباعها يُهزمون، لأنها نجحت في وأد فكرة الحرية وكرامة الانسان التي جعلت مئات آلاف السوريين يحتلون الشوارع، بهتافهم وموتهم الذي احتلّ السماء.
يستطيع بوتين أن يتباهى بأن تدخل طيرانه وخبرائه وآلة الدمار التي تملكها روسيا حوّل كل سورية إلى غروزني، وحقق أمنية الديكتاتور السوري الصغير الذي أعلن شعاره: «الأسد أو ندمّر البلد».
وتستطيع الدبلوماسية الأمريكية أن تقدّم درساً للعالم في الخبث والضِعة والكلام الفارغ من المعنى، وهي تشاهد كيف أنجزت دمار سورية من دون التكلفة الباهظة التي دفعتها من أجل تدمير العراق.
لقد دمر المستبد السوري بلده بيديه، متكئاً على حلف إقليمي دولي أسود، يعتقد أنه يستعيد فوق خراب سوريا امبراطورية روسية غاربة، أو حلم امبراطوري ايراني.
وتستطيع اسرائيل الليكودية العنصرية ان تنتشي، وهي تشهد كيف تدمر بلاد الشام على ايدي الطاغية.
وفي النهاية يستطيع الأصوليون أن يفاخروا بأن قمعهم للشعب السوري في المناطق التي استولوا عليها، لم يكن أقل وحشية من قمع النظام. وأنهم حين داسوا علم الثورة السورية، كانوا يدوسون على الحلم الديمقراطي، وبذا اكتسبوا تجربة دموية جديدة تؤهلهم للعب أدوار جديدة عند مشغليهم المباشرين وغير المباشرين.
كل القتلة والسفاحين اجتمعوا من أجل قتل سوريا، واذلال شعبها. فعندما تخطف رزان زيتونة وسميرة الخليل في دوما التي يحكمها «جيش الإسلام»، وعندما لا يرفع الأصوليون سوى شعار إذلال المرأة السورية، وحين لا يكون هم «داعش» سوى السبي والقتل والحرق، فإننا نكون أمام مشهد يعيد صوغ وحشية سجن تدمر، وإصرار شبيحة النظام على اجبار المعتقلين على تأليه الأسد، واحتفالية القتل والاغتصاب والاذلال، التي اتقنها الشبيحة، وهم يستبيحون سوريا، ويحولون ذكرى تيمور لنك إلى مشهد في الحاضر.
افرحوا أيها القتلة والسفاحون، ويحق لكم ذلك. فلقد كانت سوريا هي النقطة المفصلية التي أعلنت انهيار القيم الأخلاقية والانسانية، ودخول العالم بأسره وعلى رأسه الغرب الامريكي في نفق الوحشية والعنصرية.
لا نريد أن نلوم أحداً، الشعب السوري انفجر بثورة نبيلة شكلت نموذجا لإرادة شعب وصلابته وقدرته على التضحية في مواجهة الطغيان والاستبداد. كانت مظاهرات المدن والبلدات السوريا وشعاراتها الوطنية التي قمعت بالرصاص والقتل والتعذيب والاذلال، اعلانا صارخا بأن نداء الحق والحرية يستطيع أن يصنع لغته، رغم كل شيء.
لا نريد أن نلوم أحداً، بلى يجب أن نتوجه بالسؤال إلى من نصّب نفسه قيادة لم تستطع أن تقود، فانجرفت إلى أوهام التدخل الخارجي، وارتمى بعضها على الأقل، في أحضان زمن النفط والاستبداد العربي، بحيث أُكلت الثورة من خارجها، عبر المال والسلاح والفكر الاصولي الظلامي، ليجد الشعب السوري نفسه وحيدا في مواجهة آلات قتل عمياء.
بلى يجب أن نعيد النظر في ثقافتنا بشكل جذري، لا لأن المشكلة ثقافية فقط، فالمشكلة سياسية اقتصادية أولا، بل كي نعيد تشكيل النخب الثقافية والفكرية، التي عليها أن تحمل ارث هذا الدم السوري وتحوله إلى فعل تاريخي عبر الالتحام بالناس، والإنخراط في آلامهم ومعاناتهم، كي نحوّل هذه المقتلة وهذا الألم العظيم، إلى تاريخ نرى من خلاله مستقبلا تصنعه الحرية.
بلى يجب ألا نغفر للقتلة والسفاحين، ويجب أن نحاكمهم أمام ضميرنا الوطني في كل لحظة، إلى أن يحين موعدهم مع العدالة.
بلى يجب ألا ننسى قوافل الذين قضوا تعذيبا وقتلا، مشاهد الأطفال تحت الأنقاض، ومعاناة ملايين اللاجئين، وأنين المدن التي اقتلعت فيها الحياة.
يستطيع القتلة أن يطربوا، فالفاشية تعم العالم، الرئيس الأمريكي الجديد يجسد الفظاظة والوحشية الرأسمالية وانتقام الرجل الأبيض، وهو يرى في الديكتاتور العربي الذي حطّم بلاده أفضل حليف كي يستمر انحطاط العرب وذلهم وخيبتهم. وهو في ذلك يلتقي بالقيصر الروسي وبالفاشي الصهيوني، الذين لا يرون في بلادنا سوى الخراب الذي تصنعه صحراء الدم.
السوريات والسوريون، الذين علمونا التضحية والكبرياء، يشهدون اليوم خراب هذا الزمن، لكنهم يعلمون أن انتصارات الاستبداد والفاشية والاصوليات العمياء ليست سوى وهم.
صحيح أن مشاهد الخراب أعمت العيون، وصحيح أيضاً أن الحناجر قُطعت وجثث الأطفال شُوهت وكرامة الناس حجبها غبار القصف.
لكن ما لا يعرفه الطغاة هو أن من يلعب بالدمار سوف يصير ضحيته، وأن فرحهم اليوم بتدمير الأرض والشعب، هو لحظة مؤقتة لا تستطيع أن تدوم.
فالشعب الذي كسر جدران الخوف، ولبس الحرية، لن يعود إلى زمن الظلمات، مهما كانت قوة البطش.
الشعب الذي كسر تماثيل المستبد لن يرفعها من جديد، حتى ولو جاءت كل قوى الأرض من أجل رفعها.
الشعب الذي يهان اليوم في مخيمات اللجوء، وفي مدن سورية التي صارت كلها مستباحة، لن يرضى بالذلّ.
الطاغية يتوهم أنه انتصر، نعم لقد انتصر، لكنه سيحوّل انتصاره إلى وهم، وسيرى أن لا أحد يستطيع أن يلعب بالموت إلى ما لا نهاية.
انها لحظة للألم، لكنها ليست لحظة لليأس، انها بداية زمن ما بعد اليأس الذي يجب أن نصنعه بالصبر والاصرار على حلم الحرية.

الرقص فوق الخراب

الياس خوري

- -

13 تعليقات

  1. المقال هذا يستحق أن يُكتب بحروف من ذهب لإتزانه وحياده
    الذي كان ينقص الثورة السورية هو وجود قائد للثورة وليس أمراء حرب !
    الثورة السورية قامت في سبيل الحرية والكرامة والإسلام لا يعارض ما قام به الثوار
    الشعب السوري حر في إختيار من يمثله من نظام سواء كان نظام علماني أم قومي أم إسلامي !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مقالة رائعة وصفت الحقيقة و الواقع لهذه الثورة العظيمة بتضحياتها و المفجعة الى ما وصلت اليه حتى الأن. شكرا الياس خوري لأنك تمنحنا بعض الأمل في وقت يعترينا فيه كل الألم على ماحدث و يحدث في وطننا و شعبنا.

  3. ما ( أذكى ) الفرس ! لقد حولوا الروس الى صفويين ، وجعلوا روسيا (العظمى) مجرد بندقية مستأجرة في سوريا !

  4. مقال رائع يلخص مسار الثورة السورية والتي فضحت الجميع بلا استتناء. خذلان العالم للسوريين نقطة سوداء لن تمحى ابدا. لكن الشعب المرابط الى يوم الدين لن يضره خذلان احد. والحرب سجال يوم لك ويوم عليك.

  5. تعليقي هو احترامي وتقديري للمثقف الصافي الخوري الذي لخص في هذا المقال الوثيقة المأساة العبثية لما جرى يجري لإنسان عربي بسيط جريح في أرض الشام الطاهرة

  6. لقد حرقت حشاشة كبدي اخي الياس بمقالك الرائع هذا !! هذه الحشاشة حُرِقت عند اول مشاهدة لوجه طفلٍ تشوه بنار حقدك يا “اسد” المستوحشين ؟ هذه الحشاشة سوف تعيد انتفاض كرامتها وكبوتها لكثرة ما شاهدته من تناثر اعضاء شيوخ ومسني ونساء سوريا , في سماء حقدكم , وتثخين الجراح , ونشوتكم باشتمام رائحة الدماء , من اين لكم هذا الوجه القبيح يا اولاد القحبة ,مع الاعتذار لمظفر النواب!!
    ان براميل البارود المدعومة ببراميل الزيت التي القيت على الاحياء الآمنة في حلب ,وتسببت بفناء الآلاف من سكانها , سوف تستجمع هذه الرفات وتستفيق كاستفاقة طائر الرعد لنأخذ بثأرها من كل الظالمين والكفرة والمستكبرين , لاعادة الحق (حق الحياة) لكل المؤمنين والمستضعفين وكل اصحاب اليقين.
    وبالنهاية لا بد من التذكير ان” الحكمة ليست باشعال الحرائق , انما بدراية اتجاه الريح ” والسلام

  7. أود أن أشكر أولا استاذنا الكبير الذي أعرفه جيدا ليس من مقالات رائعة في القدس العربي ( أفضل صحيفة عربية بلا منازع ) بل عبر باب الشمس، وأنا اعتقد جازما أن الشمس في الرأس أيضا، وهي في رأسه النقي النير شكرا لك من الأعماق
    لكن لي كلمة هنا أود أن أقولها مع معرفة دقيقة ومفصلة عن الأوضاع السورية وقد كنت، ومازلت من داخل المعارضة السورية
    إن ما تفضل به الاستاذ الياس صحيح ودامغ في الحجة والقول، إن جزءا من انكفاء ثورتنا المجيدة في حلب يقع على المعارضة ( المسلحة والسياسية) فهي لم تكن على مستوى الزخم الثوري لهذا الشعب العظيم الذي أعطى العالم بأسره درسا من الدروس التاريخية في النضال من أجل الحرية ودحر الظلم والظلمات، وتلقين الطغاة درسا جديدا في الموت وقوفا كالأشجار كما يقول شاعرنا العظيم. اننا اليوم أمام وجه جديد للعالم الذي يحكمه طغاة من واشطن إلى موسكو، ومن طهران الى دمشق. ولكن كطغاة الأمس من جنكيز وتيمور الاعرج، وهولاكو، واتيلا، ونيرون، وبول بوت، ومن لف لفيفهم الذين كنسهم التاريخ، سوف يكنس التاريخ ايضا الطغاة الجدد. والشعب السوري لم يرض بالضيم يوما وحلب المتنبي تتذكر دائما ابياته التي كان يصدح بها في القلعة العظيمة وكهذه القلعة العظيمة هم صامدون. ويرقص كثيرا من يرقص أخيرا
    عِشْ عَزِيزًا أوْ مُتْ وأنْتَ كَريمٌ
    بَيْنَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْقِ البُنُودِ
    فَاطْلُبْ العِزَّ فِي لَظَى وَ دَعْ الذُّلَّ
    وَلَوْ كَانَ فِي جِنَانِ الخُلُودِ

  8. مقال حزين يعبر عما يدور بخلدنا جميعا….ولكن لا ملامة على الشعب السورى الذى اختار التحررمن نير حاكم ظالم …لا ملامة على العارضة فى الدخل او الخارج…لا ملامة على كل من حاول وكل حسب جهده….الملامة تقع على من خذل هذا الشعب وتامر عليه ..الملامة تقع على من دعم هذا النظام يالسلاح والرجال ليقضى على كل بارقة امل لهذا الشعب الثائر…الملامة على اقوى دولة فى العالم التى تلاعبت بقدر وحياة هذا الشعب المظلوم….وكل الملامة على الرئيس الذى اختار سدة الحكم مقابل ذبح اطفال ونساء بلده…

  9. شكر الله سعيك
    التدمير القادم سوف لن ينتظر 35 سنة كما في المرة الماضية

  10. شكرا أخي الياس على هذا المقال الرائع صحيح أنها لحظة للألم وليست لحظة لليأس لكن وقع الكلمات اصبح مليئاً بالمآسي التي تعجز الكلمات نفسها عن وصفه ولاشك أن فرحة المتوحشين اليوم بتدمير الأرض والشعب، هو لحظة مؤقتة وانتصار التوحش والاستبداد والفاشية والاصوليات العمياء ليس إلا تعبيراٍ عن انهيار القيم الأخلاقية والانسانية. وحقيقة لا أستبعد ان الأيام القادمة سنشهد اتفاقية بوتين ترامب على غرار سايكـس بيكو وهكذا يكون انهيار المشروع الوطني العربي عامة هو السمة الرئيسة لأيامنا هذه وعلينا أن نبدأ صياغة هذا المشروع من جيد على أساس متين, أما اليوم عندما انظر إلى آهل حلب المنكوبين حالة يعجز إنسان مثلي أن يصدق أنها تحصل في حلب عروس الشرق (على يد رئيس سوري بمساعدة احتلال روسي وبدعم ميليشيات تدعمها إيران وبتواطؤ سياسي أمريكي دون أن ننسى دور الاستبداد العربي أو الاقليمي في تمهيد هذا الطريق لذلك) أتذكر عبد الرحمن الكواكبي وكلماته الشهيرة عن طبائع الاستبداد ولايحضرني إلا القول لنا الله ومالنا غيرك يالله

  11. عودنا الاستاذ الياس خوري على مقالاته الرائعة وهذه كنت الأروع
    لكن ملاحظتي هو ان التاريخ الامريكي اسود منذ ان استباح مجرمي السجون البريطانية من نفتّهم المملكة المتحدة الى الارض الامريكية في القرن السادس عشر وأبادوا مايزيد عن 40 مليون هندي احمر
    بالطبع الاجرام السياسي الامريكي مستمر وسورية لن تكون المحطة الاخيرة لهذا الاجرام المعتوه بحق الانسانية
    والله يستر
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  12. هذا ما يقرأه علينا مثقف ممتعض بسبب مراهنته على الجهة الخطأ من ما ابتدى كحرب أهلية، ليس كما يحب مثقفي المعارضة تسميتها “معركة بين الشعب و النظام” بل كما أثبتتها الحقيقة على الأرض، حرب بين فئتين من المجتمع المدني السوري المقسوم بشكل واضح بين التيارين الأوحدين الذين لم يتركا للمواطن خيار سوى للإنحياز لجهة أحداهم ، إنها الثورة و أسيادها من أمريكا لإسرائيل غرباً و السعودية و أذنابها جنوباً و شرقاً إلى تركيا شمالاً هم من اختار لحظة الإبتداء بدمار حلب، من احتل حلب و أعلنها مع أدلب كعاصمة للإرهاب متعدد الجنسيات من يتحمل المسؤولية الأولى عن دمارها ، لا يمكن لعاقل إلا أن يتسائل لماذا لم يتحرك حجر من موضعه خلال ال ٤٥ سنة من عمر النظام ؟! قوات جهادية و ليست قوات “معارضة سورية” هي من احتلت حلب و جعلتها ساحة المعركة التي أضاعت قرابة ١٢٠٠٠ عام من الحضارة، ما فعله الجيش السوري بمساعدة روسيا و إيران ممثلة بحزب الله هو تحرير مدينة محتلة، مدينة احتجز الإرهابيون المتعددي الجنسيات بقيادة الإمام السعودي عبد الله المحيسني المدنيين فيها كدروع بشرية، خسرتم يا مثقفي الثورة الرهان كما خسرتم سوريا ، حتى لو عقد بعضٌ من رموزكم صفقات مصالحة مع النظام، ساثبت لكم الأيام أنه حتى النظام لن يستطيع حمايتكم من الشعب الغاضب الشعب الذين تسببتم له بأبشع المصائب البشرية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ليس هذا و حسب، ابتدأ العد التنازلي بأمريكا و أوروبا للتخلص من الساسة الفاسدين ،كعرابة و شفيعة ثورتكم كلينتون،و فرانسوا هولاند بشخص ممثله الصهيوني برنار ليڤي، إيطاليا على الطريق ، سيأتي اليوم الذي سيحاكم به من أشعل نار الحرب الأهلية بسوريا بذلك اليوم المشؤوم من ربيع ٢٠٠١ بلاهاي ،انظروا أين موقع من استوحيتم منهم روح ” الثورة” الإخوان المسلمين بمصر ، سيأتي اليوم الذين ستتمنوا به أن تكونو بهذا الموضع ، لأنكم أذيتم الشعب السوري بأضعاف ما أذى به الإخوان مصر

  13. أ. الياس مقالة رائعه ، ولكن من المهم الإشارة أكثر إلى تشرذم ما يسمى بالمعارضة ( المثقفون ، اليساريون ، ) من اللحظة الأولى لاندلاع الثورة وكان همهم المناصب والمكاسب للأسف لم تكن هناك قيادة حقيقية تستطيع تمثيل الحركة الشعبية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left