حلب: درة طريق الحرير لن تموت

Dec 17, 2016

برلين – أيمن نبيل: حلب بمدينتها وريفها واحدة من أعقد المناطق الجغرافية تاريخياً واجتماعياً. كانت إحدى دُرر طريق الحرير، تمر بها القوافل في طريقها إلى أنطاكية في تركيا. رغم زوال هذا الطريق، بقيت العلاقة بين حلب وتركيا حيوية. هذا التاريخ بما وفّره من تراكم للتقاليد المدينية والتجارية، وهو تراكم مبهر، يعد من القسمات البارزة التي تُفيد في تفسير ومقاربة الكثير من سلوكيات المجتمع الحلبي.
الكثير من المفارقات تبرز في هذا التراكم، ومنها ما أورده الكاتب السوري محمد جمال باروت عن المدينة التي لا تنفك تستفيد وتثري من الأزمات منذ مذابح الأرمن مروراً بالحرب العالمية الثانية وانتهاءً ببدء الاحتجاجات ضد النظام. إضافة إلى أن قطاعاً كبيراً من سوق التهريب كانت قياداته وخطوط حركته تمر وتدار من حلب.
حين ورث الرئيس بشار الأسد الحكم في مطلع القرن، حدث تغيران مهمان لحلب: الأول قيامه بفتح الباب أمام بورجوازية حلب وتجارها، بل وراهن عليها لتثبيت الحكم، مختلفاً بذلك عن والده الذي قرّب إليه النخبة التجارية الدمشقية. والثاني، كان تقوية العلاقات مع تركيا، رغم أن فتح السوق السوري أمام الأتراك أضر بصناعات محلية كثيرة، إلا أن حلب كانت المستفيد الأكبر، يضاف إلى ذلك تغير آخر، وهو فتح سوري للسوق والأموال الخليجية واللبرلة الفاسدة.
ولكن، بعد كل هذا، ها هو الأسد الأبن قد محا المدينة بحيث أن المرء لا يستطيع أن يميز صور حلب عن أي «خرابة» أخرى، بمعاونة حثالات العالم أجمع، بالدعم أو بالتواطؤ.
أما المعارضون، فلم يستمعوا لنداءات ولا لنقد أحد، وقبل أيام فقط، حين لاحت الخسارة قرروا الاستماع إلى ما كان ينادي به كثير من الواقفين مع ثورة الشعب السوري، وأعلنوا الانتظام تحت مجلس عسكري واحد، بينما كانوا قبل شهور يتقاتلون في الغوطة الشرقية بدون أدنى حس وطنيٍ أو أخلاقيٍ.
في المقابل، تجتمع دول وميليشيات لتحارب الشعب السوري وتفتك به بأحدث الأسلحة والطائرات، وانتعاش قوات الأسد بدا واضحاً بعد التدخل الروسي ورأى كثيرون هذا التقدم لصالح النظام مثل الباحث اللبناني جلبير الأشقر.
هذا علاوة على أن جزءاً معتبراً من هذه الجماعات المقاتلة ليست إلا جماعات أصولية شوهت ثورة السوريين تشويهاً عظيماً، وهي التي تلقت الدعم من الخليجيين بينما تركت القوات المنشقة عن الجيش تجابه مصيرها وأحياناً تقاتل على جبهتين وأكثر من غير سند ولا دعم.
هنا، يجب أن لا نلقي اللوم على العمل المسلح فهذا كان مما لا يمكن تفاديه في مواجهة تحالف فاشي كهذا، اللوم يذهب نحو إطار القتال الذي اتبع سواء المنطلقات العقائديّة أو التكتيكات المختلفة.
ولابد من الإشارة في هذا السياق، أن المصطلح الممانعاتي «الحرب الكونية» لم يكن إلا على الشعب السوري.
قوة عظمى ببارجاتها وطائراتها وحممها، ودولة تمد جيش الأسد بالنفط لإدارة عرباته ومدرعاته، وهي ذات الدولة بجيشها الذي يجر وراءه ميليشيات تقاتل منذ عقود وجمع كل هذا في مواجهة شعب أعزل. علاوة على أنظمة رثة ومتخلفة لم تجرؤ على دعم القوى القادرة على تحقيق بعض أحلام السوريين، لأنها تخاف تلك الأحلام، فدعمت حركات حولت الثورة المسلّحة إلى حرب أهلية، بالإضافة إلى عالم يتفرج منشرح السريرة ولكنه يبكي في وسائل الإعلام كرفع للعتب.
الحرب الكونية لو كانت على النظام لكان سقط في عامين على أكثر تقدير، ولكنها حرب كونية مؤازرة لنظام المقابر الجماعية هذا في معركته ضد السوريين الذين غيروا مفهومنا عن حدود الصمود البشري.
يراد لحلب أن تكون درساً لبقية المدن، فقد قال مسؤول روسي إن المعارضين كان بإمكانهم الخروج قبلاً لولا تعنت واشنطن. وهذا يعني أن نموذج حلب، وداريّا من قبل، سيكون هو النموذج لمعارك روسيا وإيران في سوريا، أي الاستسلام اللامشروط وإلا فالمحرقة ستستمر حتى يسلم الجميع بدون شروط.
في مطلق الأحول، الحواضر لا تموت بسهولة، وإن كانت حلب قد خُرِّبت وتعيش الآن واحدة من أعظم محنها كحاضرة تاريخية، فإنها لا تزال قادرة على العودة، كما كانت، درة طريق الحرير.

حلب: درة طريق الحرير لن تموت

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left