روابط مشجّعي كرة القدم في تونس: «سيرك» يتحوّل إلى فضاء احتجاجيّ

Dec 17, 2016

تونس – حبيب الحاج سالم: ظهرت روابط المشجّعين في تونس (وهي من الروابط الأقدم في العالم العربيّ) منذ عقدين تقريباً، واقترن حضورها بالعنف والتخريب العدميّ على ما تروّج وسائل الإعلام الرسميّة.

ظاهرة معولمة

لا تنحصر ظاهرة روابط المشجّعين ضمن مجال دولة – أمة واحدة، بل هي بالأحرى ظاهرة معولمة يرتبط اتساع نقاطها باتساع رياضة كرة القدم وتصدّرها هرم الرياضات الشعبيّة. وتتشارك الروابط التوجهات، مثل «الألتراس» التي تمثّل مظلة لمجموعات تتشارك النمط السلوكيّ ذاته في تشجيع فرقها وفي إدارة المجموعات. كما تتشارك بعض الفرق الأسماء، إذ توجد مجموعة «تورسيدا» (أي المشجّعون) مثلاّ في البرازيل، حيث نشأت، وفي تونس وكذلك في كرواتيا وفي دول أخرى، كما تتواجد مجموعة «الأفريكان وينرز» (الأفارقة الفائزون) في تونس والمغرب الأقصى.

هويّة جماعيّة

يمثّل الانتماء إلى جمعيّة كرة قدم نمطاً من الانتماء ما دون الوطنيّ، يتعزّز بضعف الانتماء إلى مشروع وطنيّ، حيث يمثّل فوز الجمعيّة وتألقها على باقي الجمعيات الوطنيّة والعالميّة بديلاً عن فتور وتفسّخ المشروع الوطنيّ الواعد بتنمية الوطن والشعب (الأمّة) والارتقاء بهما، وهي حالة شهدها العالم العربيّ واشتدّت بداية سنوات الألفين، خاصّة مع تخلّي الدول العربيّة (في أغلبها) تدريجيّاً عن نموذج الرعاية والتوجّه أكثر فأكثر نحو اللّبرلة الاقتصاديّة.
وكان من آثار التخلّي عن نموذج الدولة الراعية، ازدهار الفردانيّة وتضخّم الهويات الثانويّة على غرار الانتماء إلى النوادي الرياضيّة. واتجهت الروابط نحو مأسسة انشقاقها وتثبيت استقلاليتها من خلال قطع صلاتها بكلّ ما هو رسميّ.

الروابط صانعة فرجة

قد يكون مراد النظام من وراء دعم الرياضات الجماهيريّة وخاصّة كرة القدم إلهاء النّاس عن السياسة والشأن العام، أو، حسب عبارة الشاعر الروماني القديم جوفينال، هو توفير «الخبز والسيرك» لهم. لكن الملاحظ هو تطويع روابط مشجّعي كرة القدم لفضاء الملعب، إذ يحوّل المشجّعون المدارج من هامش للمباراة إلى مركز منتج للفرجة. ويقول عديد المشجعين في تونس إنّهم إن أرادوا فعلاً مشاهدة المباراة بتركيز فإنهم سيشاهدونها في منازلهم، أيّ أنّ الغاية من حضورهم في فضاء الملعب تتجاوز متابعة المباراة والتفاعل بين حين وآخر مع مجرياتها.
ومن اللافت للنظر مثلاً التفات بعض المشجّعين إلى المدارج وانهماكهم في الاحتفال عبر الغناء والرقص الجماعيّ خلال المباراة، حتّى وإن كان فريقهم خاسراً. كما يُطلق المشجّعون الشماريخ الناريّة المضيئة (التي قد تتسبب في توقّف المباراة) ويرفعون الأعلام في أغلب المباريات الكبرى، بل وتتنافس المجموعات فيما بينها في إطلاق أكبر عدد من الشماريخ والقيام بأفضل «دخلة» للمباراة (وهي طقس معولم أيضاً يتمثّل في رفع صور أو شعارات ضخمة تعلّق في المدارج في بداية المباريات المهمّة). وما يجعل الجمهور في مركز الحدث، هو حضور الكاميرات والبثّ التلفزيوني المباشر، إذ يصبح حضورهم الاحتفاليّ طاغياً إلى درجة يغدو معها تجاهلهم أمراً مستحيلاً.
وقد تنقلب الأجواء الاحتفاليّة إلى عراك مع الشرطة وسط أهازيج وأغانٍ حماسية ذات محتوى رافض للسلوك الأمني، ويبلغ تطويعهم لفضاء الملعب حينها أقصى مداه، إذ ينقلب «السيرك» الهادف إلى الإلهاء إلى فضاء احتجاجيّ، وينقلب الهامش إلى مركز، ويبثّ كل ذلك من خلال وسائل الإعلام المرئيّة إلى ملايين المشاهدين في منازلهم وينقل معه شحنة الرّفض.

المدرّجات فضاء ذكوريّ

يطغى حضور الشباب في المدارج على حضور باقي الشرائح العمريّة، ويفوق عدد الذكور عدد الإناث بشكل ملحوظ. ويمكن تفسير ذكوريّة الفضاء بالنظر إلى المآلات العنيفة التي قد تتّخذها المباريات، إذ كثيراً ما ينشب عراك بين الجمهور وقوّات الأمن أو بين الجماهير نفسها.
وغالباً ما ترسم روابط المشجّعين، من خلال صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعيّ، صورة للمشّجعة كفتاة جميلة لا ينبغي حضورها داخل الفضاءات العنيفة، مع وجود استثناءات طبعاً. كما يكثر في أغاني روابط المشجّعين الشتائم ضد جماهير الفريق الخصم أو لاعبيه، ما يعزّز ذكوريّة الفضاء بصفة عامّة. وقد تتجاوز الشتائم أحياناً إلى الاستنقاص من «رجولة» الخصوم بعبارات نابية خادشة للحياء وخارجة عن اللياقة. كلّ هذا يعزّز ذكوريّة الفضاء ويقصي كلّ غيريّة جندريّة، على الأقلّ على مستوى الخطاب.

روابط مشجّعي كرة القدم في تونس: «سيرك» يتحوّل إلى فضاء احتجاجيّ

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left