هوامش على رسائل حب

غادة السمان

Dec 17, 2016

الشاعر الروائي عبده وازن كان أول من كتب عن «رسائل أنسي الحاج إلى غادة» الذي أصدرته بهدوء دون ضوضاء إعلامية في «معرض بيروت للكتاب» كانون الأول/ديسمبر 2016. وقال حول رسائل أنسي: «تمثل نصوصاً بديعة لا تقل بتاتاً فرادةً وجمالاً عن قصائد الشاعر ومنثوراته. فأنسي بدا في هذه الرسائل كأنه يكتب لنفسه وعلى طريقته الخلاقة المشبعة بالتوتر والجمال».
ولأن عبده وازن شاعر مبدع وضع يده على المفتاح الأول الذي دفع بي لنشر هذه الرسائل أياً يكن الثمن: فأنا لا أستطيع تمزيق كلمة مبدعة… وأجد أن قتل نص إبداعي يوازي الشروع في قتل طفل.. ثم انني شعرت بالغيرة من صدور كتاب رئيس جمهورية فرنسا «رسائل حب إلى آن» التي استقبلها الاعلام الفرنسي بترحاب.

لا عنصر «فضائحي»!

ورسائل أنسي مزيج متفجر من جماليات اللغة العربية والشعر والحياة بلا أقنعة والحرية والرفض الشرس والاستسلام النابض ولكن بإيقاع خاص.
المهم فيها ليس لمن كتب (إبداعه) بل (إبداعه). ولا أستطيع تمزيق ذلك.. ولم استشر أحداً في أمر نشرها.. هذه قضية أحمل بمفردي مسؤولية الجحيم الذي قد أوقده لنفسي بإصدارها.. وأولادنا ليسوا رهائن في عالم خياراتنا.. ثم أن أنسي كتب لي في رسالته الأخيرة يقول: «لم أتزوج بعد. لم تتزوجي بعد. أرجوك أن تأتي إليّ».
وهكذا، فالعنصر (الفضائحي) الـــــذي لا يرى البعــــض سواه ليــــس موجــــوداً في الرسائل فثمة فقط العامل الإبداعي..

«بقعة ضوئية» على مشهد طريف

اتصل بي أنسي الحاج بعد اكثر من عامين من تاريخ الرسائل لدعوتي إلى ندوة في انطلياس منبثقة الحركة الثقافية في الدير المنفتح على التجارب الأدبية.. وقال إن الشاعر عمر أبو ريشة قادم لإلقاء شعره هناك.
قلت له ان الشاعر صديق لوالدي وأعرفه منذ طفولتي ولطالما زارنا في بيتنا في دمشق وسوف أتصل به لأحضره معي في سيارتي إلى لقائه الشعري..
وتواعدت مع الشاعر الكبير أبو ريشة أمام باب فندق «البريستول» في بيروت ـ وكنت لا أزال طالبة في الجامعة الامريكية ـ واصطحبته إلى مكان محاضرته في سيارتي ويبدو أنني كنت أقودها بسرعة في نظره ولم يخطر ذلك ببالي، وحين وصلنا إلى مكان الندوة كان أنسي وسواه بانتظارنا امام الباب، وعجز الشاعر الكبير أبو ريشة عن الهبوط من سيارتي إلا بمساعدة أنسي وآخرين.. أنسي كان مستمتعاً بالمشهد وكأنه يتوقعه وسألني ضاحكاً: ما الذي فعلته به في الطريق؟ قلت له الصدق: لا شيء.. يبدو انني كنت اقود سيارتي بسرعة في نظره وأخافه ذلك.
قال أنسي: هذه أنت.. لا تطاقين لكنك محببة!
جاء وقت العودة.. وحين عرضت على الشاعر أبو ريشة اعادته معي في سيارتي هرب مني مذعوراً كما لو كنت شبحاً.. وقال أنسي: ساعود انا معك.. وهكذا كان..
في طريق العودة من انطلياس إلى بيروت وأنسي معي شعرت ان صلتنا بدأت تستقر على «سكة الصداقة النقية» وهي في نظري أجمل من الحب لأنها تدوم دونما عواصف رعدية مفاجئة.
ما تقدم ومضات من ذكريات تعيدنا الرسائل اليها.. كذكريات زياراته لي ولزوجي في «قصر الداعوق» حيث اقمت بعد الزواج، وقبل الرحيل إلى باريس وصلة المودة الجميلة بينهما..
متشابهان كنا أنسي وانا بمعنى ما: نتقن إخفاء جحيمنا الداخلي كملكية مسوّرة لا ينازعنا فيها أحد.. ولا نثقل بها على احد. ولن أنسى شهادة أنسي الجميلة بي بعد زواجي بعامين ونيف وصدور كتابي «رحيل المرافئ» إذ كتب في ملحق النهار قائلاً «بعد زواجها قيل سوف تهجر التأليف.. وكالعنقاء قامت من رمادها واذا بالزواج تجربة جديدة حولتها الكاتبة بموهبتها الأكيدة إلى مركز إلهام إضافي».

ضد محاكمة النوايا

البارحة، سألني صديق بعد اطلاعه على الرسائل: ألهذا نشر أنسي لفترة لكاتبة عادية لمجرد «تشابه» في الأسماء؟.. أهو انتقامه؟
بالتأكيد لا. وصداقة رائعة ربطتني دائماً بأنسي رغم البعد ثم إنني أكره محاكمة النوايا. وكل ما أعرفه أنني لن أمزق كلمة مبدعة فالكلمة المبدعة ضربة برق سحرية على الرأس تُسخّرنا لحمايتها.
وثمة لحظة رائعة عشتها مع أنسي وأعجز عن نسيانها، حين وقفنا معاً على شرفة «دير انطلياس» للاستماع إلى الصديقة الخالدة فيروز وهي تنشد بصوتها الملائكي المذهل في مناسبة دينية: أنا الأم الحزينة.. وما من يعزيها..
تراني سأنشر رسائل الحب كلها التي في حوزتي؟ بالتأكيد لا، سأنشر المبدع منها أو الآتية من مبدع ما في حقله مثل بليغ حمدي مثلاً المبدع في حقل الموسيقى.
الحرب الوقائية التي شنها البعض ضد نشري لرسائل غسان لم تخفني بل زادت في تعرية الطبيعة البشرية أمامي والرياء الاجتماعي حيث اللغة العربية لغتان واحدة سرية للصدق وأخرى للرياء الشائع المكرس الذي يلوكه البعض في كل مناسبة.
ببساطة: أنا متمردة على القوالب الجاهزة التقليدية المثقلة بالمحرمات و(التابو) في أدبنا العربي وأحاول المساهمة في إدخال اللون الناقص في لوحته أي «أدب الاعتراف» بأنماطه كافة: الحميم من الرسائل، المذكرات وسواهما، الشائعة في آداب الغرب والذي نفتقر اليه مقصرين بذلك عن اجدادنا التراثيين الذين لم تقم قيامتهم حين تغزلت جدتي ولادة بنت المستكفي بالحبيب الشاعر ابن زيدون وتغزل بها حتى الثمالة والجنون.

هوامش على رسائل حب

غادة السمان

- -

9 تعليقات

  1. ” ببساطة: أنا متمردة على القوالب الجاهزة التقليدية المثقلة بالمحرمات و(التابو) في أدبنا العربي وأحاول المساهمة في إدخال اللون الناقص في لوحته أي «أدب الاعتراف» بأنماطه كافة: الحميم من الرسائل، المذكرات وسواهما، ” إهـ
    قال صلى الله عليه وسلم :
    ( كل الناس معافى إلا المجاهرون، قالوا : كيف ذلك يا رسول الله ، قال: يمسي الرجل يعصي الله عز وجل ثم يصبح فيتحدث للناس أنني في الأمس فعلت كذا وكذا ) صحيح البخاري
    اللهم عافنا واعفو عنا وتوفنا مسلمين
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. تستفزهم رسائل الحب، يتسفزهم الحب والجمال والابداع، لأنهم عاجزون عن مواجهة الجمال بقبحهم وحقدهم، والابداع بالشتائم والبذائة، يعجزون، فيواجهون الحب بالكره!
    من سنة نشر هنري زغيب 14 رسالة من نزار قباني له وجمعهم في كتاب ولم يحدث ذلك أي ضجة وتوفيق الصايغ نشر 3 رسائل من غادة السمان له ولم يكتب ويعترض أحد .. هل المشكلة في الحب أم النظرة الذكورية التي ترى كل تصرف يصدر من المرأة خطأ

  3. سيدة غادة لم تكن جدتنا ولادة بنت المستكفي وحدها من تغزلت بجدنا بابن زيدون
    _
    وتغزل بها بدوره حتى الثمالة فحتى الجدة اعتماد الرميكية كانت قد عمدت “المؤيد
    -
    بالله” بمحراب غزلها فدان لها حتى صار معتمدا وتغزل بها حد ضياع ملكه وأسره
    -
    لينتهي بهما الحال لموت حقير جاف على بعد يسير من مكاني هاهنا بأغمات
    -
    وتحياتي

  4. هنالك دائما حضور للمرأة في حياة الشاعرالعربي ، و علينا ان ندرك أن لكل شاعر ملهمته ، وهي حالة طبيعية بالنسبة لهم ، فهذا هو قدر الشعراء والمبدعين سواء رضينا أم أبينا ، فهم يدونون ما يختلج في قلوبهم ، ولا يُصابون بالحرج عند البوح بها امام الآخرين بل العكس ، أي يرغبون أن يُعرف عنهم وعما كان يدور في خاطرهم في مراحل حياتهم ، وإلا لما كانوا كتبوها . التراث العربي مملوء بقصص الحب ، فلِمَ هذه الضجة ، وعمر هذه الرسائل أكثر من خمسين سنة ، ولا ضرر في نشرها . وكُتبت عندما كان الشاعر أُنسي الحاج شاب في أواسط العشرينات من العمر ، يشق طريقه في كتابة الشعر !
    أفانين كبة
    مونتريال

  5. ادب الاعتراف
    صباح الحب الدافىء سيدتي النبيلة ..
    اطلقت سيدتي المبدعة تبويم على رسائل الحب بثلاثة تبويمات في هذا المقال ، السيدة المتمردة غادة السمان تنقل الادب العربي الى الشمس وتعري أعراف القبيلة ، وكأن لسان حالها يقول بعد هذه الرسائل تمدنو أو عودو الى الصحراء ، ورسائل الرئيس الفرنسي التي قابلها الجمهور الغربي بترحاب على حد وصف الاستاذة غادة دليل على احترام حقوق الملكية الفكرية للادباء والمثقفين ، وما اثير من عواصف وردود افعال في الشرق على مانشرته الاستاذة غادة نتاج لثقافات لازالت ممنوعة من التفكير ، نعم سيدتي نحن بحاجة الى احياء ادب الاعتراف لنقاوة ومصداقية اللغة العربية السرية حين البوح بأسرار النفس البشرية ،ومن أجمل ما اقتبست من شذرات هذا اليوم (لا أستطيع تمزيق كلمة مبدعة ) ، (هذه قضية أحمل بمفردي مسؤولية الجحيم الذي قد أوقده لنفسي بإصدارها)،(سكة الصداقة النقية ) ،( إنني أكره محاكمة النوايا ) ، ( انا متمردة على القوالب الجاهزة التقليدية المثقلة بالمحرمات ) ، وبمناسبة قرب اعياد الميلاد أمنياتي للاصدقاء في ركن غادة السمان بالسعادة وكل عام وانتم بالف خير وليعم السلام .
    تحياتي
    نجم الدراجي . بغداد

  6. كاتبتنا يا فخر سورية
    أدب الرسائل ربما كان من أصدق أصناف الأدب، وربما كان احد فراعنة أول من ثمنها وقدرها، ففي رواية أن قرويا فلسطينيا اعتاد بيع موسم حنطته لتجار مصريين فكان كل موسم يوجه وجهه شطر مصر ليبيع محصوله، إلا أن ذات رحلة انتبه إليه حارس حدود لص فحبك له مكيدة لسيتولي على حنطته، فمد في عرض الطريق إزاره العسكري، فداست بغلة القروي الإزار التي كانت حجة الحارس اللص بأن يصادر العربة كون البغلة دنست رمز الدولة، فكتب القروي رسالة تظلم إلى الفرعون تسلمها رئيس ديوانه فأعجب بها وعرضها على الفرعون فانبهر بأسلوبها وسلاستها، فرفض أن يعيد له حقه، فانهمرت الرسائل تباعا بلا ملل أو كلل، مع الرفض في كل مرة، إلى ان انتهى الأمر بأن عوض الفرعون الفلاح بمكافأة كبيرة، ولما دهش رئيس ديوانه أجاب: لقد رفضت تعويضه بداية كي أغني مكتبتي بمؤلف أدبي جميل,
    أشكرك كثير الشكر كاتبتنا الكبيرة ـ ولو جاء ذلك متأخرا جدا ـ على كل الكتب التي اهديتيني إياها مع الإهداء عن طريق الدكتورة فرانسواز جاكان وأتمنى ان أهديك مؤلفاتي أيضا

  7. المكياجات والتصنعات والنفاق في المظاهر أفقدنا كنه الشخصية ومعناها…
    فحسنا فعلتِ يا غادة في نشر مراسلات أنسي الحاج العشقية لك وأنت بنت العشرين…ولم تفعلي هذا للتباهي بها، بل لقيمتها الأدبية…فشكرا لروعة فعلكِ، وتذكيرنا بأحد كبار الحرف الجميل، أنسي الحاج..، دام لك التألق…

  8. ائع وممتع أختي غادة حقاً ولقد ذكرني كلامك عن جدتنا ولادة بقصة عائلية عن جدتي أم أبي وقصة شهيرة في عائلتنا حيث هربت جدتي مع عشيقها جدي لأن زواجهما كان في ذلك مرفوض اجتماعياً! (قبل حوالي قرن من يومنا هذا) ورغم الكثير من الصعوبات وبعض المآسي صمد ذلك الحب ورحمها الله قبل وفاتها بقليل (وقد كان عمرها حوالي ٩٠ عاما) ولدت لها حفيدة حفيدتها.

  9. صباح الجمال باطلالتك المضيئة يا غادتنا:
    اهل حقاً انتابتك الغيرة من رسائل آن ؟! اهل الغيرة من حيث رقتها , ام من كثرة عددها؟! انا وان كنت غير مطلع على رسائل انسي المرحوم ,اكاد اجزم ان في محتواها من تعابير الحب والاخلاص , يفوق كل ما كُتب من رسائل العشق والهيام في اوروبا مجتمعة , اذا كانت هذه الرسائل الانسية نسبة الى (انسي) فعلت هكذا ؟؟ فكيف بالرسائل الربانية الكنفانية , كيف لا وهي كلها تصب في تمجيد وتخليد “غادة” , هذه الرسائل هي ماضيكِ لا بل هي قدرك ,وهل يملك النهر تغييراً لمجراه كما قال القباني ؟
    لا تمزقي الرسائل ولا تجعلي من بوحها اثماً , نحن محبيك سنداوم النبش في ماضيك , حتى نعثر على ومضةً , على اشعاع , لان هذا المفقود هو بعض مما فيك . والموجود هو كل ماضيك والسلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left