دول الخليج تتجه لاعتماد إصلاحات شاملة لقوانين العمل وإلغاء الكفالة ومنظمات دولية تطالبها بالمزيد

سليمان حاج إبراهيم

Dec 17, 2016

الدوحة ـ «القدس العربي»: بعد أيام من إعلان قطر سريان قانونها الجديد للعمل الذي ألغى مسمى «الكفالة» وما تتضمنه من إجراءات مرتبطة مثل «الخروجية»، تحركت مؤسسات وهيئات عدة في دول مجلس التعاون الخليجي للمطالبة بضرورة تعميم الفكرة واعتماد إصلاحات شاملة لقوانينها لتواكب المنظومة التشريعية الدولية وفق مطالبات منظمة العمل الدولية.
ودعت منظمة كويتية غير حكومية مؤخرا إلى إلغاء نظام الكفالة الذي اعتبرته «ينتهك حقوق العمال الأجانب، وإلى إنهاء التمييز ضد الوافدين في المراكز الاستشفائية».
وطالبت «الجمعية الكويتية للمقومات الأساسية لحقوق الإنسان» في تقريرها السنوي أيضًا بالتوقف عن طرد الأجانب من دون قرار قضائي.
وتنضم الكويت في حال تم تعميم هذه الإصلاحات إلى كل من البحرين، وقطر، والسعودية التي تحركت فيها فعاليات اجتماعية للمطالبة باعتماد نسق الإصلاحات في الدول الشقيقة.
الإمارات العربية المتحدة من جانبها اعتمدت قبل فترة حزمة إصلاحات منحت الأجانب امتيازات عدة في تغيير جهة عملهم بما يضمن حقوقهم وحقوق أرباب العمل. وأعلن محمد العفاسي وزير الشؤون الاجتماعية والعمل الكويتي في أيلول/سبتمبر الماضي أنه سيتم إلغاء نظام الكفيل في شباط/فبراير المقبل في بلاده، تزامنًا مع أعمال الهيئة العامة لشؤون العمل في الكويت‏.‏
وأشار العفاسي إلى أن إلغاء نظام الكفيل سيكون بمثابة هدية الكويت للوافدين في عيد التحرير، الذي يحلّ في شباط/فبراير المقبل‏.‏

البحرين السباقة

تعتبر مملكة البحرين السباقة في هذا المجال، وكانت أول دولة خليجية تقرر إلغاء نظام الكفيل الخاص بالعمالة الوافدة وسمحت للعمال الأجانب بحرية الانتقال، في آب/أغسطس 2010.
ومن يومها أصبح بإمكان أي عامل أجنبي الانتقال إلى صاحب عمل آخر دون موافقة صاحب العمل الأساسي، مع اعتماد مجموعة ضوابط نظمت هذه الآليات.
القانون رقم 19 لتنظيم سوق العمل في البحرين صدر في 2006 بعد مناقشة مستفيضة في البرلمان وبعد دراسة ومشاورات مع الجمهور ورجال الأعمال ومع النواب استغرقت سنتين، وظل معلقا بسبب رفض أرباب العمل لعدة بنود قبل أن يتم التوافق على الصيغة النهائية المعتمدة.
وسلطت الأنظار في تلك الفترة على هذه المملكة الخليجية لتتبع تبعات القرار وآثاره وانعكاساته على الوضع العام وعلى سوق العمل.
وأثبتت التجربة البحرينية حسب تصريحات رسمية وتقارير لمنظمات غير حكومية في آن واحد، أن تغيير نظام الكفالة لم يُحدث تداعيات خطيرة في سوق العمل، ولم تسجل سوى انتقالات عمالية طفيفة، كما أن مخاوف أصحاب المؤسسات الصغيرة من خسائر الانتقالات قد عُولجت قانونياً عن طريق إلزام المكفول بتـعـويـض الكفيل عن نفقـات الاستقدام بصورة عادلة.
وبعد فترة من دخول القانون حيز التنفيذ صرح وزير العمل البحريني أن مجموع العمالة الأجنبية التي طلبت تغيير كفيلها منذ بدء العمل بنظام إلغاء الكفيل بلغت 30 ألف عامل من مجموع 450 ألف عامل، أي ما نسبته 7٪ وهي نسبة اعتبرها محدودة ولا تشكل ظاهرة تستوجب إعادة النظر في القرار.

الإمارات تتبع نهج البحرين

أعلنت الإمارات في 29 أيلول/سبتمبر 2015 عن اعتماد اصلاحات جديدة في قانون العمل تعزز حقوق العمال الأجانب الذين بات باستطاعتهم إنهاء عملهم والحصول على وظيفة جديدة داخل البلاد، بعد الحصول على إذن من السلطات، التي أصبحت حسب القانون شريكا في عملية الكفالة.
وزير العمل صقر غباش كشف أن الاصلاحات التي تأتي ضمن ثلاثة مراسيم دخلت حيز التنفيذ مطلع العام الحالي، لا تلغي من حيث المبدأ نظام الكفالة المثير للجدل، ولكنها تنهي إلى حد كبير الجوانب السلبية المرتبطة به.
وذكر الوزير الإماراتي، أن الاصلاحات الجديدة، وخصوصا عرض العمل وعقد العمل الموحد «يغلق الباب على من يمارسون الخداع على العامل البسيط أينما كان» في إشارة إلى تغيير شروط العمل المتفق عليها بعد وصول العامل إلى الإمارات.
وأكد أن الإصلاحات الجديدة تؤكد على «الطبيعة التعاقدية» لعلاقة العمل في الإمارات في جميع مراحلها، وبالتالي تقوم علاقة العمل بشفافية وتتم «بالتراضي» بين الطرفين، ويمكن لأي من الطرفين وقف هذه العلاقة.
ونص المرسوم الوزاري الأول على وضع «عرض عمل موحد» يطلع عليه العامل بلغته الأم قبل دخوله الإمارات، على أن يتحول العرض إلى عقد يتم تسجيله لدى وزارة العمل لمنع أي امكانية لتغيير شروط العمل.
أما المرسوم الثاني فنص على منح العامل ورب العمل، القدرة على إنهاء العمل ضمن الأطر التي حددها القانون.
ونص مرسوم ثالث على منح العامل الحق في الحصول على وظيفة جديدة بعد الحصول على إذن من السلطات ضمن معايير يحددها القانون، حتى ولو كان العامل هو من أنهى عمله مع رب العمل السابق.
وتتيح عدد من الإمارات وتحديدا دبي حرية تنقل العامل الوافد وخروجه البلاد من دون «خروجية» أو إخطار لصاحب العمل وهي ميزة لاقت استحسانا من الجميع.

تحرك سعودي

ونفى وزير العمل السعودي عادل فقيه نهاية العام الماضي الأنباء التي ترددت عن توجه لإلغاء نظام الكفيل مشيرا إلى أن الأمر «غير مطروح» في الوقت الحالي.
ونقلت تصريحات المسؤول السعودي خلال كلمة ألقاها أمام مجلس الشورى مشيرا إلى أن «موضوع إلغاء الكفيل وأن ينتقل العامل للعمل عند من يشاء أمر غير مطروح للبحث في الوقت الحالي».
وكانت صحف سعودية نقلت في وقت سابق عن مسؤول في الوزارة قوله إن الوزارة تتجه لإلغاء نظام الكفالة المطبق على الوافدين وإنها بدأت فعليا في خطوات تنفيذية نحو الاستغناء عن نظام الكفيل في السعودية كاستبدال بعض المصطلحات مثل تغيير مسمى اللائحة الخاصة بنقل الكفالة إلى لائحة «نقل الخدمات» وكذلك منح الوافدين حرية التنقل وعدم احتجاز الوثائق.
وتحت عنوان «معاً ضد نظام الكفيل في السعودية» أنشأت مجموعة سعودية على موقع فيسبوك صفحة تندد فيها بنظام الكفالة المطبق في بعض البلدان. ونوه الموقع إلى أن «صاحب هذه الصفحة سعودي… ونحن هنا فقط نقول إن نظام الكفيل نظام عبودية، ولا نتكلم عن أي موضوعات أخرى».
ودفع الضغط الإعلامي العالمي الذي زاد في السنوات الأخيرة الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية ان تقدم دراسة للملك في صيف 2008 تنتقد فيها وبشدة نظام الكفيل الذي تعتبره انتهاكا لحقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً والتي كفلها الإسلام بعنوان «إلغاء أحكام الكفالة وتصحيح العلاقة بين صاحب العمل والعامل الوافد».
وذكرت الجمعية في دراستها أن هذه التدابير لا تحتاج سوى تفعيل قرار مجلس الوزراء رقم 166 الصادر قبل تسع سنوات، ويقضي بتحسين الأوضاع الإنسانية للعمالة الوافدة، وتصحيح علاقة العامل بصاحب العمل كعلاقة عمل، وليس علاقة كفالة، إلا أن هذه التوصيات -حسب الدراسة – لم تنفذها الجهات المختصة. وطالبت الدراسة بإنشاء هيئة حكومية ذات شخصية اعتبارية للإشراف على كل أوضاع وشؤون العمالة الوافدة لإلغاء أي دور للكفيل التقليدي.

قطر تنتهج إصلاحات شاملة

أعلنت السلطات القطرية مؤخرا أن القانون الجديد الخاص بتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم الذي كان يصطلح عليه بـ»قانون الكفالة» دخل حيز التنفيذ وأصبح مطبقا، بعد سنة من إصداره الشيخ تميم بن حمد آل ثاني له.
وحسب المصادر الرسمية فإن القانون رقم 21 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، يلغي نظام الكفالة الحالي، ويضمن أيضا مرونة وحرية وحماية أكبر لأكثر من 2.1 مليون عامل وافد في الدولة.
ويعد القانون الجديد حسب ذات المصادر «أحدث خطوة اتخذتها الدولة نحو تحسين وحماية حقوق جميع العمال، كما يستبدل القانون الجديد نظام الكفالة بنظام حديث يعتمد على عقد العمل الذي من شأنه حفظ حقوق العمال وتسهيل التنقل من جهة عمل إلى أخرى».
وكشف الدكتور عيسى بن سعد الجفالي النعيمي وزير التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية «أن دولة قطر ممتنة جداً لملايين العمال الوافدين إليها للمساهمة في بناء بنيتها التحتية، خاصة خلال فترة النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده البلاد والذي يعتمد على دعم العمال الوافدين». وأضاف:» نرحب بتلقي أي ملاحظات أو نقد بناء، وسنواصل القيام بذلك في المستقبل، كما أننا ندعو المجتمع الدولي إلى عدم التسرع في إطلاق استنتاجات سابقة لأوانها حول القانون الجديد وإعطائه وقتاً كافيا».
وحسب المسؤولين القطريين فإنه مع القانون الجديد «لن يحتاج العمال الوافدين إلى الحصول على موافقة من صاحب عملهم الحالي لتغيير عملهم إذا أكملوا مدة عقدهم المحدد بأجل معين». أما بالنسبة للعمال الذين يعملون بعقود عمل غير محددة المدة، فسيتمكنون أيضاً من تغيير عملهم دون الحاجة للحصول على موافقة من صاحب عملهم السابق، شريطة مضي خمس سنوات في عملهم لدى صاحب العمل.
وسوف يتمكن جميع العمال الوافدين، ممن يريدون العمل في دولة قطر، من الاطلاع على عقود عملهم قبل أن يغادروا بلدهم الأم، حيث إن إصدار تأشيرة العمل أصبح مشروطا بوجود عقد عمل مصدق عليه من قبل وزارة التنمية الإدارية والعمل والشؤون الاجتماعية.

المنظمات الدولية تطالب بالمزيد

لم يمر يوم واحد على إعلان السلطات القطرية نفاذ قانونها الجديد حتى بادرت سريعا منظمة العفو الدولية وانتقدته في آخر تقرير لها.
وأشارت إلى «أن التغييرات التي أُدخلت على قوانين العمل في قطر تكتفي بالمعالجة السطحية للأمور، وتُبقي العمال الأجانب تحت رحمة استغلال أرباب العمل لهم، وتتركهم عرضة للعمل القسري أو السخرة، بما في ذلك العمال الذين يقومون ببناء الملاعب التي ستستضيف مباريات كأس العالم، ومشاريع البنية التحتية المرافقة لها».
وأورد التقرير المعنون «نظام قديم بحلة جديدة: قانون التشغيل القطري الجديد، والإساءة إلى العمال الأجانب» ما وصفه بتفاصيل فشل إصلاحات قطر المتواضعة التي قالت الحكومة أنها سوف تكون كفيلة بإصلاح الجوانب الأساسية في نظام الكفالة المعمول به في البلاد. وحذر التقرير من استمرار تعرض العمال الأجانب لخطر العمل القسري وغير ذلك من الانتهاكات، لا سيما أولئك الذين يعملون في مشاريع بناء ملاعب بطولة كأس العالم 2022 ومشاريع البنية التحتية في مجال المواصلات، وغيرها من المرافق الرئيسية مثل الفنادق.
وأهابت منظمة العفو الدولية السلطات القطرية أن تجري إصلاحاً منهجياً لقوانينها العمالية بحيث تنص، دون مواربة، على إلغاء كفالات الخروج، وتحظر كلياً مصادرة جوازات سفر العمال من قبل أرباب العمل، وتحرر العمال من قيد شرط الحصول على موافقة رب العمل من أجل تغيير الوظيفة.
من جانبها أعربت دولة قطر عن رفضها التام للادعاءات التي وردت في تقرير منظمة العفو الدولية والتي زعمت فيه أن القانون رقم 21 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم فشل في توفير الحماية القانونية الكافية للعمالة الوافدة في دولة قطر.
وأكد مكتب الاتصال الحكومي، ردا على ما وصفته بالمزاعم الواردة في تقرير منظمة العفو الدولية تحت عنوان «اسم جديد، نظام قديم» التزام دولة قطر بتطوير نظام عمل يحفظ حقوق كل من أصحاب العمل والعاملين في الدولة على حد سواء.
وأضاف أن هذه التغييرات التشريعية الجديدة والحرص على الإصلاح المستمر لأنظمة العمل التي لم تقتصر على دولة قطر بل شملت الدول المرسلة للعمالة أيضا، وسوف تضمن حماية حقوق العمال خلال جميع مراحل مسيرة العمل.
وقال البيان «سوف نستمر في مراجعة وتعديل القوانين للتأكد من أن منهجنا في عملية الإصلاح يتناسب مع أهدافنا».

ملايين العمال الأجانب في الخليج

تنتشر في دول الخليج الست أعداد كبيرة من العمال الأجانب وتعتبر مكوِّنًا أساسيًّا في سوق العمل والحياة التجارية في الدول الست، وهي تساهم بشكل أساسي في المسيرة التنموية من خلال المشاركة في أعمال البناء وتكوين مؤسسات تجارية أخرى والمساهمة في ديمومة العديد من القطاعات الاقتصادية مثل النقل والخدمات.
وتبلغ العمالة الوافدة على اختلافها في دول مجلس التعاون الخليجي بصورة مجتمعة نحو 17 مليون فرد وربما أكثر، بسبب إقامة بعضهم بصورة غير قانونية وخصوصًا في السعودية صاحبة أكبر اقتصاد خليجي. ويرتفع العدد الكلي إلى 23 مليونًا أو أكثر بعد إضافة أفراد أسر العمالة الوافدة، ما يعني تشكيلهم قرابة نصف السكان في دول مجلس التعاون الخليجي. ويمثل عموم الوافدين القادمين من مختلف الدول ما لا يقل عن ثلثي مجموع القوى العاملة في المنظومة الخليجية وصولًا إلى 75٪ و85٪ في بعض الحالات، فقد شكَّل الوافدون ما نسبته 77٪ من مجموع القوى العاملة في البحرين في نهاية عام 2014.

دول الخليج تتجه لاعتماد إصلاحات شاملة لقوانين العمل وإلغاء الكفالة ومنظمات دولية تطالبها بالمزيد

سليمان حاج إبراهيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left