السلطة المصرية حين تتواطـأ ضد المعنفات جنسيا

Dec 24, 2016

القاهرة ـ «القدس العربي» من غدير أحمد: نشرت جريدة «الشروق» المصرية، حيثيات حكم محكمة شمال القاهرة بتأييد تجميد أموال المدافعة عن حقوق النساء ومؤسسة مركز قضايا المرأة المصرية عزة سليمان.
يأتي الحكم في سياق الهجمة الشرسة التي تقودها الحكومة المصرية ضد منظمات المجتمع المدني والحقوقيين والحقوقيات بوجه عام.
ووفق حيثيات الحكم، فقد «أدانت المحكمة الناشطة بتلقي تمويلٍ خارجيٍ بهدف إقامة ندوات تعمل على تشويه صورة «الدولة» بادعاء أن النساء في مصر يتعرضن للتحرش الجنسي والاغتصاب». وبرغم هزلية العبارة، إلا أنها تضعنا في مواجهة مباشرة مع كيفية إدراك الحكومة لأوضاع النساء كمواطنات أكثر عرضة للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، والذي هو المظلة الأكبر للعنف الجنسي.
واعتبرت المحكمة في إدانتها لسليمان، أن الأنشطة التوعوية ضد التحرش الجنسي، هي مجرد «ادعاء» لتشويه صورة الدولة، وفي مجملها ضحلة خالية من أي معرفة حقيقية بما تعانيه النساء في مصر من عنف جنسي فج، ابتداءً من المنازل إلى أماكن العمل ومروراً بالطبع بما بينهما من مساحات عامة كالشوارع والميادين والمواصلات، والذي إن غُضَّ البصر عنه فلا تفسير لذلك إلا التواطؤ.
إذن، باعتباره مجرد «ادعاء» تتواطأ الحكومة في منهجة العنف الجنسي ضد النساء، حتى في ظل تحديث مادة خاصة في قانون العقوبات المصري لتجريم التحرش الجنسي في النصف الأول من عام 2014، في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور. يُمكننا استنتاج أن العنف الجنسي ضد النساء في مصر لم ينتهِ في عامين ونصف العام، بل أن منهجية تجريم العنف الجنسي هي شكلية سياسية من الدرجة الأولى، لا تعتد بحقوق المواطنة للنساء.
خلال شهر واحد من تحديث القانون، وبالأخص في احتفالات تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ميدان التحرير، شهدت العشرات من النساء اعتداءات جنسية جماعية، شملت استخدام أسلحة بيضاء واستخدام الماء المغلي في إيذاء الناجيات أثناء الاعتداء عليهن.
هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها، ففي عام 2006 تعرضت مجموعة من الفتيات لاعتداءات جنسية جماعية أمام أحد دور العرض السينمائي بأحد شوارع وسط العاصمة، وقد بُثت على الإنترنت بواسطة المدونين وائل عباس ومالك مصطفى.
المشهد نفسه عاد وبقوة في نهاية عام 2012، بتعرض ناشطات مصريات إلى التحرش الجنسي الجماعي والتي بلغت91 حالة في أحداث تموز/يوليو 2013 فقط.
كذلك، في العام 2008، أشارت دراسة «غيوم في سماء مصر» عن «المركز القومي للمرأة»، أن 72٪ من المتعرضات للعنف الجنسي في الأماكن العامة من المحجبات، وهي مؤشر على ارتفاع نسبة المتعرضات للتحرش في مصر باعتبارهن أغلبية محجبة. ووفقًا لاستبيان أجرته «هيئة الأمم المتحدة في مصر» عام 2013، فإن 99.3٪ من المبحوثات وعددهن 20.000 يتعرضن للتحرش الجنسي على الأقل مرة يومياً.
وفي عام 2015، أوضحت دراسة حديثة لـ«صندوق الأمم المتحدة للسكان» بالتعاون مع «المجلس القومي للمرأة» و«الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء» أن 1.700.000 امرأة يتعرضن للتحرش الجنسي في المواصلات العامة فقط.
لذلك، فإن اعتبار أنشطة مناهضة العنف الجنسي «ادعاء» ما هو إلا تواطؤ حقيقي ضد النساء وبخس لحقوقهن كأقلية مهمشة تختبر العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. هذا إلى جانب بعض الخلل في قانون العقوبات، الذي يعثّر إثبات الاغتصاب.
أما اعتبار النساء «صورة للدولة» ما هو إلا ادعاء سلطوي يحمل في طياته ملكية غير مشروعة لأجسام النساء، نافياً عنهن حقوقهن كمواطنات، مُماهياً لكيان كل مواطنة منهن في كيان الدولة باعتبارها السُلطة المطلقة.
في هذا السياق، ما تفعله عزة سليمان وغيرها من المدافعات عن حقوق النساء هو مساس للدولة ولسلطتها المطلقة والتي تتبنى هرمية واضحة لنظام القوى الاجتماعي، والذي يرتكز على إعلاء سلطة الذكر على الأنثى في المجالين العام والخاص.
يتضح هذا الإعلاء في النظامين التشريعي والتنفيذي، حيث يغيب عن ساحة قانون العقوبات قانون يجُرم العنف الأسري والذي نادت به عدة منظمات منذ تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا.
كما يظهر جلياً في كيفية تعامل الأجهزة التنفيذية والتي تنصح الشاكيات إما بالاحتمال لأنه لا ملجأ لهن ســـــوى أسرهن، أو تنصحن بالعودة للمنزل، أو يرجعهن بالقوة الامنية إلى منزل الأسر المعنِفة، كما حدث في صيف 2016؛ لينضم إليهم مؤخراً النظام القضائي والذي يُرسي لهذه السلطة باستخدامه كأداة لقمع المدافعات عن حقوق النساء في مصر.

السلطة المصرية حين تتواطـأ ضد المعنفات جنسيا

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left