الحصاد المر لعام 2016: اختفت الثقافة وطغت الديماغوجية وانتصر العنف على الحكمة

إبراهيم درويش

Dec 25, 2016

 طغت على المشهد الثقافي لعام 2016 أحداث سياسية مهمة متعلقة بصعود اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا وأدى هذا إلى تراجع النقاش الليبرالي والديمقراطي. ولن ينسى العالم كيف اختفت الثقافة وراء سحب الدخان التي أطلقها اليمين الشعبوي في بريطانيا وأدت لتصويت البريطانيين في حزيران/يونيو على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبعد خمسة أشهر فاجأ الأمريكيون العالم بانتخاب رئيس متخصص في تجارة العقارات وأسهم في برامج تلفزيون الواقع. ومن هنا أصبح الرئيس المنتخب دونالد ترامب «حقيقيا» بعدما لعب دورا في برامج تلفزيون الواقع. وجاء انتخابه ليلغي المسافة بين الحقيقة والخيال. وفي تعليق لنائب رئيس تحرير مجلة «نيوريببلك» ريو سبايث قال فيه أن عام 2016 هو العام الذي اختفت فيه الثقافة. فلم تحرف حملة ترامب انتباهنا فقط عن التناقضات في السياسات التي يقدمها المتبارون في السباق الانتخابي ولكنها غمرت حياتنا الثقافية بحيث لامست كل عمل من أعمال الفن والترفيه الشعبي ومن المتوقع أن يسوء الحال عندما يتولى المنصب في بداية العام المقبل. فقد تسيدت قصته وتصريحاته كل شيء في الإعلام: التلفزيون والصحف وفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي وانسابت إلى حياتنا اليومية بطريقة أعمق من مشاهدة مسلسل «الأشياء الغريبة»على موقع نتفليكس. ورغم وجود العديد من المناسبات الثقافية التي تسيدت الحياة الأمريكية مثل مسلسل «لعبة العروش» وصدور ألبوم المغنية بيونسيه «ليمون» وفوز بوب ديلان، بجائزة نوبل للآداب إلا أن الحملات الانتخابية والترفيه المبهرج طغى على كل شيء. فقد كان ترامب هناك في تويتر. ورغم أن برامج تلفزيون الواقع لا علاقة لها  بالواقع إلا أن ترامب أصبح «الواقع» أمام أعيننا مثل وحش في فيلم يقفز من الشاشة الفضية. ومن هنا فالعام ظل يدور حول ما فعله وسيفعله ترامب فبعد أن تقرأ كتابا أو تشاهد فيلما كان الواحد منا يعود ليتعرف على ما ورد إلى هاتفه المحمول من رسائل وتغريدات عن حملة المرشح الجمهوري. ويقول سبايث إن قدرة ترامب العظيمة كانت نابعة من انهيار الفرق بين الحقيقة والفانتازيا وبين الشخصية العامة والخاصة وبين المشاهد والممثل. ففي الأيام الأخيرة للحملات الانتخابية حمل قناعا مطاطيا يحمل صورته وأخذ يقول لأنصاره في سراسوتا، فلوريدا «أنظروا إلى هذا القناع». و «أو واو واو، أنظروا هذا هو أنا» وبعد ذلك رماه، ولو حاول كاتب نص اختراع مشهد كهذا لاتهم بأنه بالغ في الوصف. والمهم في هذا العام الانتخابي ونتائجه الصادمة أنه شكل كل ملامح الثقافة والخطاب اليومي، فمحاولة الرئيس المنتخب لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى عنت استعادة البيض لها وبالتالي بدا كل الحديث عن التعددية العرقية والتنوع الثقافي- كلام المعسكر الليبرالي- كلاما لا معنى له. فقد حلت الحملة الانتخابية المجنونة محل الثقافة وبدت فيها المؤسسات الثقافية- هوليوود، الصحافة، التلفزيون ودور النشر عاجزة أمام صعود ترامب. وفي هذا السياق كتب روس دوثات في صحيفة «نيويورك تايمز» ان تركيز الثقافة الشعبية على العرق والهوية الجنسية أسهم في ردة فعل المعسكر المحافظ والذي تدفق على صناديق الاقتراع والتصويت لترامب. ورغم أن الكاتب بالغ هنا في الحديث عن دور الثقافة الشعبية في تغذية ترامب إلا أنه قلل من دور العنصرية الفاضحة ومظالم البيض. ولو كان دوثات محقا في حديثه عن دور الثقافة الليبرالية في صعود ترامب فهذا يعني احتجاجا ودليلا على أن هناك ردا على الرسالة. والحقيقة عكس ذلك فالتيار الليبرالي ذو الميول اليسارية بدا عاجزا عن مواجهة كل ما قدمته حملة ترامب. والمثال الأوضح هو افتتاحيات الصحف الغربية والأمريكية التي دعمت حملة هيلاري كلينتون وأكدت أن ترامب لا يصلح للحكم. وكذا «رسالة مفتوحة للشعب الأمريكي» والتي وقع عليها عدد من الكتاب بقيادة أندرو التسشول ومارك سولوكا ولم تحدث تغييرا. وعليه بدا الانقسام بين ما هو سياسي وثقافي واضحا في الأعمال الأدبية الفائزة مثل الرواية الفائزة بجائزة الكتاب الوطني «سكة حديد الأنفاق» لكولسون وايت هيد والتي تعيد تخيل الرحلة التاريخية للعبيد الهاربين من الجنوب الأمريكي. واختيرت الرواية لنادي أوبرا (وينفري) للكتاب وأصبحت من الكتب الأشهر مبيعا. وعمل أدبي كهذا يعبر عن مواقف النخبة الليبرالية التي تجاهلها الملايين وصوتوا لصالح شخص ديماغوجي متعصب. وفي هذا السياق فإن فوز ترامب لا يمكن أن يكون ذنب الثقافة الشعبية فقط بل والحزب الجمهوري الذي سمح لنفسه بالتعفن والحزب الديمقراطي والنظام ومؤسسة المال ـ وول ستريت- والحكومة والنظام التعليمي. ومن المفارقة إن ترامب مثل أي طفرة جينية شاذة سيكون موضوع كل أشكال الفن. وحتى قبل انتخابه جرى الحديث عن رواية كتبها فيليب روث «المؤامرة ضد أمريكا» والتي تتحدث عن انتخاب سياسي مؤيد للنازية رئيس للولايات المتحدة. وهناك رواية أخرى لريتشارد روتري «إنجاز بلدنا» وكذا رواية صدرت في عام 1935 لسنكلير لويس «لا يمكن أن يحدث هنا». وحتى لا ننسى ما صدر في عالم الرواية والسياسة والأدب هذا العام ونغرق في الحديث عن التيار الشعبوي وأثره على السياسة ومسار أمريكا وأوروبا وبالتالي العالم، فهذه عينة بسيطة مما نشر.

الرواية

كان الفائز في بوكر البريطانية لعام 2016 الأمريكي بول بيتي عن روايته «الخيانة» وهو أول أمريكي يفوز بالجائزة التي تمنح للرواية المكتوبة باللغة الإنكليزية. وكانت في الماضي تخصص للروايات الصادرة في بريطانيا ولكنها اليوم تمنح أيضا للأدب الصادر في الولايات المتحدة. والمفارقة أن الرواية الفائزة هي وصف ساخر للعلاقات العرقية في الولايات المتحدة من كاتبها الذي يعيش في لوس أنجليس واستحضر فيها أجواء من عالم تشارلز ديكنز. وأصدر الروائي البريطاني جوليان بارنز «صخب الوقت» وديفيد أبراموفيتش «حفلة الحيوانات» و زادي سميث الروائية البريطانية رواية جديدة وهي «وقت الرقص» ورواية الغانية يا غياسي «العودة للوطن». وشارك الروائي الليبي المعروف هشام مطر صاحب «في بلد الرجال» و «تشريح حالة اختفاء» واللذان قاما على ظروف اختفاء والده في سجون العقيد القذافي بعد اختطافه من مصر ونقله إلى سجن أبو سليم بجديد وهو «العودة: الآباء والأبناء وما بينهما» وهي مذكرات عن عودته إلى بلده ليبيا، يواجه بلدا وذكريات العائلة وما جرى لوالده أثناء الاختطاف. فمطر على ما يبدو متأكد من أن والده قتل في مذبحة أبو سليم عام 2016. وحظيت المذكرات باهتمام من النقاد والكتاب خاصة اختياراتهم في نهاية العام. واختارت الكاتبة السودانية ليلى أبو العلا موضوعا شائكا وشيقا ليكون محورا لروايتها «لطف الأعداء» وهي عن كفاح وجهاد الإمام شامل في الشيشان ضد الإمبراطورية القيصرية واختطاف أميرة جورجية وأسر ابن الإمام شامل لدى القيصر ومآلات الجهاد الشيشاني ونهاية الإمام نفسه أسيرا لدى أعدائه. وهي رواية تجدل الحاضر بالماضي والذاكرة بالنسيان وتؤطر لغتها الشعرية بالحرب الحالية على الإرهاب وتأتي بعد روايتها «المنارة» و «المترجمة» و«أنوار ملونة» و «زقاق الأغاني».

«داعش»

وما دمنا نتحدث عن الإرهاب فلم تغب دور النشر عن المشاركة في كتب جديدة عن تنظيم «الدولة» الذي لا تزال ظاهرته تشعل اهتمام خبراء الإرهاب والأكاديميين. وفي هذا السياق أصدر فواز جرجس الباحث في مدرسة لندن للاقتصاد كتابا مهما عن ظروف وتشكلات وأيديولوجية التنظيم وهو «تنظيم الدولة: تاريخ»  و «تنظيم الدولة: دولة إرهاب» من تأليف جيسكا ستيرن وجي أم بيرغر. وأصدر جوبي واريك كتاب «الرايات السود» وكتاب بريان فيشمان «الخطة الرئيسية: تنظيم الدولة والقاعدة والاستراتيجية للنصر النهائي». واهتم كل من مالكوم نانس وريتشارد إنجل بمعتقدات التنظيم «نقاش تنظيم الدولة: من هم، ماذا يريدون وماذا يعتقدون؟». وفي المجال نفسه كتب برنارد روغيه كتابا مهما عن السنة في لبنان «تراجيديا السنة في الشرق الأوسط: شمال لبنان من القاعدة إلى تنظيم الدولة». وكتب كل من دييغو غامبيتا وستيفان هيرتوغ دراسة عن العلاقة بين الهندسة والجهاد «مهندسو الجهاد: الرابط المثير بين العنف المتطرف والتعليم».

 الربيع العربي

رغم أن الكثير من المحللين يشيرون للاضطرابات والتظاهرات التي عمت العالم العربي اليوم ويصفونها بـ«الشتاء العربي» أو ما كان يعرف بالربيع العربي، إلا أن الباحثين واصلوا استقراءهم لظاهرة الخروج والتجارب الديمقراطية في العالم العربي وأزمة الإسلام السياسي. ومن هنا كان كتاب جون أوزبوزيتو وتمارا صن وجون فول مشتركا حللوا فيه العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في مرحلة ما بعد الربيع العربي. وطرحوا فيه عددا من التجارب من مصر إلى تونس والسنغال واندونيسيا. ومن الكتب المهمة التي صدرت عن الإسلام وطرق فهمه كتاب للباحث الباكستاني شهاب أحمد والذي توفي بعد نشر كتابه في ربيع العمر. وفيه قراءة انثروبولوجية لطرق فهم الإسلام. وطرح فيه أسئلة شائكة تواجه المسلم المعاصر. وعنوان الكتاب «ما هو الإسلام: أهمية أن تكون مسلما». وليس بعيدا عن حالة الإسلام وما يواجهه المسلمون في العالم قرأت كتابا مهما حول مأساة المسلمين الروهينغا من إعداد عظيم إبراهيم «الروهينغا: في داخل الإبادة الخفية في بورما» وهو كتاب يموضع تاريخ الروهينغا في سياق بورما كمواطنين أصليين وليسوا مهاجرين كما يدعي البوذيون. ويعري الكاتب علاقة داعية الديمقراطية التي فاز حزبها الرابطة الوطنية بانتخابات العام الحالي، آنغ سو شوتشي والتي كان موقفها سلبيا من مذابح المتطرفين البوذيين للمسلمين. وفي مجال العلاقات الإسلامية ـ البريطانية صدر كتاب «هذه الجزيرة الشرقية: إنكلترا الإليزابيثية والعالم الإسلامي» من تأليف جون بروتون وهو يحاول فيه استكشاف الجذور القديمة للعلاقات بين الجزر البريطانية والإسلام خاصة الدولة العثمانية. وليس بعيدا عن الموضوع أصدر بن جودا كتاب «هذه لندن» عن تنوعات العاصمة البريطانية السكانية، من مسلمين وشرق أوروبيين ومهاجرين غير شرعيين وما إلى ذلك من أناس يعيشون في المدينة الكبيرة وهو صورة عن التحولات التي حدثت على العاصمة من خلال رؤية صحافية.

الجرح السوري

كلنا راقب المذبحة السورية وما تعرضت له مدينة حلب والدموع الحقيقية أو الكاذبة التي ذرفها العالم على المدينة الحزينة. وأنعشت الكارثة السورية اهتمام دور النشر باعتبارها موضوعا مقروءا ويحظى باهتمام. ومن الكتب الجديدة ما أعدته الصحافية المعروفة جانين دي جيوفاني «الصباح الذي جاءوا فيه إلينا» وهو مجموعة من المقالات والتقارير التي نشرتها الكاتبة عن الحرب الوحشية في سوريا. وكتاب كريستوفر فيليبس «المعركة على سوريا: التنافس الدولي في الشرق الأوسط الجديد» حيث أصبح فيه النزاع السوري ثانويا لتنافس ستة لاعبين وهم الولايات المتحدة وروسيا وإيران والسعودية وتركيا وقطر. أما روبن ياسين قصاب وليلى الشامي فقد كتبا «سوريا المحترقة: السوريون في الثورة والحرب» وجمعا فيه شهادات للمقاتلين والمعارضين والمنفيين. ويصور الكاتبان الطريقة التي تمت فيها عسكرة الانتفاضة وصعود المتشددين والبعد الطائفي وفشل المجتمع الدولي في دعم المعارضة السورية.

ماذا عن العرب؟

عادة ما يصور العرب مشهدهم الثقافي بأنه يعاني من أزمة، وهو توصيف يتخذ ذريعة لتجاوز المنجز العربي. ونظرا لغياب المراكز العربية الثقافية التقليدية وحالة الأزمة الحقيقية التي تمر بها فمن الصعب توصيف المشهد الثقافي. ونظمت معارض الكتب المعتادة في القاهرة وبيروت بمعرضها الذي مضى عليه ستين عاما والمعارض الدورية في دول الخليج. وإذ انشغل العالم الغربي بصعود التيارات الشعبوية وفشل أحزاب الوسط والمركز يمينية أم يسارية، فقد واصل العالم العربي رقصه على وقع القتل في سوريا واليمن وليبيا وحرب السكاكين في فلسطين ومنع الآذان والشحن الطائفي الذي وصل ذروته في سقوط حلب بيد تحالف من الجماعات الموالية للنظام السوري. وبين هذا وذاك انشغلت مواقع التواصل الاجتماعي بمتابعة ماذا في ثلاجة السيسي التي كلفت الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إياد مدني وظيفته. وفي ظل الدمار وانهيار المدن العريقة من حلب إلى الموصل والفلوجة وارتفاع الرايات التي تدعو للانتقام والثأر لدماء قديمة يبدو من العبث البحث عن فكر أو أدب يمسك باللحظة.

الحصاد المر لعام 2016: اختفت الثقافة وطغت الديماغوجية وانتصر العنف على الحكمة

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left