الحرب حولت قلعة تعز من متحف أثري إلى مصدر للموت

سعاد الحدابي

Dec 25, 2016

تعز الغنية بآثارها لم تكن المتضرر الوحيد من الحرب اليمنية الأخيرة، لكن الصمت حيالها يجعلها الأكثر تضررا إذ لم يلتفت أحد إلى ما جنته الحرب على الأماكن الأثرية وبعض المزارات، التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، فالحرب الظالمة استهدفت الإنسان والعمران، وشغلت الناس بالنزوح حينا وبمداواة جراحهم حينا آخر، ولم يلتفت أحد إلى حجم الضرر الذي أصاب المدينة بكل ما فيها ومن فيها، حتى صارت أكثر مناطقها حيوية كأنها خرائب بالية، ولعل الآثار القديمة كانت أكثر عرضة للدمار من غيرها، فقلعة تعز المسماة قلعة القاهرة، دليل على ذلك. يعود تاريخ هذه القلعة إلى آلاف السنين وهي شاهدة على حقب مرت بها المدينة، حيث ظلت تعز عاصمة اليمن طيلة حكم الدويلات والممالك التي تعاقبت على حكم البلاد لموقعها القريب من باب المندب الذي يعد ممرا بحريا، وصلة اليمن بالعالم الخارجي. ولمكانة القلعة التاريخية فقد أعيد ترميمها وإضافة بعض التحسينات إليها فصارت قبلة للسائحين ومنتزها لأبناء المدينة، ودعت منظمة يونسكو عام 1984 لضمها لقائمة التراث العالمي. وبقراءة تاريخ هذه القلعة نجدها شاهدا حيا على الدول والممالك التي تعاقبت على حكم اليمن، فهي بما تحويه من قصور كانت مقراً لولاة الأمر والحكام من الدولة الصليحية والأيوبية والرسولية والطاهرية والعثمانية وحتى الأئمة الذين تولوا حكم اليمن بعد خروج العثمانيين. وعن عراقتها وبنائها تذكر المراجع أن ما في القلعة من نقوش يحدد عمرها الزمني، فقد ورد في بعض تلك النقوش اسم الملك كرب ال وتر، من القرن الثالث الميلادي، وهناك بعض الشواهد الأثرية من تماثيل فخارية ورخامية ومباخر تعود إلى الفترة القتبانية التي سادت اليمن قبل ظهور الإسلام، إضافة إلى مذابح من الحجر الكلسي، وبقايا أحجار مكتوب عليها بخط المسند، وبلغة آرامية سامية، يرجع تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وهناك نقشٌ على باب القلعة يتكون من ستة أحرف، منها أربعة كُتبت بالخط العربي، وحرفان باللغة الآرامية، ما يدل على أن القلعة كان لها أثر قبل الإسلام، ثم أعيد بناؤها في عهد الدولة الصليحية. ويذكر المؤرخون أنه تم تجديد بناء قلعة تعز في القرن الخامس الهجري، وأن الأمير عبدالله بن محمد الصليحي هو الذي بناها (436هـ/532) واتخذها حصناً له، قبل أن يأتي الأيوبيون ويجعلوها مركزاً عسكرياً، ومقراً للحكم، ويسمونها «حصن تعز». وفي عهد الدولة الرسولية فقد صارت مقراً للملك المظفر يوسف بن عمر بن رسول، ثم اتخذها الطاهريون مقراً لحكمهم (924هـ /1518م) وظلت محتفظة بدورها العسكري حتى فترة الحكم العثماني لليمن، وجاء حكم الأئمة ليجعلها أيضا مقراً عسكرياً ومقراً لسجن الرهائن من أبناء وأقارب شيوخ القبائل اليمنية الذين يحتجزونهم كضمان على الولاء والطاعة للإمام يحيى حميد الدين. ولما تتمتع به القلعة من موقع استراتيجي يطل على المدينة من جانب ومحاطة بجبل صبر من جهة أخرى كان منوطا بها كثير من الأدوار التاريخية، فهي حصن تاريخي منيع له حضوره السياسي والعسكري في مختلف التحولات التي مر بها اليمن، كما أنها تحفة معمارية فريدة، حسب تعبير بعض المؤرخين، إذ تضم مجموعة قصور ومبانٍ وأبراج ومنتزهات، لتوفُّر أسباب الاستقرار فيها، وتمتد على جبل كامل، وبنيت بنسق معماري فائق الدقة، فهي حصن عسكري بأبراجه وتوابعه ومقر حكم بقصوره وملحقاته، ففي القلعة أربعة قصور: دار الأدب، ودار الشجرة ودار العدل ودار الإمارة، إضافة لمنتزهات وحدائق معلقة على هيئة مدرجات شيدت في المنحدر الجبلي، كما نُحتت في إحدى واجهات الجبل مجموعة أحواض وسد مائي، وتُربط القصور بما حولها بأنفاق وممرات سرية، إضافة إلى مخازن الحبوب والمياه، وتتعدد أبراج الحراسة على محيط القلعة، وتتصل بسور حجري ممتد حولها ويتصل سورها بسور المدينة القديمة ولها أربعة أبواب: باب الكبير وباب الشيخ موسى، وباب المداجر، وباب النصر، ويوجد فوق كل باب برج مخصص لحراسة المدينة، هذه المدينة التي تعدُّ نواة لمدينة تعز ويطلق عليها المدينة القديمة، وفيها حي الأشرفية الذي يحوي أهم مدرسة دينية في تاريخ اليمن، بناها السلطان اسماعيل بن العباس حوالي 696هـ وهو أحد سلاطين الدولة الرسولية، وفيها أضرحة عدد من ملوك الدولة الرسولية. ومما يجدر الإشارة إليه أن القلعة وقعت تحت سيطرة الحوثيين الذين حولوها إلى ثكنة عسكرية، مستغلين موقعها المطل على المدينة، فلم يهمهم الحفاظ على تراثها المعماري قدر اهتمامهم بتدمير كل ما تصل إليه قذائفهم للسيطرة على المدينة، فصارت القلعة مصدرا للموت، حتى كانت أحد أهم الثكنات التي استهدفها طيران التحالف العربي بخمسة صواريخ، أدت إلى تدمير أجزاء من القلعة وسورها، لتعود القلعة لأبناء المدينة، وتظل شاهدا على حرب خاسرة خاضها اليمن وخسر فيها الكثير من آثارها وعمرانها، فلاتزال القلعة تنتظر من يعيد إليها رونقها الذي دمرته الحرب.

الدملؤة الحصن الأثري

تعدُّ قلعة الدملؤة من أهم القلاع والحصون الأثرية، وتسمى قلعة المنصورة نسبة إلى اسم القرية التي بنيت فوقها في أعلى جبال الصلو جنوب شرق جبل صبر. بدأت شهرتها في فترة الحكم الأيوبي في تعز، في القرن السادس الهجري، ولحصانتها ومنعتها كان لها دور في الأحداث التي شهدتها مدينة تعز منذ عهد الايوبيين، ثم عهد الرسوليين، والصليحيين والطاهريين، وأيضا في فترة الحكم العثماني لليمن، وهي قلعة شامخة يبلغ ارتفاعها(2000) متر عن سطح البحر. وتذكر المصادر التاريخية أنها بنيت في الحقبة الحميرية القديمة، واتخذت من المعافر دولتها، وتعاقب على اتخاذها مقرا للحكم عدة دول وممالك حكمت اليمن منها الدولة الصليحية والأيوبية والرسولية والطاهرية. ويروى أن الملك علي بن محمد الصليحي، استولى على القلعة بعد صراع عنيف مع حامية لحكام تعز من بني نجاح كانت تسيطر على القلعة سنة452هـ. أما تطوير بنائها فقد تم على يد السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول، مؤسس الدولة الرسولية. وقد ذكرها الهمداني بقوله: «إن الدملؤة من عجائب اليمن التي ليس في بلد مثلها». وتضم القلعة المنازل والدور، ومخازن للسلاح، وفيها مسجد جامع، وفي رأسها عشرة صهاريج منحوتة في الجبل، بها مساقط للمياه ومخازن صخرية لتخزينه، ومخازن للحبوب، وسجون منحوتة في الصخر، ويوجد في القلعة عدد من النقوش من أبرزها نقش الملك الأفضل العباس بن الملك المجاهد الرسولي، الذي ترك على مدخل القلعة على شكل كتلة حجرية ضخمة. وتطل من علوٍ شاهق على قرى الظهرين والجراف، ووادي الجنات ومن ناحية أخرى قرى الصعيد والقابلة كما تطل على دمنة خدير. وذكرها المؤرخ محمد بن علي الأكوع بأنها قلعة شماء يعجز الوصف عنها، فهي منيعة يصعب الوصول إليها، ويطلق عليها قلعة «بني المغلس» وهناك اعتقاد بين الناس أن كل ملك سكن القلعة يُدعى بالمنصوري، لأن من تحصن بها فهو المنتصر دوماً على الأعداء. وفي قلعة الدملؤة قبور بعض الملوك الرسوليين والأيوبيين، لعل أشهرهم الملك سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب، أخو صلاح الدين الأيوبي الذي أرسله لتعزيز التواجد الأيوبي في اليمن. ولا تزال القلعة شاهدة على تاريخ اليمن رغم ما أصابها من دمار بسبب الإهمال، وما تعرضت له من عوامل الزمن كالأمطار والرياح، فهي لم تنل أي اهتمام من المنظمات العاملة على إحياء التراث المعماري التي كان لها فضل في ترميم قلعة القاهرة وغيرها من آثار اليمن، كما لم تنل عناية من الحكومات المتعاقبة على حكم اليمن الذي لم يخل من صراع على السلطة، فالقلعة أهملت وصار الوصول إليها لا يخلو من مشقة بسبب تهدم مدرجاتها التي نحتت من الصخر الصلب. وفي الحرب اليمنية الأخيرة يحاول الحوثيون الوصول للقلعة ويستميتون في الاستيلاء عليها، وقد اتخذوا سلسلة من الأجراءات في طريقهم حيث تمَّ ترحيل كثير من سكان القرى الواقعة في الطريق إلى القلعة، غير أن رجال الجيش الوطني والمقاومة يتصدون لهجمات الحوثيين، ولا تزال المعارك دائرة في جبال الصلو، التي تطل عليها قلعة الدملؤة من ارتفاع شاهق منتظرة أن تهدأ الحرب لتجد يد العناية والصون وتعود واجهة من واجهات اليمن ببنائها المعماري الذي قلّ وجوده.

الحرب حولت قلعة تعز من متحف أثري إلى مصدر للموت

سعاد الحدابي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left