مخاوف من تفكك الاتحاد الأوروبي والعودة إلى القطيعة و«الانعزال الجديد»: أي مستقبل ينتظر أوروبا مع صعود اليمين والخطاب الشعبوي؟

رلى موفّق

Dec 25, 2016

أضحت ظاهرة صعود اليمين في أوروبا وسيطرة الشعبوية على الخطاب السياسي مقلقة، لما سيترتّب عليها من تأثيرات وانعكاسات تؤول إلى تحوّلات جذرية في المجتمعات الغربية تنحو نحو القطيعة مع الآخر والانزواء. لكن الظاهرة العائدة لعوامل متعددة ليست حديثة النشوء ولا تنحصر في الفضاء الأوروبي، بقدر ما هي موجة عالمية مرشحة إلى مزيد من التصاعد، غير أن الخطورة التي تعتري المشهد الراهن هي ربط تنامي اليمين بعامل الصدام الديني والثقافي بين الحضارات، ولا سيما بين الغرب والإسلام، والذي كان المفكّر السياسي الأمريكي صموئيل هنتغتون قد نظّر له في مطلع التسعينيات من القرن الماضي لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، فيما يتم تجاهل العوامل السياسية والاقتصادية والإيديولوجية لهذه الظاهرة، بحيث تحوّلت مسألة الإسلام بكل تشعباتها إلى أبرز الأدوات المستخدمة في المعارك السياسية والتنافس الانتخابي من دون الالتفات إلى تداعيات ذلك على النسيج المجتمعي.
لا شك أن انهيار الاتحاد السوفييتي أسّس لمرحلة جديدة، ليس فقط في أوروبا، بل في العالم أجمع، ذلك أن سياسة القطبين التي طغت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد انتهت لصالح الزعامة الأحادية. ويذهب كثير من المفكّرين والباحثين، المناهضين لفكر هنتغتون، إلى اعتبار أن نظرية «صدام الحضارات» ليست سوى تعبير عن واحدة من الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها الإدارة الأمريكية لإدارة الصراع في العالم بعد انتهاء «الحرب الباردة وزوال الخطر الشيوعي» وهو ما آل إلى خلق «العدو الجديد» المتمثل بالإسلام الذي من شأنه أن يُوحّد الغرب في مواجهة الخطر الداهم على الهوية والثقافة والحضارة الغربية.
وفي رأي الأكاديمي الدكتور خطار أبو دياب، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، فإن «اليمين الشعبوي واليمين المتطرّف بدآ بالظهور منذ الثمانينات من القرن الماضي بشكل بطيء رداً على الهجرة غير الشرعية ووجود الأجانب، وبدء ظهور الإسلام كعامل مؤثر في أوروبا، ولكن مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الإيديولوجيات، لم تعد هناك مسافات كبيرة بين وسط اليسار ووسط اليمين، فأصبح للقوى في أقصى اليمين والقوى الشعبوية حضور، ولا سيما في النمسا سابقاً وفرنسا وهولندا وغيرها. وأدت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 وتنامي الإسلاموفوبيا إلى تصاعد هذه الموجة، لكنها بقيت محدودة ولم تتجاوز نسبة 15-20٪. إلا أنه منذ الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى في الـ2008 وانعكاساتها على أوروبا، وبعدها موجة التحوّلات العربية، وصعود ما يسمى بـ «الإرهاب» و «»، وتدفق داعش اللاجئين عام 2015، معطوفاً على البؤس الاقتصادي الذي تعانيه تلك الدول، أسهم في الوصول إلى ما يمكن تسميته العودة إلى خطاب «الهويات القاتلة» والعودة إلى القطيعة وعدم الاعتراف بالآخر، وإلى تقوية عضد اليمين المتطرّف والشعبوي، خاصة مع غياب النجاحات الاقتصادية لليسار الوسط أو اليمين الوسط».
على أن هذه النزعة الأوروبية تتغذى يوماً بعد يوم من الموجة العالمية التي تنحو صوب مزيد مِن التطرّف والانغلاق والشعبوية، وإن كانت أوروبا تحمل إرثاً فاشياً ـ نازياً وتوتاليتارياً وشيوعياً. اليوم تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة الأمريكية وصعود نجم الشعبوي دونالد ترامب، ذلك الملياردير الآتي من خارج «الاستبلشمنت» والذي استطاع أن يُطيح بعراقة المؤسسات الحزبية والسياسية، فيفوز نتيجة فهمه لنبض الشارع وهواجسه الاقتصادية والداخلية، ورفعه شعار «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» رغم ما تضمنه خطابه من عنصرية ضد المهاجرين والإسلام. وهو بنجاحه يشكل نموذجاً جذاباً لكثير من ساسة الدول وأحزابها، سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بالذهاب في مواقف متطرّفة، حتى أن اللافت في هذا الإطار تلك المواقف التي أطلقها الرئيس الفلبيني المنتخب حديثاً رودريغو دوتيرتي، والذي لم يتوانَ عن شتم الرئيس الأمريكي باراك أوباما حين انتقده لإفراطه في استخدام القوة خلال حملة مكافحة المخدرات، مهدداً الحليف الأمريكي التاريخي بأنه على استعداد للتوجه إلى خصميه، الصين وروسيا، إذا دعت الضرورة.
أما على الجانب الآخر، فإن ثمة نموذجاً يُشكّل اليوم عامل جذب للأحزاب الأوروبية. إنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وَجَدَ فرصة ذهبية، مع الانكفاء الأمريكي في عهد أوباما، في أن يُعيد بعضاً من أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق، لا بل أمجاد الأمبراطوربة الروسية، فإذا بهذه النزعة القومية تلقى صدىً داخل روسيا وتصل أصداؤها إلى كثير من دول القارة العجوز موقظة تلك النزعة. لكن الحديث يذهب إلى اتهام روسيا بدعم اليمين المتطرّف في أوروبا، بحيث يتوقف محللون عند مَنح زعيمة «الجبهة الوطنية الفرنسية» ماري لوبن قرضاً بنحو خمسة ملايين يورو من مصرف تملكه روسيا، وتأثير بوتين الواضح على تيارات يمينية، لا سيما في بريطانيا وهنغاريا والمانيا، تُبدي إعجاباً بسياسة «القيصر الروسي» وشعوره القومي.
غير أن باحثين في الشأن الروسي يرون أن محاربة الإسلام السياسي، الذي يتوجّس منه بوتين، داخل روسيا وخارجها وفي وجوارها، يُشكّل الجامع الأبرز بينه وبين التيارات اليمينية في أوروبا التي يعتريها هذا القلق أيضاً، فضلاً عن أنها تشاركه عدم التسليم بأحادية زعامة أمريكا والاتجاه للعمل على ترسيخ عالم متعدد الأقطاب.
إلا أن هؤلاء الباحثين لا يستبعدون أن يكون هدف بوتين من دعمه التيارات اليمينية في أوروبا، التي تُشكّل عاملاً ضاغطاً على الاتحاد الأوروبي وتُشكّل تهديداً فعلياً في الدفع نحو الانفصال، يتعدى الهدف المشترك في مواجهة الإسلام السياسي إلى خطة مدروسة لجهة محاولات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الضغط على بوتين من قبل «بيته الروسي» عبر دعم المنظمات غير الحكومية في دعم المجتمع المدني الروسي في مطالبه لتعزيز معايير الحرية والديمقراطية، وذلك عبر تأليب اليمين المتطرّف داخل بيته الأوروبي، مستفيداً من الأزمات التي تواجه تلك الدول، ولا سيما أزمة اللاجئين وسط هواجس من الديموغرافيا المتحوّلة والمخاوف على الهوية. وإذا كان من الصعب، وفق هؤلاء، إثبات المدى الذي يبلغه تأثير تدخل روسيا في أوروبا، فإنهم ينظرون إلى أن طلب الكونغرس الأمريكي تشكيل لجنة للتحقيق في تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية عن تدخل روسيا في الحملة الانتخابية الرئاسية من خلال القرصنة الإلكترونية لمساعدة ترامب على الفوز، وكأنه يأتي ليؤشر على المكانة السابقة التي استعادتها روسيا كدولة عظمى بقدراتها، وهو أمر قد يكون فيه بعض المبالغة!
لا شك أن ثمّة عوامل كثيرة تساهم في صعود اليمين المتطرّف في أوروبا. ويتخوّف الأوروبيون من «الإسلاموفوبيا» ومن ديموغرافيا الإسلام، تلك التحوّلات الديموغرافية بفعل تنامي عدد المهاجرين القدامى الذين وفدوا إلى المجتمعات الأوروبية منذ عقود، وأصبحوا يُشكّلون كتلة بشرية وازنة يمكن مع مرور الزمن أن تُحدث تغييرات جذرية في بنية تلك الدول، التي أضحوا من مواطنيها، على المستويات الدينية والثقافية والحضارية. ولا شك أيضاً أن هذا العامل يتصاعد مع المهاجرين الجدد الذين تدفقوا إلى أوروبا بفعل الحروب، ولا سيما في العراق وسوريا وليبيا، فضلاً عن هجرة مماثلة من دول تشهد صراعات مماثلة منذ زمن، هي في غالبيتها دول ذات أكثرية مسلمة، ويساهم تنامي «الإرهاب» وسط البيئات الإسلامية السنية التي تغلب عليها صورة نمطية عن أنها بيئة متطرفة تصدّر الفكر المتطرّف، في ازدياد الموجة العنصرية وبروز البُعد الديني للصراع إلى جانب الأبعاد الثقافية والحضارية.
غير أن البعد الاقتصادي بحد ذاته يشكل أحد أسباب صعود اليمين المتطرّف والخطاب الشعبوي. وينظر الباحث أبو دياب إلى أن «العولمة هي إحدى العوامل التي تدفع في اتجاه الانعزال الجديد والذهاب إلى خطاب الهوية وإلى القطيعة كردة فعل على ما تعانية الأجيال الشابة من صدمة المستقبل، ومن عدم إيجاد فرص عمل، ما يترك آثاره على التفكير السياسي، وعلى المقاربة السياسية للأوضاع الاقتصادية. ويذهب في هذا الإطار إلى القول أن الثورة الرقمية والثورة التكنولوجية ككل، أدّت إلى بناء عولمة غير إنسانية. وليس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سوى إعلان عن بدء مغادرتها للعولمة. كما أن أمريكا، من خلال انتخاب ترامب وموقفه من الصين تحديداً، تُسجّل موقفاً ضد العولمة التي قادتها». وما يلفته أن «هذه العولمة تعمل ضدها حركات الحفاظ على الهوية والحركات المتطرّفة والدينية والمافيات والكارتلات، وأن السقوط الأول لها كان في الـ2008 في الوول ستريت، وما جرى من تركيز أمريكي على آسيا، ونقل للنفوذ في العالم، من الشمال الذي كان غنياً، نحو الجنوب الذي يتحوّل غنياً، والذي أصبح يستحوذ على الكتلة النقدية، ويجري راهناً رفض للتسليم به».
فبعد «البريكست»، واتجاه دول أخرى للخروج من الاتحاد الأوروبي، الذي كان مهماً اقتصادياً بما كان يُشكّله كنموذج تكاملي في العالم، فإن التوقعات هي أن يصغر حجم الاتحاد الأوروبي ليصبح أقوى، في ظل التغيّرات المرتقبة، ولا سيما أن بعضاً من المراقبين يتوقعون أن تنعكس على أوروبا الإجراءات الاقتصادية الامريكية الجديدة التي ستقـوّي الدولار على حساب اليورو، مما سيخلق وضعاً اقتصادياً صعباً وردّة فعل تجاهه.
وإذا كان من الصعب الجزم بمآل التوجهات السياسية التي ستحكم نهائياً مستقبل أوروبا، فإن ثمّة ثلاث دول أوروبية لا بد من رصدها في المدى القريب، إذ أنها ستشهد انتخابات في سنة 2017 وهي فرنسا والمانيا وهولندا. فوصول اليميني فرانسوا فيّون إلى سدة الرئاسة الفرنسية، وحصد أقصى اليمين واليمين نحو 60 في المئة، يُشكّل مؤشراً سيئاً على المزاج الفرنسي والذي قد ينسحب على المزاج الأوروبي، وفق متابعين للانتخابات. ولعل اللافت أن هؤلاء لا يستبعدون أن يلجأ بوتين الى سلاح «الهاكرز» من أجل ضمان فوز حليفه فيّون، ومن أجل محاربة فوز المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مرة جديدة. فألمانيا مرشحة لقيادة الاتحاد الأوروبي، ومرشّحة لقيادة المواجهة السياسية إذا ساءت العلاقات بين واشنطن و «الناتو» وهي ماضية في زيادة إنفاقها العسكري، وتُشكّل قوة اقتصادية تفوق قوة روسيا، فيما الأنظار تتّجه إلى هولندا التي منها خرج الخطاب المعادي للإسلام، وحيث النائب الهولندي الشعبوي المعروف بمناهضته للإسلام غيرت فيلدرز يُحرز لقب «رجل العام» في ختام استطلاع مُتلفز في هولندا للمرة الرابعة على التوالي، ويحلّ حزبه «حزب الحرية» في الطليعة، حسب استطلاعات الرأي، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في آذار/مارس، ما يدفع بالمحللين إلى الاعتقاد أن هناك حظوظاً فعلية في أن يُصبح الحزب السياسي الأول، ويفوز بالانتخابات على حساب الحزب «الشعبي الليبرالي» و «الديمقراطي» برئاسة رئيس الحكومة الحالي مارك روتي، إذا استمر المناخ الحالي على ما هو عليه.
والسؤال عن منحى الحلول الذي يمكن أن تلجأ إليه أوروبا لتجنّب خسارة إنجازات العمل الأوروبي المشترك، وإنجازات الدولة الوطنية، يبدو معقداً جداً، وإن كان متابعون للشأن الأوروبي يرون أن ذلك يرتبط بعوامل عدّة، تبدأ مِن السياسة التي سينتهجها ترامب حيال أوروبا وتمر بكيفية معالجة مشاكل ما وراء المتوسط ووقف مآسي العالم الإسلامي والتوصل إلى نوع من الاستقرار في الشرق الأوسط، ولا تنتهي بإيجاد السبل الآيلة إلى ترسيخ ثقافة حوار الحضارات، ذلك أن المسألة الاقتصادية لها ثأثيرها الأساسي في المشهد الأوروبي، وعدم عودة النمو بشكل قوي وإيجاد أشكال جديدة للعولمة سيؤول إلى تدهور حكمي للأوضاع.
في مثل هذه الأيام 27 كانون الأول/ديسمبر من العام 2008، توفي هنتغتون تاركاً وراءه أيقونته السياسية «صراع الحضارات» التي تفعل فعلها في تصادم جليّ بين الحضارة الغربية، التي سمّاها الحضارة الكونية، والإسلام… وقد تكون في طريقها مع ترامب لتصطدم مع البعد الثالث الذي تحدث عنه المنظّر الأمريكي، ألا وهو بروز الصين كقوة كونية كبرى!

مخاوف من تفكك الاتحاد الأوروبي والعودة إلى القطيعة و«الانعزال الجديد»: أي مستقبل ينتظر أوروبا مع صعود اليمين والخطاب الشعبوي؟

رلى موفّق

- -

1 COMMENT

  1. الشعب الأوروبي لا يهتم بصراع الحضارات ولا مصلحة له في محاربة الإسلام
    الشعب الأوروبي يهمه العمل في المقام الأول والصراع الوحيد هو مع الحكومات عن طريق الإضرابات لنيل حقوق العمال !
    الأحزاب اليمينية تتلاعب سياسياً بوعود إقتصادية صدقها البعض ولهذا إنتخبهم !! ولكن بعد فشلهم إقتصادياً سيتخلى الشعب عنهم !!!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left