«أعوام الجمر والرماد» للراحل حسين الموزاني: تأملات نقدية حول المنفى والكتابة والثقافة

هاشم شفيق

Jan 01, 2017

كانت بيروت نهاية السبعينيات، تعج بمثقفين عرب حطوا رحالهم فيها، منخرطين في عملهم الصحافي والثقافي داخل حقول الإعلام الفلسطيني، وما أكثره في تلك المرحلة، مرحلة أواسط الحرب الأهلية والنزاع العربي ـ الإسرائيلي الذي كان في أوجِه، عمليات فدائية، وحروب داخلية ومن ثم حصار إسرائيلي، والمقيمون فيها كانوا بالإضافة إلى اللبنانيين عرباً من جنسيات مختلفة، فضلاً عن الجنسيات الأجنبية المؤازرة للثورة الفلسطينية. كان الزمن ذلك، زمن نور جديد ونهضة وعي للعقل العربي، ولشبابه اليساري الحالم بالثورات، وإزاحة معالم الاستبداد والطغيان والتجبر لدى حكام العالم العربي.
من بين المئات من المثقفين، لمحت هناك شاباً يعمل في حقل إعلامي فلسطيني، هو القاص حسين الموزاني، الذي لم يتسن له في غمرة تلك الأحداث العاصفة، أن يُظهر موهبته وسط العديد الذي يحاول ويكتب وينشر هنا وهناك، ولكنه سرعان ما اختفى، مثل كثيرين يختفون فجأة ولم نعد نسمع بهم، نتيجة الظروف الشائكة والملتبسة للجميع تقريباً، وبعد انقشاع الغمامة، ورحيل غالبية النخبة العربية عن بيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي، وهدوء الأوضاع إلى حد ما، واستقرار البعض في هذه العاصمة العربية، أو تلك الأجنبية، ظهر مجدداً صوت القاص حسين الموزاني في المانيا، وفي عاصمتها برلين تحديداً، قاصاً وروائياً ومترجماً. لقد ألتحق سُراعاً، باللغة الألمانية ومن ثم مجتمعاتها، حتى أوصله هذا التواشج مع اللغة إلى الزواج بألمانية، مختصراً بذلك الجهد والطريق، وما ينتج عنه من عثرات فنية في مناحي اللغة والحياة والسبيل المُنْتَهج حينذاك.
وهناك بدأت المسيرة الصحيحة لحسين الموزاني تتضح وتضيء معالم طريقه وملامح تجربته الإبداعية والكتابية، فتجلتْ في مجموعتين قصصيتين، أبرزها «خريف المدن» ومن ثم روايته اللافتة «اعترافات تاجر اللحوم» وترجمات لروبرت موزيل وغونتر غراس ونيكولاس بورن، ومجموعة قصصية لشاعر ألمانيا العظيم راينر ماريا ريلكه، لينعطف بعد ذلك إلى الكتابة بالألمانية مباشرة، تلك اللغة التي نشر فيها ثلاث روايات نال على إحداها جائزة تمنح للكتَّاب الألمان الذين ينحدرون من أصول أجنبية.
يتطرق الروائي والكاتب حسين الموزاني في كتابه هذا «أعوام الجمر والرماد» إلى جملة قضايا أدبية وثقافية وسياسية واقتصادية، مجملها يدور حول بلده العراق، وما لحق به من خراب ودمار وتحولات أيديولوجية وأنطولوجية، وسوسيولوجية، أدت به أن يهوي إلى مهاو سحيقة، سحقت الحداثة وما بنته خلال العقود الماضية، منذ نشأة الدولة العراقية ككيان مستقل، وله دستوره وملامحه الديموغرافية التي عرف بها بعد التحرر، ونيل الاستقلال من تاريخ العثمنة الدامس والطويل، ومن ثم التحرر من الاستعمار البريطاني الذي رسم خريطة طريقه الجديدة والمثيرة للجدل والمعروفة بخريطة سايكس بيكو المعهودة، وصولاً إلى الحكام الجدد الذين جاء بهم الأمريكان، لينطلقوا بكل جهد ومثابرة وعزيمة إلى تدميره منهجياً ليؤول إلى ما آل اليه الآن.
هنا الموزاني وكأي مثقف منفي، وفرد من النخبة الثقافية العراقية التي انتهجت المنفى سبيلاً لها، عاد إلى العراق، لرؤية بلده ومسقط رأسه وسنوات الطفولة الأولى ورؤية أهله وشعبه المسكين، هذا الشعب الذي لم يكن أحد يتوقع، أنه سيقع من جديد ضحية الفاشست، ولكن هذه المرة هي الفاشية الدينية والطائفية والمذهبية التي شوَّهتْ معنى الهُوية العراقية، ومعنى روح الأخوة بين الطوائف والتكافل المعروف بين الاثنيات المذهبية في أزمنة خلت.
ولكن حين صُدم غالبية الكتاب الذين عادوا، عدا نفر قليل منهم، ظلوا هناك مندمجين مع الوضع القائم، لأغراض ومصالح سياسية ودينية ومذهبية كامنة في نفوسهم الصغيرة، اندهش العائد من حجم الخراب المهول والفساد الطاغي والقتل المستشري في المجتمع العراقي من قبل الميليشيات الدينية والأحزاب المذهبية التي تحرِّم الخمر وتحلل القتل واللصوصية والرشوة والذبح بين الأخوة، مسترشدين بغيظ وحقد وثأر المرشد الديني والفقيه الديني والمحازب الديني، مستغلين بذلك الجهل العام الذي أصبح الهوية الجديدة للعراقي المسلح بصورة الماضي، والمدجج برماد الجاهلية والمنتمي للطبيعة السوداء، هذه الطبيعة التي أدت إلى ظهور «داعش» وأخواتها، لتتغلل في نسيج المجتمع العراقي ويكتمل المشهد الهائل للمعاني السوداء.
عندما عاد العائد، إلى أهله غبَّ غياب الديكتاتورية وسقوط النظام العفلقي، الفاشي، كان يحلم «في عراق قوي، مادياً وروحياً، يوظف أمواله من أجل ضمان مستقبل أبنائه وبناته، ولا يجعل منهم متسولين، مشردين مثلما فعلت الأنظمة الأخيرة المتعاقبة، ولا سيما النظام الإسلامي الحالي الذي لا يختلف قيد أنملة، عن نظام القاعدة وطالبان، إن لم يكن أسوأ منهما».
هنا يسرد العائد التفاصيل المثيرة، قبل ظهور «داعش» أي لحظة وصوله في تاريخ 2004. لكن العائد وهو قاص وروائي، لم يتوقف عند هذا الأمر، انما يوغل، ليرى حقيقة العراقيين وخصوصاً الأهل والأقارب والجيران، فيجد أن لدى كل شخص قصة غريبة، فانتازية ومملؤة بالأسى والقهر والحرمان، ومجردة من أي طابع إنساني، طيلة فترة غيابه القسري عن بلاده، ومما زاد المأساة مأساة هو هؤلاء الحكام الجدد الذين يحكمون العراق.
كم كان الكاتب هنا نزيهاً ونبيلاً وصادقاً في سرده المؤسي والجارح والأليم، من تلك السنة المشؤومة للزيارة الحالمة بعد التغيير، ليرى ما رأى من التدمير المنظم لبلاده العراق «يا ليتني لم أكن قد اتخذت ذلك الموقف المؤيد لسقوط النظام عسكرياً، والآن لست نادماً فقط، انما أعتبر موقفي موقفاً لا يمكن إصلاحه أبداً، لقد صدَّقتُ بسذاجة وعود الأمريكيين، وأذنابهم من العراقيين، بإقامة نظام ديمقراطي، تعددي، يحترم حقوق الفرد ويؤمن بالمساواة بين المعتقدات الدينية والقوميات العراقية وما إلى ذلك من التسويف والوعود الزائفة».
كان من المفترض بعد التغيير، أن يصار إلى استيعاب النخبة العراقية المثقفة، تلك التي عانت وكافحت وأرست مفاهيم جديدة للحياة، عبر تماسها مع الثقافات الأخرى، الأجنبية والعربية، وعبر امتلاكها رؤية مختلفة تحمل في الأقل نظرة متحضِّرة، عصرية، ومتطلعة لمستقبل متنور وعلمي، ولكن الحكام الجدد حاربوا كل وافد يحمل نظرة ليبرالية وعلمانية ويسارية، وكل ذلك جرى عبر أدلائهم من بعض الشراذم الثقافية البعثية سابقاً، والمتدينة حالياً والمنضوية تحت راية أحزاب دينية، سوداوية، لا تؤمن بأي تقدم حضاري، وثقافي ونوراني، لا بل تحارب الوافد الجديد تحت شتى الذرائع والحجج، وتحارب السكان الأصليين ممن يتحدرون من أرومة عربية، حفاظاً على القسم الذي أبرموه مع أسيادهم في قُمْ، وها هو «الحشد الشعبي» يقتل باسمهم، فهو النسخة طبق الأصل عن «الجيش الشعبي» و»الحرس القومي» البعثي والنازي، وإن حاول مثقف أن يفتح طريقاً له بينهم وسعى إلى نشر ثقافته المختلفة والمنيرة، فأنه سيلاقي المصير ذاته، ذاك الذي لاقاه المفكر كامل شياع والناشط هادي المهدي وغيره ممن تحدوا نظام اللصوصية، نظام النهب والفساد ونظام الفقيه المتخصص في تدمير النسيج الاجتماعي العراقي وتحطيم بنية العراق بشكل عام.
سيعجز التاريخ والمنظرون هنا وهم يرون إلى ما خلفه هؤلاء من عبث مقصود وتنكيل مدروس، وباطل مسطور في دستور صنعه الغزاة، مفصلاً على مقاسهم، هؤلاء فاقوا كل ملة في الأرض من أجل أن يكون العراق مثلما أراده أسيادهم، نافلا، مخرباً، مُدَمَّراً، أن يكون الأخطر في العالم والأفسد في العالم والأكثر دموية، وما «داعش» إلا من صنع أيديهم، وأيدي أسيادهم.
«لقد نهبتْ مؤسسات الدولة كلها، ثم أحرقت غيلة وتشفياً، وفككت المصانع وبيعت إلى تجار أكراد من الشمال ودول الجوار، وذلك عبر العبقرية الجهنمية التي حوّلت مهد الحضارات إلى عمولة سائلة خفيفة الحمل، دولة في الجيب ليس إلا، وثمة آخرون ما زالوا ينتظرون الحصة، حصة النهب المنظم المدروس وليس النهب الانتقامي العاطفي والآني، فحلت ساعة الأشرار في أرض السواد، تلك الساعة السوداء، فيا ليتني لم آتِ أصلاً لأقف أمام قبر البلاد وشاهدتها، ويا ليتني فارقت الحياة قبل أن أرى القتلة والعملاء وأذناب قوى الاحتلال يعبثون بوطني وينهشون لحمه كالضباع».
لكن حسين الموزاني الذي سطر هذه الكلمات، وتمنى الموت على أن يرى العراق بهذه الشاكلة، وافته المنية قبل أيام، وحيداً وحزيناً وغريباً، في شقته البرلينية، والمقال هذا كان قد كُتب بالأصل قبل رحيله الذي فاجأ الجميع، عن عمر تعدى الخمسين عاماً بست من السنوات.
أن كتاب «أعوام الجمر والرماد « للراحل حسين الموزاني، الروائي والقاص والمترجم، يحتاج إلى أكثر من وقفة بحثية وتحليلية، تستبطن كل تفاصيله الدقيقة والمهمة، وهو من الكتب النادرة الذي يعد وثيقة تاريخية، من شاهد عيان جريح ومثقف حصيف صوَّب تجاه الحقيقة، ولم يراوغ، أو يداور شأن الكثير من الكتاب والشعراء الذين يدّعون الوطنية، والأنكى من يدّعون اليسار، بل قال ما يلامس القلب، بفعل ما جرى ورأى وشاهد عن كثب وقرب، وبدافع وطنيته الكليمة التي صارت في عرف الكثيرين شيئاً من الماضي.
حسين الموزاني:
«أعوام الجمر والرماد» 
دار الجمل، بيروت 2015
170 صفحة

 «أعوام الجمر والرماد» للراحل حسين الموزاني: تأملات نقدية حول المنفى والكتابة والثقافة

هاشم شفيق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left