ساحة البرلمان هايد بارك الرباط: ذاكرة المكان واستعراض القوة بين السلطة والمجتمع المدني

ليلى بارع

Jan 01, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: على بعد خطوات قليلة من محطة القطار الرباط – المدينة، تجد نفسك وسطها تماما، ساحة البرلمان أو ساحة البريد، الساحة التي أخذت شهرتها الكبيرة من الاعتصامات القوية التي خاضها على وجه الخصوص الدكاترة المعطلون في المغرب سنوات التسعينيات، والتي صاحبتها احتجاجات قوية وشعارات مطالبة بالحق في التشغيل والكرامة، لم تفلح حتى هراوات قوات التدخل السريع «السيمي» أو غيرها من القوات الأمنية في ردعها أو ثني المعتصمين والمحتجين على مغادرتها. حيث تحول هذا الفضاء العمومي إلى نقطة لاستعراض القوة بين مختلف الأطراف، فالرسائل التي تبعث من أمام قبة البرلمان من المفترض أنها الأقوى والأسرع.
الساحة التي شيدت كمكان للنزهة وكمتنفس وسط مدينة الرباط، تحولت إلى واحدة من أشهر الساحات الاحتجاجية في المغرب، تعكس هامش الحرية كما تعكس واقع المطالب، في الوقت نفسه. قربها من محطة القطار الرئيسية في المدينة، ورمزية المبنى البرلماني التي تتخذ فيه القرارات التي تهم الدولة المغربية، وتمركزها وسط مكان راق، وكونها مقصد النخبة المثقفة، وتاريخها النضالي الطويل، وذاكرة أماكنها المرتبطة بفترات مميزة من تاريخها المعاصر، جعل منها المكان المناسب للاحتجاجات منذ سنوات طويلة.
الساعة الثامنة صباحا، لا تقول ساحة البريد المحاذية للبرلمان شيئا لزوارها خلال هذا الصباح، المكان هادئ جدا، يصادفك، أمام محطة القطار، مرور فرقة من «الخيالة» التابعين للسلطات الأمنية على صهوات خيولهم نحو تدريب صباحي روتيني، في مشهد استعراضي، لا يأخذ سوى بعض الدقائق من اهتمام المسافرين والمارين، قبل أن يواصل الجميع السير نحو وجهته. إنها الرباط صباحا، عاصمة الإدارة المغربية والانضباط الوظيفي. يلتقط بعض السياح صورا أمام مبنى البرلمان المغربي بهندسته المتميزة، تجوب وحدات خاصة بفرقة «حذر» المكان ذهابا وإيابا، بشكل يشعر معه الزائر أنه في «أمان» أكبر. بائع الجرائد أمام فندق باليما، يعرض عناوينه على العابرين، بعضهم يقتني جريدة أو عنوانا وبعضهم يكتفي بقراءة العناوين الرئيسية قبل أي يمضي لشأنه، وفي ممرات الساحة وعلى عشب حديقتها، «يطير الحمام ويحط الحمام» في جنباتها بشكل دوري، مانحا للساحة بعدها السياحي الذي تتقاطع فيه مع كل ساحات العواصم العالمية. ومهما كان تصورك عن الساحة كمكان للاحتجاج، ففي صباح هادئ كهذا، لا يمكنك تخيل أن الساحة يمكنها أن تتحول في لحظة إلى ساحة غضب واحتجاجات طلابية أو نقابية أو حقوقية، لا يمكن تخيل أن خياما نصبت في المكان لشهور وشهور للاحتجاج على البطالة والمطالبة بالإدماج في الوظيفة العمومية المغربية، لا يمكن تخيل أن أي نوع من العنف قد مورس على محتجين من مختلف التوجهات والمدن، أو أن الهراوات قد مست الأجساد العزلاء الهاربة في كل الاتجاهات، ورغم ذلك فإن الأمر يتعلق بأهم ساحة احتجاج في المغرب، إنها ساحة البريد التي يطل عليها البرلمان المغربي بصمت وشموخ.

أقدم الميادين

يرى الإعلامي والحقوقي محمد العوني رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير «حاتم» أن فكرة الساحات الاحتجاجية تطورت مؤخرا وارتبطت بالميادين التي احتضنت فعاليات ربيع الديمقراطية في المنطقة العربية كميدان التحرير أو شارع بورقيبة. قبل أن يضيف « لكن ينبغي القول ان الساحة المقابلة للبرلمان هي أقدم من هذه الميادين لأنها كانت ساحة المناضلين والمناضلات، وهم من فرضوها كساحة للتعبير، خاصة المناضلين الديمقراطيين والتقدميين وبالأخص الحقوقيين منهم. ويمكن الحديث عن تاريخ التظاهر وفرض حريات التعبير عبر هذه الساحة التي تعود إلى سنوات عديدة تمتد إلى سنوات الرصاص».
ويعتبر العوني أن الساحات كمكان للاحتجاج «هو تقليد دولي، ففي قلب باريس أو لندن أو نيويورك وفي مختلف العواصم الدولية هناك فضاءات ارتبطت بحرية التعبير لدى لمواطنين والمواطنات، وهي أيضا كفكرة لها امتداد تاريخي يعود إلى الأغورا، التي تنوعت أشكال بروزها وأنواع التعبير داخلها، وطبعا في المنطقة العربية لها امتداد من خلال ما سمي بسوق عكاظ. بارتباط مع صيغتين هما التعبير الإبداعي والاحتجاجي أيضا».
وعن تراجع قوة الاحتجاجات في الساحة خلال السنوات الأخيرة يقول «مع خفوت تظاهرات 20 شباط/فبراير قل تأثير الساحة لكن هناك لحظات استعادت فيها توهجها وتأثيرها، مثلا في حزيران/ يونيو 2013 عند الدعوة لإسقاط العفو عن مغتصب الأطفال كالفان، وكانت هناك لحظات أخرى، مثل استشهاد محسن فكري، وهما نموذجان يبينان تأثير الساحة».
خفوت تزامن مع موقف الحكومة الجديدة في المغرب التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية، ذو التوجه الإسلامي، من ملف التشغيل، حيث رفعت شعار: «لا للتوظيف المباشر».
خفوت تعبر عنه بصدق تجربة الطالب (سي محمد.ب) من مدينة الدار البيضاء، الذي شارك ضمن مجموعة الاتحاد الوطني لتنسيقيات المجازين المعطلين، حيث ستُعرِفُه تجربته الاحتجاجية بهذه الساحة العمومية، على عدة حقائق عن عوالم النضال في الفضاءات المفتوحة، و التي يرى أنه ليس من السهل لغير المتمرسين بالعمل الاحتجاجي والحزبي الحصول من خلالها على نتائج ملموسة، وهي التجربة التي جعلته في النهاية ينسحب عن قناعة من ساحة الرباط، التي ناضل فيها طوال سنوات من دون نتيجة تذكر، ليبدأ مسارا آخر في حياته المهنية والشخصية… فإكراهات تواجده في مدينة أخرى هي الدار البيضاء، واكراهات السفر بالقطار يوميا بالنسبة إليه كموجز عاطل على العمل، والضغط النفسي اليومي وضرورة التواجد بالمكان ذاته وفي توقيت معين، أي في الساحة، خلال المظاهرات جعله يطرح السؤال عن فعالية التظاهر في ساحة البريد في الرباط عوضا عن التركيز على ساحات أخرى في مدينة الدار البيضاء لتحقيق مطالب نضالية ممــكــنــة التحقق… تجربة يتقاطع ويشترك فيها مع عدد كبير من الموجزين الذين خاضوا تجربة النضال في ساحة البرلمان في عاصمة المغرب دون جدوى.

ذاكرة المكان

الحديث عن ساحة البرلمان، لا يمكن أن يمر دون الحديث عن ذاكرة المكان، بأعين من عايشوا هذه التجربة عن كثب، تقول الدكتورة سعاد مسكين، من جامعة عبد المالك السعدي، في حديثها عن مدينة الرباط وذاكرتها المنشطرة: «للحديث عن ذاكرة المكان أستحضر عبارة ذكرها مارسيل بروست في عمله الروائي (البحث عن الزمن الضائع): ليس العالم ذاك الذي ينتظمُ ويتناسقُ حولنا بل هو في دواخلنا ـ إنه نحن-. في هذا السياق سأتحدث عن علاقتي بفضاء مدينة الرباط باعتباره ذاكرة أختصرها في تسمية المربع. وهو المكان الذي شكل حلقة وسطى بين مقهى باليما: المكان الذي كان يعج بالنخبة المثقفة من كتاب وسينمائيين وروائيين ونقابيين وصحافيين ورياضيين، وقبة البرلمان: المكان الذي مثل في الأعراف الدستورية لسان حال المجتمع. وبين المكانين يحضر صوت: «الشعب يريد». فكم شهد هذا «المربع» من احتجاجات المعطلين حاملي الشهادات العليا، وأرامل المعتقلين السياسيين، وأسر ضحايا الإرهاب، وجمعيات حقوقية تطالب بالمناصفة، أو تحتج ضد تشغيل الأطفال، أو ضد الاغتصاب، أو ضد التحرش، وغيرها من الاحتجاجات التي كانت تنتهي إما بوقفات سلمية عبر ترديد شعارات تحمل مطالب الفئة المحتجة، أو تنتهي بتدخلات أمنية، تكسر أحلام المحتجين، وتجهضها أسفل الأقدام، وتلوح بها الهراوات في كل صوب واتجاه».
مضيفة في شهادتها « قد نمر الآن عبر ساحة محمد الخامس، ونعجب بحديقتها الخضراء الغناء التي تتناغم وحمرة قبة البرلمان، لكن لن ننسى الوجه الآخر للساحة الذي شكل ذاكرة جماعية لفئات مغمورة ذنبها الوحيد أنها كانت تنادي بمطالب اجتماعية وثقافية من شأنها أن تخدم الوطن. وفي خضم ذلك الغبن، كان يحضر بين الفينة والأخرى صوت الشعب المبدع، إذ تتولد أثناء لحظات الاحتجاج إبداعات شعرية ومسرحية، كما تتولد شعارات جديدة تناسب الحدث الخاص بالوقفة الاحتجاجية، حينها نكون أمام صوت (شعب يريد) و(شعب يبدع) أمام قبة برلمان قد ينعدم فيها الحس الإبداعي، ويجمد فيها الفكر المتجدد».
الساعة الرابعة والنصف مساء، فجأة يتغير أمام العائد نحو محطة القطار المشهد الصباحي، شباب من مختلف مناطق المغرب بوزراتهم البيضاء وابتساماتهم يفترشون عشب الساحة وممراتها وجنباتها، حلقات صغيرة هنا وهناك، غير عابئين بقوات الأمن المتواجدة على طول المكان، في ما يشبه هدنة مؤقتة بين الأطراف، في إطار انفتاح أكبر في مجال الحريات في المغرب، لا يمكن إنكاره، الأهم، ورغم عدم تحقق المطالب بأكملها هو إسماع الصوت وعدم الدخول في نفق من الصمت…في انتظار آذان صاغية.

شارع محمد الخامس تاريخ ومعالم

كان يطلق عليه «شارع المخزن» لأنه يربط المدينة العتيقة بالقصر الملكي (أو دار المخزن). وقد صمم وأنجز خلال السنوات الأولى للاستعمار الفرنسي للمغرب (1912/ 1956). يبدأ شارع محمد الخامس من مسجد السنة، وينتهي في شارع لعلو. بعد مسار على بعد عدة كيلومترات عبر المدينة، ومن بينها خصوصا محطة القطار الرئيسية التي يعود تاريخ تشييدها إلى ثلاثينيات القرن العشرين.
في منتصف الجزء الأول من الشارع، توجد بمحاذاة الرصيف العديد من المحلات التجارية الراقية وفندق «باليما» الشهير الذي وضع تصميمه المهندس الفرنسي ليناريس وافتتح عام 1932.
ومقابل «باليما» يوجد برلمان المملكة المغربية، ذو الواجهة الحمراء، والذي كان مقرا لمحكمة قديمة خلال الحماية الفرنسية للمغرب.
وأمام الساحة الأمامية للبرلمان، تجري غالبا تظاهرات يعبر من خلالها مواطنون عن مطالبهم إزاء ممثلي الأمة. كما يحتضن الشارع المسيرات الكبرى، سواء العمالية في عيد العمال، أو المرتبطة بأحداث معينة، كالتضامن مع الشعب الفلسطيني والعراقي وغيرها. وعلى طول هذا الشارع، مر الموكب الجنائزي لجنازة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني عام 1999 والذي عُـدّ من ضمن أكبر مواكب التشييع في العالم. كما اشتهر الشارع بأشجار النخيل المصطفة في حديقته، وأيضا بالبناية الضخمة لبنك المغرب (البنك المركزي) وبناية البريد التي يرجع تصميها إلى المهندس لافورغ عام 1928.

ساحة البرلمان هايد بارك الرباط: ذاكرة المكان واستعراض القوة بين السلطة والمجتمع المدني

ليلى بارع

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left