تونس: رفض لقانون التوبة ودعوات إلى محاسبة الإرهابيين

روعة قاسم

Jan 01, 2017

تونس ـ «القدس العربي»: كثر الحديث في الآونة الأخيرة في تونس عن إمكانية عودة الإرهابيين من حاملي جنسية البلد الذين شاركوا في القتال في بلدان عربية ومارسوا فيها شتى أنواع الجرائم.
وتزامنت هذه الأحاديث مع التطورات الجديدة الحاصلة في المنطقة في كل من الملف العراقي والسوري والليبي.
وتسببت التصريحات التي أطلقها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي من باريس والتي قال فيها أن السجون التونسية لا تتسع للعائدين من بؤر التوتر، في حالة من الهلع، خاصة وأن تجربة الجزائريين الأفغان الذين عادوا من كابول ودمروا بلد المليون شهيد خلال عقد التسعينيات ما زالت ماثلة في الأذهان. كما لمح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في وقت سابق إلى إمكانية توبة العائدين من بؤر التوتر وهو ما لم يعجب الكثير من القوى الفاعلة في تونس.
بيان شديد اللهجة

ومن بين المعارضين لسن قانون لتوبة الإرهابيين، الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أصدر بيانا شديد اللهجة معتبرا أن عملية تسفير الشباب التونسيين إلى بؤر التوتّر في ليبيا وسوريا والعراق وغيرها هي جريمة من أكبر الجرائم الجماعية التي مورست في هذا العقد في تونس. فلا يكفي حسب المركزية النقابية التونسية، أنّ هذه العملية رمت بآلاف الشباب التونسي إلى المحارق والحروب الدموية وإلى جرائم القتل البشعة حتّى حوّلت أغلب هؤلاء المسفّرين إلى أخطر مجرمي الحرب وأدّت بعدد آخر منهم إلى الموت، فإنّها أيضا كانت جريمة دولية في حقّ شعوب عربية كثيرة، تواطأت فيها جهات مختلفة، وبسببها تورّطت شبكات المتاجرة بالبشر وعصابات السلاح وتجنيد المرتزقة والدول المتآمرة من أجل مصالحها الخاصّة.
كما اعتبر الاتحاد أن تسفير الشباب التونسي خلقت حالة من التوحّش وانعدام الإنسانية بلغها غالبية هؤلاء المسفّرين لا يمكن أن تمتّ بصلة لشخصية التونسي ولا لحضارته وثقافته، وذلك تحت جبّة «الجهاد» و «الديمقراطية» التي روّج لها الغرب وشبكات التغرير. ولا شكّ في رأيه أنّ تونس، وفق العديد من المؤشّرات، يراد لها أن تكون قبلة المتبقّين من الـ»دواعش» بمن فيهم الأجانب، وهي هجرة عكسية، تصرّ بعض الأطراف ممّن صمتوا على التسفير أو شجّعوه عبر منابر التكفير والخيم الدّعوية، أن يحوّلوا تونس ملجأ للإرهابيين بعد أن تدرّبوا على السلاح ومارسوا أبشع أنواع القتل والتنكيل المشهدي بالجثث مثلما فعلوا ذلك مع جنود تونس، مستغلّين دعاوى «التوبة» وما يسمّى بـ»حقّ التونسيين في العودة إلى بلادهم» لتمرير التطبيع مع هؤلاء الإرهابيين.
واعتبر الاتحاد أيضا أن التجارب في الجزائر أثبتت أنّ «التوبة» كانت وهما بالنسبة لغالبية من مارسوا التقتيل والخروج على القانون، وكذا الأمر في تونس بالنسبة لعدد كبير من الإرهابيين الذين استفادوا من تسامح التونسيين ونالوا العفو التشريعي العام وحازوا المنافع والتعويضات على حساب المجموعة الوطنية، ولكنّهم عادوا إلى غيّهم ومناهضتهم للمجتمع وقيمه. لذا فإنّ قانون الإرهاب، حسب الاتحاد هو الإطار الوحيد الأمثل لمعالجة ظاهرة المسفّرين بعيدا عن كلّ أنواع التبرير الإيديولوجي والمقايضات السياسية، إذ على أساس هذا القانون يمكن الحديث عن «التوبة» على قاعدة المكاشفة فالمحاسبة فالعقاب فالمتابعة، وعلى أساس هذا القانون يتمّ الكشف عن شبكات التسفير وتفكيكها ومحاسبة الضّالعين فيها ممّن استغلّوا الظروف الاجتماعية والنفسية والعقائدية للشباب التونسي وغرّروا به وتاجروا بمشاعرهم مدعومين من دول ومراكز نفوذ عالمية.

رفض شعبي

وتؤكد ضحى طليق الإعلامية في «وكالة تونس افريقيا» للأنباء، وكالة الأنباء الرسمية، في حديثها لـ «القدس العربي» على أن ترحيب الرئيس الباجي قائد السبسي بعودة التونسيين جوبه برفض شعبي واسع لهذه العودة. علما أنها، وحسب طليق، ليست المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن عودة المقاتلين التونسيين، فقد سبق أن طرح الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي سنة 2014 ما سمّاه بـ»قانون التوبة» أو «الرحمة»، كما صرح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في وقت سابق بأن «باب التوبة « مفتوح أمام هؤلاء.
وحسب محدثتنا فإن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي برر قبوله بعودتهم باعتبار أن الدستور التونسي الجديد يمنع التغريب ويمنح لكل تونسي حق العودة إلى وطنه. وتضيف الإعلامية التونسية أن الرئيس أكد أيضا أنه سيتم التعامل معهم وفق القانون رغم أن طاقة السجون التونسية غير قادرة على استيعابهم جميعا.
وحسب طليق فإن القانون التونسي يعتبر أنه «يعدّ مرتكبًا لجريمة إرهابية ويعاقب بالسجن كلّ من يتعمّد ارتكاب أحد الأفعال التالية، استعمال تراب الجمهورية أو تراب دولة أجنبية لانتداب أو تدريب شخص، بقصد ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية داخل تراب الجمهورية أو خارجه، والسّفر خارج تراب الجمهورية بغاية ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية». ورغم وضوح القانون في هذا الشأن، حسب محدثتنا، فإن مخاوف التونسيين ازدادت من أمكانية عودة هؤلاء المقاتلين الذين يرى البعض أنهم قد نزعوا على أنفسهم صفة الانتماء للوطن وللإنسانية منذ اللحظة التي انخرطوا فيها في مختلف الجرائم التي استهدفت الأوطان وقطعت أوصالها.
وتتساءل عن معنى التوبة وتعتبر التساؤل مشروعا، وتعتبره أيضا مفهوما دينيا وعقائديا، وأن التوبة لا تكون إلا بين العبد وخالقه، بينما هؤلاء أجرموا في حق شعوب ودول وحضارات وتاريخ وثقافات، أي في حق الإنسانية جمعاء، فعقابهم، حسب ضحى طليق، سيكون انتصارا للإنسانية جمعاء، ووفق القانون الدولي الإنساني القائم ، وجرائمهم لا تختلف عن جرائم الحرب والتي حيكت ضد الإنسانية، وهناك أمثلة لا تحصى ولا تعد، من محاكمات نورنبرغ بعد الحرب العالمية الثانية إلى المحاكم الجنائية الدولية بخصوص راواندا ويوغسلافيا السابقة وغيرها.

غياب الثقة

ويخشى التونسيون، حسب الإعلامية، من عجز القضاء عن إثبات تورط هؤلاء في الأعمال الإرهابية ومن ثم تبرئتهم كما سبق أن تمت تبرئة غيرهم من «الأفغان العرب» الذي عادوا لينفذوا مجددا أشرس الأعمال الإرهابية في حق المواطنين. وتعود أسباب عدم إثبات الجرم كون غالبيتهم تحولوا إلى بؤر التوتر بجوازات سفر مزورة، كما لا توجد لدى الدول التي تم الاعتداء عليها بنوك معلومات دقيقة حول هؤلاء المتورطين وهوياتهم الحقيقة وبالتالي لا يوجد تبادل قضائي في هذا المجال بين الدول المتضررة وتونس إلا في ما ندر. وتضيف قائلة: ان عددا هاما من التونسيين على يقين بأن غالبية العائدين، حتى لا نقول جلهم، سيجدون طريقهم إلى الحرية، ليشكلوا خلايا نائمة ستتحرك حين يطلب منها ذلك، كما يعتقدون أن الإصرار على عودة هؤلاء المقاتلين وفي هذا الظرف بالذات ما هو إلا تنفيذ للمخطط الأمريكي الرامي إلى إشعال المنطقة، حيث باتت الجزائر هي الهدف المقبل لهذه العصابات بعد ما أتمت مهمتها أو توشك على إتمامها في مناطق أخرى، أما بالنسبة لليبيا فهناك أيضا مساع أوروبية للوقوف إلى جانب خليفة حفتر للقضاء على تنظيم «الدولة» هناك.
وتختم طليق قائلة: أمام هذه المعطيات المطلوب اليوم على المستوى الداخلي هو وقفة حازمة من كل منظمات المجتمع المدني حتى يقع تسليط أقصى العقوبات على من سمحت له الظروف بالعودة باعتبار أن سفره إلى بؤر التوتر كان منذ البداية بسابقية الإضمار للقيام بتلك الجرائم والاعتداء على سيادة دولة أخرى والتنكيل بشعبها. أما بالنسبة للسلطات في الدول المتضررة، فعليها ألا تتخلص من هؤلاء المجرمين ورميهم إلى دولهم، فهم يمثلون مصدرا ثريا وزاخرا من المعلومات التي ستشكل قاعدة صلبة لتقديم قضايا للجنائية الدولية في كل من تآمر على هذه البلدان وعلى غيرها.

متعطشون إلى الدماء

ويعتبر باديس الكوباكجي القانوني والناشط السياسي التونسي في حديثه لـ «القدس العربي» أن التكفيريين التونسيين العائدين من بؤر التوتر هم أخطر على البلد مما نتصور. فهم متعطشون إلى إراقة الدماء، وقد سبق للتونسيين بعد الثورة أن منحوهم عفوا تشريعيا وفرصة ليندمجوا ويلتحموا مع شعبهم مجددا، لكنهم فوتوا هذه الفرصة وغدروا بالمواطنين وانخرطوا في حرب استنزاف اعتبروا فيها أبناءنا من المؤسستين الأمنية والعسكرية طاغوتا وأباحوا سفك دمائهم. فعن أي توبة نتحدث؟
ويضيف الناشط السياسي أن مبدأ شخصية النص الجنائي وهو من مبادئ القانون الجنائي، يقتضي أن تعاقب الدولة حملة جنسيتها الذين ارتكبوا جرائم في دولة أخرى. وبالتالي فإن التعامل الطبيعي مع التونسيين الذين قاتلوا في بؤر للتوتر في العالم بدعوى الجهاد هو المحاكمة العادلة والعقاب إذا ثبت ارتكاب الجرم خاصة وأن أغلبهم تورطوا في جرائم يندى لها الجبين، قطعوا الرؤوس ومثلوا بالجثث وسبوا النساء وشتتوا عائلات بأكملها.
ويؤكد الكوباكجي على ضرورة أن تكون العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر في التسعينيات ماثلة في الأذهان عند التفكير في التعامل مع القادمين من بؤر التوتر في العالم. فالكل يعلم ماذا فعل الأفغان الجزائريون الذين قاتلوا السوفييت في ثمانينيات القرن العشرين عندما عادوا إلى بلادهم حيث تسببوا في حمام دم للجار الغربي وما زالت مخلفات ما ارتكبوه من فظاعات لم يتخلص منها الجزائريون إلى اليوم.
ويختم قائلا: التاريخ وجب أن يكون عبرة للسياسيين وليس مجرد أحداث وروايات عابرة يتم الإطلاع عليها على سبيل العلم فحسب. والتاريخ الحديث والتجارب المريرة للشعوب الأخرى وخاصة جيران تونس تؤكد استحالة الثقة في هذه الجماعات الإرهابية التي جبلت على سفك الدماء وعدم احترام الحق في الحياة تحركها أجهزة مخابرات دولية جعلتها تخرب البلدان الإسلامية دون أن توجه بنادقها إلى الكيان الصهيوني الذي ينعم بالرخاء.
وأؤكد على أن المجتمع المدني التونسي، وبخلاف بعض السياسيين، يرفض في عمومه الصفح عن هؤلاء الإرهابيين ويرفض دمجهم في المجتمع باعتبار أنه لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين. لقد اختاروا أن يقاتلوا تحت راية غير راية تونس، وهم لا يعترفون بتونس أصلا ويعتبرونها غلطة وربما بلدا كافرا، يستهدفون جنوده وأمنييه ومواطنيه وحتى رعاة أغنامه البسطاء في أعالي الجبال وضيوفه الأجانب، ناهيك عن اقتصاده المنهك خدمة لأطراف مغاربية وعربية وغربية. لذلك لا يمكن التعايش مع من لا يحترم حق الإنسان في الحياة ومن يسعى إلى خراب بلاده ويتورط في سفك دماء أبرياء من الشعوب الأخرى.

تونس: رفض لقانون التوبة ودعوات إلى محاسبة الإرهابيين

روعة قاسم

- -

7 تعليقات

  1. لنا تجربة عفو تشريعى عام اثبتت فشلها التام …فبعد اطلاق صراح القتلة و تعويضهم ماديا و معنوياً من قوت الفقراء و المساكين …شكروا التونسييين بتشكيل الجماعات الإرهابية لقتلهم و قتل ابناءهم من الجنود و الأمنيين و بعدها ذبحهم للمدنيين على سفوح الجبال …هؤﻻء هم نفسهم الذين يريدون العودة الى تونس و من طالب بالعفو عنهم فى 2011 هو نفسه من يطالب اليوم بقانون” توبة” و بقبول اللحم النتن …
    الم يكفر هؤﻻء التونسيين الم يتخلوا عن وطنهم و اعلونوا وﻻءهم الى قوة ارهابية معادية تقتل التونسيين و الاجانب ….لماذا تريدون العودة إلى دولة الكفر و العلمانية و تتركون دولة الإسلام التى بايعتم خليفتها على الوﻻء و البراء و الموت من اجلها …؟؟؟يعنى خنتم تونس و خرجتم منها و اليوم تخونون خليفتكم و تهربون من المعركة ؟؟؟ و من خان مرتين …..يستطيع الخيانة مرة اخرى ….نحن لن نرضى و فى اقل الحاﻻت اﻻ بالسجن و الى الابد و فى قلب الصحراء …و على امننا و جيشنا العمل على عدم تركهم يعبرون الحدود واقفبن ….تحيا تونس تحيا الجمهورية و ﻻ عاش فى تونس من خانها

  2. - شبان تونسيون ملوّا من الإحباط ، وتوجهوا إلى صفوف داعش .
    - فهل يجب نسيان محاكمة الدولة التونسية التي اهملت حقوق ؤولائك الشبان قبل ان يتخذوا قرار الإلتحاق ؟ .
    - غريب لدى بعض التوانسة ان يكونوا أكثر فعالية في المطالبة بمحاكمة ” الشبان الإرهابيين ” ، عوض محاكمة من أرهب تونس خلال ثلاثة عقود كرئيس لتونس .
    - ويحدث ان بعض من ؤولائك الشبان قد شاركوا في ثورة الربيع التونسية ، وكأن المحتجون من ” المجتمع المدني ” التونسي ، ينتقمون منهم …

    • @moussalim: لاثراء النقاش الرجاء الكشف عن جنسيتك …انا فخور بتونسيتى و بتونس الغالية … لذالك ارفض اطائنا الدروس و خاصة للدولة التونسية….تحيا تونس تحيا الجمهورية

    • عن ماذا تتحدث ياموساليم ؟ هؤلاء نخبة القتل والذبح وأنت تصفهم بالشبان المهملة حقوقهم. هل كل من أهملت حقوقه يتحول إلى مجرم سفاك مغتصب يتلذد وهو يذبح اأخاه لإنسان أويحرقه حقيا ؟

  3. بداية ستقبل تونس غصبا عنها كل ارهابي تونسي يقع ارجاعه قصرا.. ثانيا سيتلقفه القضاء بتهمة الالتحاق ببؤر القتال و المشاركة حسب القانون الجزائي.. ثالثاهؤلاء يمثلون بنك معلومات سيستفيد منه الأمن التونسي.. رابعا ستكتشف الحقيقة المرة التي أرغمت هؤلاء على مغادرة بلدهم خلسة.. أخيرا سيعالج الموضوع حتما بالسجن أو السجن والاصلاح عملا بمهمة *ادارة السجون و الاصلاح*..

    • @حسن بن منصور : من ايجاد الاعذار الى التبيض الى التوبة الى اللحم النتن … والان نتحدث عن السجون اﻻحظ ان هناك تطور فى الخطاب …انا معك سيد حسن فى كشف و محاسبة من سهل لهم الخروج و من وفر لهم الفتاوى و الخطب و خاصة خطبة جامع الفتح من طرف وزير الشؤون الدينية السيد الخادمى و…و… و انترنت تعج بالدﻻئل و التصاريح ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

  4. هؤلاء مجرمون لم تعرف الإنسانية مثيلا لهم سوى في النازية والفاشية وربما كان هؤلاءأرحم منهم . الجنسية والعودة لا تعطى لمن يخرب الوطن ويقتل الأبرياء. هذه ضغوط غربية بدون شك , لكن لايجب القبول بالإنتحار الجماعي لإرضاء كائن من كان.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left