الصحافيون هم أكبر الضحايا… ليبيا: الجماعات المسلحة تقتل وتُفلت من العقاب

رشيد خشانة

Jan 01, 2017

تدحرجت ليبيا من الرتبة 154 في التقرير السنوي للحريات الصحافية السنة الماضية، إلى الرتبة 164 عام 2016 على لائحة تضم 178 بلدا. وليس تدهور حرية الصحافة سوى ملمح بارز من ملامح المشهد الحزين للانتهاكات في ليبيا، فمن يُلقي نظرة على خريطة بلدان العالم المُصنفة حسب درجة احترام الحريات سيُفاجأ بأن ليبيا واحدة من تسعة بلدان يُغطيها اللون الأسود، بوصفها الأشد انتهاكا للحريات، إلى جانب الصين وتركمانستان وسوريا واليمن وإيران والسودان والسعودية والصومال.
وشكلت سيطرة الميليشيات على غالبية المدن والمناطق في ليبيا، بما فيها العاصمة طرابلس، غطاء مناسبا لارتكاب أشنع الانتهاكات لحقوق الإنسان، وإخفاء الجريمة بتوزيع دماء الضحايا بين الجماعات المسلحة المختلفة. واستهدفت الانتهاكات في الدرجة الأولى فئات هشة، ولاسيما الفاقدة لوسائل الدفاع عنها، مثل المهاجرين غير النظاميين والنساء، وكذلك الإعلاميين. وما زاد الأمور تعقيدا أن المدافعين عن حقوق الإنسان أنفسهم باتوا عُرضة للتهديد بل وللتصفية الجسدية، أسوة بالمحامية والناشطة الحقوقية البارزة سلوى بوقعيقيس وزميلتيها فريحة البركاوي وانتصار الحصائري، إلى جانب أخريات. واعتبر مُحللون أن اغتيال الشخصيات النسائية الثلاث شكل رسالة أوسع نطاقا مفادها أن «المرأة لا ينبغي أن تكون ناشطة في المجال العام».
وفي ظل تصاعد التهديدات أصدر المفوض السامي لحقوق الإنسان بيانا عبر فيه عن قلقه البالغ إزاء التقارير التي أفادت بتوجيه تهديدات إلى أعضاء «المجلس الوطني للحريات المدنية وحقوق الإنسان» في ليبيا (مؤسسة شبه رسمية). وسرعان ما غادر المُهددون ليبيا إلى الخارج ضمانا لسلامتهم من الاغتيال، خاصة بعدما اقتحمت عناصر يُعتقد أنها تابعة لعملية «فجر ليبيا» الأصولية المتشددة، مكاتب المجلس في العاصمة طرابلس وطلبت تسليمها المفاتيح والطوابع الرسمية وحققت مع كبار الموظفين في المجلس. وبالرغم من مطالبة المفوض السامي لحقوق الإنسان السلطات الليبية بتقديم من تثبت مسؤوليتهم عن انتهاكات لحقوق الإنسان إلى المساءلة القانونية، فإن تلك الدعوة بقيت حبرا على ورق.

معسكرات مزدحمة

لعل أحد الانتهاكات البارزة لحقوق الإنسان التي تتكررُ في مناطق مختلفة من ليبيا يتمثل بتجميع المهاجرين غير النظاميين في معسكرات تنعدم فيها شروط الحياة الكريمة. ويصل تدهور الأوضاع في تلك المعسكرات المزدحمة بالمهاجرين الأفارقة، إلى حد موت العديد منهم بسبب نقص العناية الصحية وسوء التغذية وظروف الإقامة المُضنية. وكان منسق الشؤون الإنسانية في ليبيا علي الزعتري طالب السلطات في نيسان/أبريل الماضي بإجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة في ظروف وفاة مهاجرين أفارقة في مركز احتجاز في مدينة الزاوية (غرب).
واعتبر الزعتري أن المشكلة الأساسية هي «وجود مراكز احتجاز مزدحمة دوما بالنزلاء المهاجرين العابرين الذين يُلقى القبض عليهم لأنهم من دون أوراق ثبوتية». وقال إن تلك المراكز المزدحمة «لا توفر الخدمات الضرورية، والمعاملة فيها متفاوتة، وفي بعض الأحيان يشتكي النزلاء من المعاملة السيئة». وربما تكون أكبر معضلة يُواجهها هؤلاء النزلاء أنهم لا يعرفون متى سيُغادرون تلك المراكز. لذا طالبت منظمات وهيئات حقوقية كثيرة بإقفال تلك المعسكرات، وتطبيق الإجراءات القانونية على المُحتجزين فيها، بما فيها احتمال إخراجهم من ليبيا. وعبرت الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة عن استعدادهما للتعاون مع المجلس الرئاسي والحكومة الليبية من أجل أن تتم مثل تلك العمليات في ظروف تضمن الكرامة والحقوق الإنسانية لنزلاء المعسكرات.
غير أن العقبة الكبيرة التي تعرقل هذا المسار هي أن بعض تلك المراكز ليس تحت سيطرة السلطات الشرعية المعترف بها دوليا، وإنما هي بأيدي ميليشيات متمردة على الدولة نفسها. وفي هذا السياق أكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في شباط/فبراير الماضي أن «كثيرا من الجهات الفاعلة (في ليبيا) إن كانت حكومية أم غير حكومية متهمة بارتكاب انتهاكات وتجاوزات خطيرة للغاية، ترقى في كثير من الحالات إلى مستوى جرائم حرب». وتشمل تلك الانتهاكات الموثقة عمليات قتل غير قانونية، إذ تم الإبلاغ عن حالات في مختلف مناطق النزاعات حيث تقوم الجماعات المسلحة بإعدام أشخاص بعدما تعتقلهم أو تختطفهم لأنها تعتبرهم أعداء لها. وتُدير بعض تلك الميليشيات مراكز اعتقال في معزل عن سلطة الدولة. وبناء على ذلك أوصى مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان باتخاذ تدابير عاجلة لمكافحة الافلات من العقاب وتعزيز إصلاح القضاء.
وأظهر تقرير الأمم المتحدة أن من بين الانتهاكات المُسجلة والمستمرة منذ 2014 الهجمات على مناطق مكتظة بالسكان مثل بنغازي وطرابلس وورشفانة والجنوب الليبي، إضافة إلى انتشار التعذيب والمعاملات السيئة ولاسيما استخدام الأنابيب البلاستيكية والكابلات الكهربائية والتعليق لفترات طويلة في أوضاع مؤلمة والحبس الانفرادي والصعق بالكهرباء والحرمان من الطعام والماء. ونتج عن التعذيب وفاة معتقلين في مراكز الاحتجاز وأيضا في مخافر الشرطة والاستخبارات العسكرية.
ويعاني المحتجزون في مراكز الاعتقال (وبعضها سريٌ مثلما أسلفنا) من الإهمال الرسمي، فغالبيتهم لم يتم النظر في قضاياهم حتى اليوم، وهؤلاء يُعدون بالآلاف طبقا للتقرير الأممي، الذي أفاد أيضا بأن الأمم المتحدة استطاعت توثيق حالات تجنيد قسري للأطفال واستخدامهم في أعمال عدائية، خاصة من الجماعات الموالية لـ»تنظيم الدولة الإسلامية» إضافة إلى أن بعضهم تعرض للإعتداء الجنسي بمن فيهم فتيات لا يتجاوز سنهن الحادية عشرة، على أيدي عناصر الميليشيات. وأكد التقرير ان توثيق حالات الاعتداء الجنسي «كان صعبا بسبب خوف الضحايا من الانتقام ووصمة العار وضغط الأسرة». أما ما يُعطل مقاضاة المسؤولين عن تلك الانتهاكات فهو شلل الجهاز القضائي، الذي ما زال عاجزا عن إجراء تحقيقات فورية ومستقلة ومطابقة للمعايير الدولية.

الصحافيون أكبر الضحايا

ويمكن القول إن الإعلاميين هم أكبر ضحايا الصراع الذي اندلع في 2014 بين جماعة «فجر ليبيا» وجماعة «عملية الكرامة» وهو الصراع الذي عطل مسار الانتقال الديمقراطي في البلد حتى اليوم، بفعل الاستقطاب الشديد بين معسكرين مدعومين من محاور دولية وإقليمية. وأبصرت الساحة الإعلامية الليبية منذ اندلاع ذلك الصراع موجات هجرة للصحافيين إلى الخارج، وخاصة إلى دول الجوار، بعدما دفعوا ثمنا باهظا لمزاولة مهنتهم والمحافظة على نزاهتهم وصدقيتهم. ودفع تدهور الحريات الصحافية منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى إطلاق حملة تحت شعار «هل انقطعت أخبار ليبيا؟» لكن وتيرة الانتهاكات زادت بسبب اتساع الحريق الذي التهم المكاسب القليلة التي تحققت على صعيد الحريات.
لم يقتصر الأمر على فقد الأمان والسلامة الجسدية أثناء أداء العمل الصحافي، وإنما بات الإعلاميون هدفا سهلا لعمليات القتل والخطف، فضلا عن التهديد والاعتقال والضرب. ويتصدر اسم الإعلامي والحقوقي المعروف عبد السلام المسماري لائحة شهداء الإعلام في ليبيا بعد الثورة، إذ قُتل بالرصاص لدى مغادرته المسجد بعد صلاة الجمعة. وعلى الرغم من تعهد الحكومة بملاحقة الجناة والكشف عن هويتهم، لم يُعلن رسميا حتى اليوم عن قتلة المسماري. كما قُتل أيضا جمعة الأسطى مالك قناة «العاصمة» التي كانت تعتبر الأكثر مشاهدة، ومدير قطاع الأخبار فيها محمد الهوني. واختُطف في العام الماضي الصحافي والمُدون التونسي سفيان الشورابي والمُصور نذير القطاري، ولم يُعرف شيءٌ عن مصيرهما إلى اليوم رغم المطالبات الملحة من أسرتهما وزملائهما.

قصف المحطات
التلفزيونية بالصواريخ

ومن ضمن الاعتداءات التي تعرضت لها وسائل الإعلام إطلاق صاروخين على مقر قناة «ليبيا الدولية» بعد استضافة الزعيم السابق لـ»مجلس ثوار ليبيا» عبد الله ناكر، وهو أحد قادة الميليشيات في منطقة الزنتان (غرب)، في حوار مباشر للتعليق على تداعيات «عملية الكرامة» التي أطلقها الماريشال خليفة حفتر ضد الميليشيات. وتعرض أيضا مقر القناة الخاصة «العاصمة» للتفجير بعبوة ناسفة وللقصف بواسطة الآر بي جي مرتين في أقل من أسبوع مما أدى إلى إتلاف جزء من المعدات والاستديوهات.
وطبقا لتقارير «مراسلون بلا حدود» عُثر على المُدونين محمد بتُو ومحمد المسماري وسراج غطاس مذبوحين في مدينة «درنة» (شرق) التي كانت تخضع لسيطرة جماعات متشددة. كما اختُطف في العاصمة طرابلس محمد حواس الصحافي السابق في قناة «ليبيا لكل الأحرار» ولم يُخل سبيله إلا من خلال عملية تبادل للأسرى، فيما تعرض المُصور سالم الحصادي لمحاولة اغتيال في درنة اضطر على إثرها للهجرة إلى خارج بلده. واضطرت سيرين العماري مراسلة قناة «فرانس24» في طرابلس إلى الفرار من البلد بعد سلسلة استجوابات من السلطات في شأن تقاريرها الصحافية وتعرضها لتهديدات متكررة. وعرف رسام الكاريكاتير نزار سيالة المصير نفسه في أعقاب تلقيه تهديدات بعدما نشر رسما ألقى فيه الضوء على الأضرار الجسيمة التي لحقت بالتراث الثقافي الليبي في طرابلس بفعل المعارك بين المتصارعين. كما اضطر المراسل السابق لقناة «الجزيرة» نعيم العشيبي إلى مغادرة مدينة بنغازي بعد تدمير منزله.

مُعاودة بناء الجيش
والقضاء والشرطة

قُصارى القول إن انتهاك الحريات في ليبيا بعد انتفاضة 17 شباط/فبراير 2011 أخذ أبعادا غير مسبوقة وأحجاما شملت جميع الفئات والمناطق تقريبا، فضحايا الاغتيالات كانوا من القضاة والإعلاميين والضباط العسكريين والأمنيين والنشطاء والأكاديميين والنساء والرجال والشباب والشيوخ. وإزاء ضخامة التحديات التي يُجابهها المجتمع الليبي بفعل انتشار التعديات على الحقوق وإفلات مرتكبيها من العقاب، تبدو الخطوة الأولى على طريق وضع حد لهذا الكابوس اليومي مُتمثلة بنزع سلاح الميليشيات وإخراجها من المدن، تمهيدا لتسريح عناصرها بُغية إدماج بعضهم في الجامعات التي كانوا يدرسون فيها، أو في المؤسستين العسكرية والأمنية لمن لم يرتكب جرائم أو انتهاكات لحقوق الإنسان. أما الخطوة الموازية فهي معاودة تشكيل الجيش الليبي، الذي سبق أن حله معمر القذافي، وإعادة بناء المؤسسة الأمنية لكي يستوعبا الشباب الذي انضوى تحت رايات الميليشيات بدافع الإغراءات المالية.
وفي هذا السياق أوصى التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في شباط/فبراير الماضي بإصلاح الشرطة القضائية
وإنشاء برنامج قوي لحماية الضحايا والشهود، إضافة لإنشاء هيكل قضائي متخصص داخل المحاكم الليبية للتركيز على الجرائم التي نص عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان.

٭ مدير المركز المغاربي للأبحاث حول ليبيا

الصحافيون هم أكبر الضحايا… ليبيا: الجماعات المسلحة تقتل وتُفلت من العقاب

رشيد خشانة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left