إسرائيل وأمريكا: حتى في أحضان «الحبايب»!

صبحي حديدي

Jan 01, 2017

ليس أمراً مستغرباً أن تثير إسرائيل كلّ هذا الضجيج والعجيج لأنّ الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت على مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي، لا ينتهي في واقع الأمر إلا إلى التشديد على ما انتهى إليه «المجتمع الدولي» بخصوص شرعية الاستيطان في المناطق المحتلة. ذلك لأنّ إسرائيل تعودت من أمريكا على استخدام حقّ النقض، دائماً وأبداً، لتعطيل أيّ مشروع يمكن أن يرمي إسرائيل بوردة، فكيف بقرار تفوح منه رائحة الإدانة؛ خاصة وأنّ الأصل في هذه العادة هو الدلال الفائق الذي حظيت به إسرائيل من أمريكا في مؤسسات الأمم المتحدة جمعاء، وبلا استثناء.
هو تطوّر فارق، بل فادح من وجهة نظر إسرائيل، أن يختتم الرئيس الأمريكي باراك أوباما ولايته الثانية بهذا الامتناع عن التصويت؛ هو الذي صرف سبع سنوات ونيف يضرب صفحاً عن تعقيدات ما يُسمّى «السلام» بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية (وليس بين إسرائيل والفلسطينيين، عملياً، إذا توخى المرء الدقة)؛ كما تفادى أي مسّ بإسرائيل عندما واصلت، في عهدَيه، شنّ حروبها الهمجية ضدّ قطاع غزّة. وعلى هذا المنوال، في وسع إسرائيل أن تقتبس أمثلة كثيرة على سلوك أمريكي في مجلس الأمن الدولي، ينافي، ويناقض، ما فعلته المندوبة الأمريكية مؤخراً، بصدد قرار الاستيطان.
على سبيل المثال، في أواخر 2009 صوتت الولايات المتحدة ضدّ تقرير القاضي ريشارد غولدستون، حول انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في غزّة؛ على نحو ذكّر إسرائيل، ثمّ العالم بأسره، أنّ أي عهد رئاسي أمريكي لن يختلف عن سواه في ما يخصّ حبال الرحم الأمريكية ـ الإسرائيلية تلك. كذلك زوّدتنا سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي يومذاك؛ ببرهان جديد على أنّ ما سعى أوباما إلى بنائه في تركيا ومصر، أخذ يتداعى ويتهدّم حتى قبل أن ترتفع أعمدته، وليس بأي معول آخر سوى ذاك الذي يحمله البنّاء نفسه!
وبالطبع، الأرجح أنّ ساذجاً واحداً على هذه البسيطة لم ينتظر من مندوب الولايات المتحدة إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان الامتناع عن التصويت؛ أو حتى الفرار منه، كما فعل فرسان بريطانيا (أحفاد الـ Magna Carta أو «الميثاق الأعظم» لضمان الحقوق الأساسية)، وفرنسا (بلد «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، ومهد فلسفة الأنوار). بيد أنّ البيت الأبيض كان قادراً على «إدارة» الملفّ على نحو يُبلغ رسالة من نوع ما إلى حكومة بنيامين نتنياهو، لطيفة مهذبة ودّية صداقية؛ لإنقاذ ماء وجه الإدارة إزاء الامتناع الإسرائيلي عن تجميد المستوطنات، والإقبال على تجميد أشغال المبعوث الأمريكي جورج ميتشل.
حتى في أحضان «الحبايب»، تشعر إسرائيل أنها ليست مدللة بما يكفي! كان الخطاب الأمريكي الرسمي يقتفي مفردات الخطاب الإسرائيلي الرسمي، وغير الرسمي، في تأثيم القاضي غولدستون؛ وكأنه ليس المشرّع الدولي المعروف الذي يحظى باحترام بالغ في أوساط حقوق الإنسان العالمية، والعضو المستقلّ النزيه في لجنة بول فولكر للتحقيق في برنامج «النفط من أجل الغذاء»، والقاضي المخضرم في محكمة الجنايات الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة. أو كأنه، وهنا المغزى الخاصّ، ليس الشخصية اليهودية البارزة، رئيس جمعية «أصدقاء الجامعة العبرية»، والرئيس الفخري لجمعية الـORT، التي يعود تأسيسها إلى سنة 1880، في قطاع أنظمة التعليم اليهودية!
ومع ذلك لم تكن إسرائيل راضية، وأرادت المزيد، بل هي تسعى دائماً إلى اللامحدود من أمريكا. ولعلّ الغضب الإسرائيلي الراهن لا ينبثق من التناقض الذي خلّفه امتناع واشنطن عن التصويت، فحسب؛ بل من نزوع أوباما إلى دخول التاريخ من هذه الكوّة الضيّقة، الوحيدة الفريدة، على حساب الكيان المدلل!

إسرائيل وأمريكا: حتى في أحضان «الحبايب»!

صبحي حديدي

- -

8 تعليقات

  1. فقط ملاحظة على العنوان. ” حتى في أحضان الحبايب ” عبد الحليم حافظ.
    ——
    مشيت على الأشـواك وجـيــت لأحــبــابـــــــــــك
    لا عرفوا إيـه وداك ولا عــــرفــــوا إيــه جــابــك
    رميت نفسـك بحضـن سـقـاك الحـضــن حـــــزن
    حتى في احضان الحـبـايـب شــوك يـا قـلـــبـــــي

  2. بصراحة تعو لنحكي بصراحة كنو مافي أحسن من الصراحة.
    الله يكثر خير نسوان فلسطين ألي ماخلين عنا شوية كرامة.

  3. *إن عاجلا أو آجلا
    الكيان الصهيوني البغيض
    الى زوال بإذن الله.
    سلام

    • أخي سامح.
      أهذه أمنية السنة الجديدة, أم مبنية على حقائق علمية؟.
      تحياتي وسنة سعيدة.

  4. ان السطوه التي تتمتع بها اسرائيل تجعلها تستهتر بكل
    من لا يتفق معها في الاداره الامريكيه هذا يتفق عليه الجميع
    ما في عهد اوباما فقد تجاوزوا حدود اللياقه والحصافه
    الدبلوماسيه لقد اهانوه عندما اعلنو عن انشاء مستوطنات
    جديده يوم وصول نائب الرئيس الذي كان يحمل في جعبته
    تصور رئيسه حول الاستيطان وامعنو في اهانته عندما زار
    نتنياهو الكونغرس الامريكي الانكى من كل ذلك كله انه عندما اراد
    رئيس القوه الكبرى في العالم ان يثأر لكرامته اختار توقيتا يجعلنا نقول
    ” نافوخي ياعالم”

  5. ”إسرائيل ”منذ قيامها هي في حماية الأمم المتحدة من خلال سطوة أمريكا بعدم تفعيل القرارات التي هي في صالح فلسطين أو بحق الفيتو. المجرمون الصهاينة بقايا 48 قد رحلوا وما بقي غير النتن ياهو. كذلك تفكك الجيش الصهيوني. عرب ما عاد ” يُعول ” عليم لتكريس استمرار الكيان الصهيوني وقع اللجوء إلى تركيا التي يقع الآن تفكيكها ومصر على ” كف عفريت ” من ناحية عداء شعبها لـ ” إسرائيل ” ثم انقسام أمريكا. جميعا مؤشرات على أن الكيان الغاصب بدأ يتهاوى سياسيا بعد أن تفكك عسكريا.

  6. مجرد احلام
    سوْال لماذا على طول السنيين أمريكا تعول وتتبنى اسرائيل
    الجواب واضح وهو سيطرة اليهود على الاعلام الأمريكى
    وتمويل اليهود لكل المرشحين الأمريكيين فى كل مراحل الانتخابات من مجالس محلية ونواب وشيوخ ورئاسة
    كيف يتغلب العرب على ذالك ؟
    الجواب واضح وصريح
    وهو فعل بالمثل وذيادة من ضخ اموال للسيطرة على الاعلام او حتى تحيده
    ضخ اموال بالمثل لكل مراحل الانتخابات الامريكية
    تمويل شركات الدعاية الامريكية لتحويل الدفة الى صالح القضية الفلسطينية وتعريف الشعب الأمريكى ان اليهود يسلبوا الحقوق الفلسطينية
    اخيراً من يمول هذه الأموال
    صندوق عربى يفرض واحد دولار على كل برميل نفطى يصدر الى الخارج ويدار بواسطة خبراء متخصصين .
    غير ذالك سوف يبقى الوضع على ماهو علية وهو
    أمريكا تعامل اسرائيل مثل بنتها بالتبنى تحميها رغم كل
    جرايمها ضد الفلسطينين

  7. *عزيزي (عبدالكريم ) حياك الله
    وكل عام وأنت بخير والجميع.
    * يا طيب هي أمنية ودعاء بنفس الوقت
    والله (سبحانه وتعالى) قادر على مسح هذا
    الكيان المصطنع الدخيل على وطننا العربي
    وبإذن الله تتهيأ الأسباب (للعرب والمسلمين)
    ويهزمون الصهاينة المجرمين الأشرار.
    حياكم الله جميعا.
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left