الحب في زمن السيلفي

رانيا توفيق الحلاق

Jan 06, 2017

كان الليل قد بدأ يغزو مدينة لندن عندما غادرت مقر عملي متوجهة نحو المترو كانت الشوارع التي اجتزتها وسط العاصمة قد تحولت إلى ما يشبه الكرنفال ، كانت المصابيح الملونة الصغيرة تومض على محيط أشجار الأرصفة التي تسلقت عليها معلنة قرب عيد الميلاد ،كما أن الورود الملونة استقرت بدورها في أحواض أحاطت بأعمدة الكهرباء ، ونهضت مثلها في حدائق صغيرة وأحواض وسط الأرصفة وعلى جنباتها فيما توزعت فرق الموسيقى على منعطفات الشوارع واحتلت جموع الناس بألبستهم وأشكالهم المتباينة وأصوات لغاتهم المختلفة المساحة الأكبر من ذلك المشهد البهي. لفت نظري وسط كل ذلك الطقس الجميل شاب وشابة في العشرينات من عمرهما. كان الشاب يرفع هاتفه عالياً تأهباً لأخذ صورة سيلفي مع من بدت لي حبيبته، فهي كانت تضمه بقوة وشغف وكان هو يشدها اليه في حالٍ من العشق الواضح، وبدافع من الفضول تابعت المنظر إلى أن انتهى العاشق من التقاط صور متلاحقة. وعلى الفور بدآ يتحاوران بصوت خفيض ارتفع رويداً رويداً إلى أن انتهى ببكاء الفتاة بصوت عالٍ قبل أن تنسحب من أمامه ليبقى واقفاً مكانه في حال غضب وذهول.
هذا المشهد هو واحد من عشرات المشاهد التي صادفتني حديثاً عن أناس يأخذون صور السيلفي وهم يبدون في قمة السعادة والفرح لكني اكتشفت فيما بعد أن هذا الفرح هو من ضمن قواعد الصورة أو بريستيج السيلفي. كما الكثير من الصور لأناس تعلم أنهم على خلاف وغضب مع بعضهم ولكنهم أمام السيلفي يتحولون إلى أعز الاصدقاء والأحباء.
هناك سؤال يطرح نفسه، هل بعضنا يتصنع الحب أمام الكاميرا كي يرانا الجميع أننا سعداء مع أصدقائنا أو شركائنا وأننا في أحسن حال وأننا أقوياء وسعداء؟ أم أننا نتمنى لو كنا كذلك في الواقع كما في الصور؟ اعرف شخصياً أناساً في الصور يملكون كل شيء، الحب والسعادة والصحة والسلام ولكنهم في الواقع تعساء ووحيدون ويعانون من المشاكل المستعصية. طبعاً لا نستطيع التعميم لأن هناك الكثير من الاشخاص الذين يتطابق واقعهم مع صورهم.
كما أننا نعاني من هوس الجمال من خلال صور السيلفي، فكثيرون منا يعدل في صوره بالفوتوشوب لتجميلها وإعطائها الكثير من المؤثرات وجعلها مثل الصور الاعلانية للفنانين أو المشاهير، وكأننا نقول لأصدقائنا انظروا إلى وجهي كم أنا جميلة وسعيدة.
إنها محاولة منا لتأكيد ذواتنا من خلال تضخيمها لنحظى بقبول الآخرين ولنعزز ثقتنا بأنفسنا من خلالهم. مثل هذا فعلته المذيعة البريطانية سوزانا ريد حيث أرادت ان ترسل رسالة واضحة إلى متابعيها من الفتيات بأن نشرت في حسابها على الانستغرام صورتين لها ودعتنا لنقارن بينهما
في الصورة الأولى تظهر كما هي على طبيعتها حيث بدا وجهها شاحباً متعباً وفي الصورة الثانية بدت جميلة ساحرة وبكامل أناقتها وذلك بمساعدة المكياج والفوتوشوب. رسالتها للنساء هي ان يثقن في أنفسهن ولا يجعلن صورة المرأة في الإعلام تحبطهن لأن ما يرينه ليس إلا أقنعة صنعتها التكنولوجية. كل امرأة فيها الكثير من العيوب حتى الجميلات جداً غير راضيات عن أنفسهن لأنهن يعرفن عيوبهن جيداً.
إن الصور تسيطر على مفهومنا للجمال وعلى ثقتنا بأنفسنا وعلى تقديرنا لذواتنا وهي ليست قضية تختص بنا وحدنا كعرب بل هي قضية عالمية يعاني منها جميع الجنسيات.
نحن مخدوعون بأغلب الصور الوهمية التي يخلقها السيلفي مدعوماً بالفوتوشوب. نعرف أنها وهمية ولكننا نصر على أن نعيش الوهم. والبعض يصر على أن هذا الوهم يمكن أن يصبح حقيقة.

كاتبة من سوريا تقيم في لندن

الحب في زمن السيلفي

رانيا توفيق الحلاق

- -

3 تعليقات

  1. سيده رانيا شكرآ لك على مقالك هذا الصباح ؟ يحمل إلينا رساله حقيقيه لما هو حقيقي وماهو زائف في هذا الزمن المادي الذي طغت فيه الماده والمذهبيه والطائفيه وكبرت الهوه بين البشر وخطلطت به المشاعر وإتسعت به الهوه بين بني الجنس الواحد والشعب الواحد فاصبح المال هو لغه الشعر واصبح دفتر الشيكات هو ديوان العرب واصبحت نظره جورج واشنطن على ورقه الدولار أجمل من نظره الموناليزا وإذا أردت تسويق أي بضاعه فعليك أن تغلفيها بغلاف الدين…زمن إختفت فيه المشاعر والأبتسامه الحقيقيه حتى تعابير الوجوه هي هلاميه شمعيه كالمطاط وجوه محنطه كقطع من البلاستيك في زمن السلكون والفيلرز وزمن البوتكس أشكرك سيدتي أعدتينى الى الزمن الجميل لا أعرف لماذا تشابه عنوان مقالكم مع رائعه اللأديب العظيم جابرائيل ماركيز ( الحب في زمن الكوليرا ) دفعني لتعليق
    أحداث الرواية اتدور في سفينة نهرية حيث يدعو (فلورنتينو اريثا) حبيبته لرحلة نهرية على سفينة تمتلكها شركته فتوافق، وهناك يقترب منها أكثر وتدرك بأنها تحبه رغم شعورها بأن عمرها (70 عاما)لا يصلح للحب ولكن هذا ما كان يمنع (فلورنتينو اريثا) من الاستمرار بالأمل والسعي لراحتها فيتخلص من المسافرين الآخرين بخدعة أن السفينة عليها وباء الكوليرا لكي لا تنتهي الرحلة ويكون الفراق ويثبت أنها خدعة غير موفقة مع الحجر الصحي وتدخل السلطات..
    و تنتهي الرواية والسفينة تعبر النهر ذهابا وجيئة رافعة علم الوباء الأصفر دون أن ترسو إلا للتزود بوقود فيما تضم عش الحبيبين الذين لا يباليان بكبر عمرها ويقرران أنهما الآن في مرحلة أفضل لوصول مرحلة ما وراء الحب وهي الحب لذات الحب.
    سؤالي ؟ هل فعلآ بقي متسعآ للحب الحقيقي الدافيء بين البشر ّ!!؟؟ هل يستطيع مسلم سني الزواج من حبيبته الشيعيه والعكس أيضاآ هل يستطيع شاب مسلم الزواج من حبيبته المسيحيه والعكس أيضآ هناك أسسأله أعتقد من الصعب الأجابه عنها في زمن الدواعش هذا عندما تتحكم السياسه والدين في مشاعر البشر وماالسيلفي إلا وسيله لتزيد المشهد تعقيدآ في هذا الزمن المر .. لك ولكل الأخوه والأحباء المعلقين والأسره التحرير يوم دافىء سعيد …. ويبقى هناك الأمل بغدٍ مشرق …

    العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

  2. استاذة رانيا ….كلامك حقيقي وصحيح 100% هذا ثاني مقال اقراءه لكي …اعجابي بوالدك ذادني اهتمام بمتابعت مقالتك ….بارك الله بك واطال عمر الوالد ….تحياتي

  3. *قاتل الله (السيلفي) القاتل المفتري..
    *معظم (النساء) يبحثن عن (الجمال)
    حتى لو كان جمال ( مصطنع ) ..
    * لهذا نجد معظم عمليات (التجميل)
    خاص بالنساء ..
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left