العراق في 2017 بين أُمنيات شعبه وأطماع جيرانه

أمير المفرجي

Jan 06, 2017

رحل عام 2016 كما رحلت الأعوام السابقة في العراق، مثقلا باليأس. ففي الوقت الذي تحتفل معظم أنحاء المعمورة برأس السنة في أجواء من البهجة والفرح، يودع العراق المغلوب على أمره عاما داميا، دون معرفة ما يُحيك ويخطط الأخرون لكيانه وثرواته في المستقبل.
فبلاد الرافدين أضحت اليوم هدفا لأجندات القوى الإقليمية والعالمية، وأصبح الانسان العراقي فريسة سهلة تقطعها مخالب الميليشيات وتنظيم «الدولة».
لا شك ان عراق 2016 كان عراق احزاب إيران وتنظيماتها المسلّحة، التي وظفت لخدمة ودعم المشروع التوسعي الفارسي، الهادف لتصفية أسس الدولة العراقية المدنية المتسامحة، والاستمرار في التأثير على المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، من خلال العمل لولادة دولة طائفية تُهيمن عليها أحزاب الولي الفقيه ومؤسساته التجارية، التي جعلت من بلاد سومر وبابل التاريخية وجهات للسياحة الدينية، ومحطات للاستثمارات الاقتصادية الإيرانية، التي يدخل قسم منها في جيوب حلفائها من السياسيين المحليين. وهي الطريقة التي تشتري بها إيران نفوذها في العراق، رغم حالة البؤس والفقر التي تعاني منها غالبية العراقيين بمن فيهم العرب الشيعة، الذين لا يرون أن نظام حكم الولي الفقيه الإيراني قابل للتطبيق في العراق، بل ان الذي يتلاءم مع هذا النموذج الثيوقراطي هو الأحزاب الحاكمة، أما الصفقات والمساومات من وراء الكواليس فهي التي تسمح لإيران اعتمادا على أجهزتها الأمنية، بإدامة مخططاتها التوسعية وتثبيت نفوذها في العراق.
عراق 2016 والأعوام السابقة، كان أيضا فترة غياب المعارضة الوطنية العابرة للطوائف، وبروز معارضة سياسية عشائرية سنية، نتيجة للإخلال المتعمد في ميزان المعادلة السياسية المذهبية، حيث وفرت الإطاحة بالنظام العراقي السابق منذ 2003 الفرصة لنظام الولي الفقيه لحسم خلافاته العدائية التاريخية مع العراق، من خلال العمل على استغلال إيران لحدودها الجغرافية، وعلاقاتها مع الأحزاب والشخصيات المعارضة العراقية، نتيجة للضوء الأخضر الأمريكي، فضلاً عن قوتها الناعمة المذهبية والإعلامية لتوسيع نفوذها، وبالتالي ترسيخ مكانتها كممثل وراع لمصالح أحزابها في بغداد، حيث تمت الاستفادة من عملية الغزو الأمريكي الذي أطاح بالرئيس السابق صدام حسين من قبل إيران وأحزابها، بعد تحويلها من مضمونها وشكلها الاستعماري الغربي إلى المظهر الداخلي المذهبي، ومن ثم إعادة إخراجها في النهاية على إنها عملية انتقام المكون الشيعي، الذي تدعي أحزاب إيران بتمثيله، من المكون السني الذي ينتمي إليه الرئيس السابق صدام حسين. مما زاد من خيبة أمل سُنة العراق في عدم معاقبة الميليشيات الطائفية على الجرائم التي ارتكبت بحقهم في 2006 وساعد في خلق فجوة، قسمت العراقيين ونقلت مراكز المعارضة إلى بعض الدول العربية والإقليمية التي تتلاءم وترتبط مع ثقافتها العشائرية والمذهبية.
عراق 2016 وكما كانت الأحداث في الأعوام السابقة، فترة بقاء احتلال «تنظيم الدولة» المتطرف لمدينة الموصل، رغم بدء تلاشي حلم أبو بكر البغدادي في بسط دولة الخلافة، وبدء العد التنازلي لطرده من الموصل بعد ان علقت الآمال على حكومة حيدر العبادي، التي نالت دعماً محلياً واقليمياً ودولياً، لتعالج الانتكاسات التي تتحملها حكومة سلفه نوري المالكي في ضياع هذه المدينة. بانتهاء عام 2016 وفي وسط مخاوف جدية من تداعيات مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة»، بكل ما شكله من تراجع حضاري وإنساني، وانتهاك فظيع لأوضاع العراقيين، فإن إشراقة العام الجديد وان كانت محملة بالأمنيات، قد لا تكون أحسن من سابقاتها، بعد ان دام احتلال تنظيم «الدولة الإسلامية» لمدينة الموصل أطول ممّا تصوّره معظم المحلّلين والمسؤولين. وفي الوقت نفسه لم يفلح العبادي في إقناع العراقيين بأن طبيعة سياسته الجديدة لا تشبه ولا تتوافق مع سياسة نوري المالكي، الذي يتحمل تداعيات إقصاء المكون السني من العملية السياسية، واحتلال التنظيمات المتطرفة لمدينة الموصل.
انتهى عام 2016 ولم تنته تظاهرات العراقيين السلمية، وأساليب القمع والاعتقال للمعارضة الوطنية المدنية. ففي الوقت الذي تغض حكومة بغداد النظر عن جرائم المجاميع الطائفية المسلحة، تُقمع احتجاجات المدنيين، وتتم تصفيتهم واعتقالهم واختطافهم كما حدث أخيرا للصحافية أفراح شوقي.
من هنا، يطرح عام 2017، التساؤل الكبير على جميع العراقيين حول وضع العراق السياسي المقبل، بعد طرد تنظيم «الدولة»، وتتعدد السيناريوهات المتداولة في شكل احتمالات تقسيم البلاد، أو انشاء أقاليم فيدرالية. فعلى الرغم من أهمية إنهاء تنظيم «الدولة» لجميع الأطراف والمكونات العراقية، يبقى الأهم هو في معرفة ما سوف يترتب من جديد في ما يتعلق برسم الحدود الجغرافية وتركيبة المشهد السياسي المقبل، حيث يتفق كل من له بصيرة وطنية، في أن زوال التنظيم وطرده نهائيا من الموصل، سيعجل ويزيد من نوايا تركيا وإيران لتعزيز وبسط نفوذهما الطائفي والسياسي في العراق، حيث تتمتع تركيا بدعم من حكومة مسعود بارزاني وقوات «البيشمركه». كما ان لإيران حكومة وأحزابا ومليشيات في بغداد، لتكون في النهاية فترة ما بعد تنظيم «الدولة» ساحة لصراع النفوذ الفارسي ـ العثماني ومسرحا جديدا لمفاوضات الدول المارقة لتقاسم الكعكة، على شاكلة وإشكالية ما يحدث في سوريا، مع إبدال الطرف الثالث الروسي بالطرف الأمريكي صاحب الأولوية في رسم وتثبيت اللوحة المقبلة للعراق.
كاتب عراقي

العراق في 2017 بين أُمنيات شعبه وأطماع جيرانه

أمير المفرجي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left