الموتى لا يتكلمون في دولة الخوف والصمت

د.يحيى مصطفى كامل

Jan 07, 2017

لم تعد الفضائح في الشأن العام في مصر تثير الدهشة، وإن كنت أزعم أنها مازالت تثير الاهتمام والفضول، لاسيما وأنها ملأى بكل عناصر التشويق والإثارة، فالمشهد بات يحفل بما لا يمكن وصفه سوى بتصفياتٍ ووقائع انتحارٍ في السجون، ناهيك عن التفجيرات وما بات مألوفاً من الاختفاء القسري والاعتقالات والمحاكمات العجيبة وأحكامها الأعجب، من إعداماتٍ بالجملة إلى أحكامٍ بالسجن تصل إلى القرون، فهذه الأخيرة لم تعد توقف أحداً كونها أصبحت مألوفة – لقد صار الشر والقبح مألوفين مبتذلين.
بيد أن اللافت هو ذلك الطابع «المافيوي» الذي اتسم به آخر تخريجات العنف، مضافةً إلى النمط التقليدي الذي ذكرنا، مع تزامن العديد من تلك الأحداث والمستجدات بصورةٍ أثارت الشكوك والتكهنات حول صراعات أجنحةٍ في قلب التركيبة الحاكمة.
بدايةً، هناك إحالةٌ «تمت بليل» لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية إلى مجلس الشعب، رغم صدور حكمٍ قضائيٍ نافذٍ ببطلانها، أعقبها سحلٌ للمتظاهرين المحتجين على ذلك القرار الذي يتسم بتحدٍ للقضاء والمشاعر الوطنية، واستخفافٍ وخسةٍ ونذالةٍ مدهشة.
يلي ذلك القبض على مدير مشترياتٍ بمجلس الدولة بتهمة تقاضي الرشى، حيث عثر على ما يربو على المئة مليون جنيه في مسكنه، وإذ وجهت اتهاماتٌ للمستشار وكيل المجلس تقدم باستقالته وتم حبسه على ذمة قضية فساد إثر التحقيق معه، ولم يلبث أن «وُجد» مشنوقاً بكوفيته في محبسه، جديرٌ بالذكر أن كل ذلك لم يستغرق أكثر من بضعة أيام.
يضاف إلى ذلك إيقاف برنامج الصحافي الشهير إبراهيم عيسى «مع ابراهيم عيسى» الذي واظب على تقديمه أربعة أيام في الأسبوع منذ أكتوبر 2015 نتيجة ضغوطٍ تعرض لها ومالكو القناة على خلفية انتقاداتٍ ما فتئت ترتفع حدتها لأداء النظام وسياساته على أصعدةٍ عدة. ليس من شكٍ في أن ثمة زوايا عديدة يمكن تناول كل تلك الأحداث التي عددت من خلالها، غير أننا بعيداً عن التطرق لفداحة دولة الفساد التي تشكل قضية الرشوة فرجةً في حائطها، أو الشماتة في صحافيٍ تحمس للسيسي فترةً ليست بالقصيرة بأي حالٍ، أو التفتيش في النوايا التي حدت به للتصعيد أو التكهن بما إذا كان قد سقط ضحية صراع أجنحة، بعيداً عن كل ذلك سنجد أن خيطاً يجمع بينها فيوحدها، ألا وهو الصمت.
في كلٍ منها كان الغرض أوالنتيجة هو الصمت.

ليس عيباً ولا مبالغةً الاعتراف بأن هامش حرية التعبير وتوجيه بعض الانتقادات للسياسات، زمن المخلوع مبارك كان أكبر، لا لشيءٍ سوى ليقين مترسخٍ لدى النظام والأمن أنه في ظل كساح الأحزاب الكرتونية البائسة، والسيطرة المحكمة على فصائل الإسلام السياسي، وفق سياسة العصا والجزرة، فإن حالة الموات والإرهاق التي شملت الشعب المصري لا تبعث على أي قلقٍ أو شكٍ في احتمال حدوث أي حراكٍ أو عملٍ جماهيريٍ ذي معنى ووزن، وهو ما عبر عنه مبارك نفسه حين قال «خليهم يتسلوا» معلقاً على البرلمان الموازي الذي أعلنت بعض القوى السياسية عن عزمها عقده عقب انتخابات مجلس شعب 2010 المزورة بفجرٍ وغشمٍ. هو هامشٌ مبنيٌ على يقينٍ باللاجدوى، ولا يعني ذلك أن النظام كان يسكت، وإنما كان يلاحق منتقديه بتضييقاتٍ عديدة واغتيالٍ معنوي عن طريق أبواقه.
لقد ضحى النظام بمبارك وأزاح وجوهاً كثيرة شكلت القشرة السطحية فتواروا، إلا أنه وقد فوجئ بثورة 25 يناير التي هزته حتى أسسه الشائخة، لم يعد في مسعاه المحموم لترميم آلته الأمنية وصورته أمام نفسه وشعبه قبل العالم ليطيق أي انتقاداتٍ. لقد أضحت حرية التعبير، ولو على سبيل «التسلية والتفريج» رفاهيةً لا يتحملها. لقد أشهر كل أسلحة العنف وأسقط أي سقفٍ كان له في الماضي، وعمل على إشاعة الخوف وبث الرعب بشتى صوره، من مصير العراق وسوريا، ومن التدهور الأمني ومن التدهور الاقتصادي المزعوم نتيجة الحراك السياسي، وهي كلها أمورٌ معلنة، والخوف من البطش السياسي وهو سرٌ معلن.

ومن لم يصمت خوفاً يتم إسكاته قسراً

يكفي أن تتهم أي شخصٍ بانتمائه إلى الإخوان المسلمين أو أي تنظيمٍ إرهابي لتتم تصفيته في تبادلٍ مزعومٍ للنيران. غنيٌ عن الذكر أن لكل نظامٍ ثوابت ومتغيرات – مبارك ورجاله كانوا «المتغير» أما الثابت فهو الانحياز الاقتصادي والاجتماعي، يضاف إليه جدٌ وسرعةٌ تتسم بالشراسة في تنفيذ المشروع النيوليبرالي بتوصياته وتعديلاته الهيكلية، التي نذكر منها على سبيل الأمثلة الأشهر لا الحصر، إلغاء الدعم عن الطاقة والسلع الرئيسية وتحرير سعر الصرف. الثابت أن تلك الحزمة من السياسات، وبهذه السرعة التي تراجع عنها السادات وأجفل عن كثيرٍ منها (أو على الأقل عن وتيرتها المجنونة) مبارك قد تسببت في مشقةٍ عميقة ومضنية وانخفاضٍ حاد في مستويات معيشة الناس، في ظل ارتفاعٍ للدين الخارجي إلى أعلى مستوى في تاريخه؛ وهناك شواهد عديدة على إدراك النظام للتبعة الاجتماعية لذلك، وللسخط المتنامي والأدل على ذلك هو تلك المطالبة للشعب بالتحمل والشكر الموجه له من قبل رجالات الحكومة على صبره وتفهمه.
وعلى ذلك فالأزمة الاقتصادية مستحكمة قابضة خانقة معذبة، وأضف ما شئت؛ ليس ذلك فحسب، وإنما الأخطر أنه لا يبدو في الأفق ما يوحي، ولو من بعيد بانفراجةٍ قريبة (أو بعيدة في حقيقة الأمر) ولا بما يشبه تصوراً عن وسيلةٍ للخروج من هذه الهوة، وعلى عادة النظام فقد لجأ إلى الأكاذيب والوعود المعسولة يردم بها تلك الهوات والفجوات في الواقع البائس.
فالأكيد أن الرئيس السيسي ومن وراءه اختاروا البقاء مهما كان الثمن، وأن النظام يعيش أزمةً وجودية – صراع بقاء، وهو في طريق بقائه تلك لم يعد يأبه بصورته، ولم يعد يستطيع التوفيق بين أغراضه الحقيقية وورقة توتٍ من الشرعية تستره، كما أثبتت قضية تيران وصنافير، ومع كل يومٍ يسقط قيمةً أو وهماً ما ويزداد عريه، كما أنه محاصرٌ بالمشاكل المتفاقمة نتيجة سياساته من ناحية، وبرفضه المطلق أو التام تقديم أي تنازلاتٍ سياسية أو اقتصادية- اجتماعية من ناحيةٍ أخرى، وكأي وحشٍ محاصر تزداد شراسته وعنفه، ومعهما تحترق جسور العودة، التي لا يرغب فيها من الأساس.
لذلك، يجب أن يصمت تماماً معارضوه، خاصةً المشهورين منهم أو من يشكلون تهديداً قانونياً أو إعلامياً، بل كل من قد يثيرون مشاكل ووجع رأس أو يشيرون إلى فساد طوعاً أو خوفاً أو قسراً أوموتاً، فالموتى لا يتكلمون.
كاتب مصري

الموتى لا يتكلمون في دولة الخوف والصمت

د.يحيى مصطفى كامل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left