رحيل الأكاديمية المصرية نهاد صليحة سيدة النقد المسرحي

Jan 09, 2017

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: لم تكن الأكاديمية والناقدة المسرحية نهاد صليحة (1945 ــ 2017) مجرّد مُعلمة من مُعلمي النقد والنظريات المسرحية والنقدية داخل الإطار الجامعي، لكنها كانت تعرف تماماً الدور الحقيقي للفن، خاصة الفن المسرحي، هذا الدور الذي عن طريقه فقط يمكن للشعوب أن ترتقي وتتعلم. وبعيداً عن العبارات البلاغية، لنا أن نرى كيف كانت تتفاعل الراحلة وحال المسرح وعروضه وفنانيه في مصر والعالم العربي، سواء المثابرة على مشاهدة العروض، ليست الشهيرة أو التي تروّج لها وزارة الثقافة، على سبيل المثال، لكنْ عروض تبحث عن ناقدة في وعي نهاد صليحة، حتى تفسر وتشرح وتربط السياق الفني والاجتماعي، أو من ناحية أخرى المشاركة بأرواقها البحثية المهمة في الندوات والمؤتمرات، إضافة إلى مقالاتها في الصحف، التي تحاول من خلالها تقريب المسافة بين الفن والقارئ العادي غير المتخصص.
لم ينفصل عمل وفكر نهاد صليحة عن الشاغل الاجتماعي والسياسي، ولم تكتف كما العديد من الأكاديميين بإلقاء المحاضرات الصمّاء داخل قاعات الدرس، بخلاف ممارسات السُلطة الموروثة على الطلبة وتحويلهم إلى أبواق يرددون كلماتهم الجوفاء دون فهم أو وعي. ولعل الكثير من طالبات وطلبة الراحلة يدركون جيداً كيف كانت تتفاعل ومنهجها العلمي الرصين، وفتح آفاق الوعي أمامهم في الفن والحياة، باعتبارهما كلا لا ينفصمان. وسنحاول استعراض مواقف الناقدة نهاد صليحة ورؤيتها لدور الفن والثقافة في الحياة.

الحرية والوجود الإنساني

«عند الحد من حرية التفكير على الصعيد العلمي وعلى الصعيد الفلسفي، وعند تقييد حرية الخيال على الصعيد الفني، هنا نقتل شيئاً جوهرياً في الإنسان. الشخصية المصرية فقدت خصائصها الأصلية خلال الستين سنة الماضية، وما بدا نهضةً في سائر المجالات خلال فترة الستينيات لم يكن سوى بقايا روح الثلاثينيات، بقايا حركة التنوير الحقيقي الذي حدث منذ عشرينيات القرن الماضي، وتحديداً منذ ثورة 1919». هذا المناخ الحُر الذي تنعاه صليحة في الشخصية المصرية، والذي انتهى بعد انقلاب يوليو/تموز العسكري في 1952، رغم كونها في بعض أحاديثها السابقة كانت مفتونة بعبد الناصر، إلا أنها وعت نتيجة ما حدث، ورغم بعض الإنجازات في ذلك العصر، إلا أن فكرة الحرية التي انتفت كان لها أسوأ الأثر في تكوين الشخصية المصرية، التي ضُربت بآفة الانغلاق وعدم قبول الآخر، وأن الجميع أعداء ويحيكون المؤامرات، هذا هو المناخ الذي شهدته الراحلة في النهاية.
النهضة المسرحية
كانت نهاد صليحة من مؤسسي حركة الفرق المسرحية المستقلة في مصر، التي رأت فيها الحل الأمثل للخروج من أزمة المسرح المصري، وبالفعل من خلال انتشار هذه الفرق التي أصبحت تمتد إلى المسرح العربي ككل، هي سمة النهضة المسرحية الآن، وهي محاولة لإيجاد صيغة حرة لفناني المسرح، دون أن يكونوا تابعين للدولة ووصاياها المعهودة. وبالفعل ومنذ عام 1990 أصبح لهذه الفرق صوت لا تستطيع وزارة الثقافة المصرية على سبيل المثال تجاهله، خاصة أن بعضا من هذه العروض نال العديد من الجوائز في مهرجانات المسرح المصرية والعربية. تقول صليحة «نحن نحتاج لدعم مسرحي حقيقي على أساس القيمة، كل عام تخرج فرق جديدة، الفرق المستمرة حوالي 36 فرقة تحصد الجوائز.. كل هذه الفرق قدمت صيغاً بديلة وعروضاً متميزة، الجميع حفروا في الصخر من أجل البحث عن مسرح جديد، قوامه التجريب في كل المستويات الإخراجية والأداء التمثيلي والتأليف الجماعي، هؤلاء الفنانون يقدمون مسرحا بديلاً. ينبغي ألا ندور في صيغ قديمة ودوائر مرسومة من قبل، الجيل الجديد ولد بحساسيات مختلفة، هيئة المسرح أنشئت في الستينيات حين كانت الدولة مسيطرة على كل شيء، ومنها المؤسسات الثقافية، نحن الآن نعيش في زمن آخر، هيئة المسرح أصبحت خارج الزمن، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في رسم سياسة ثقافية جديدة في مصر»

عن الثورة الشعبية وتبعاتها

أيدت صليحة ثورات الربيع العربي، كحلم بمناخ حُر طالما نادت به في مؤلفاتها ومقالاتها. وتفاعلت مع أشكال الأداء الحديثة التي أنتجتها الثورة، والتي أعادت رسم الصورة الفنية في مصر وبعض الدول الموسومة بالعربية، حتى أن الأداء الفني هنا أصبح لا ينفصل عن الفعل الثوري، وهو ما يلازم دوماً الحراك الثوري ومُناخه. لكنها في الوقت نفسه لا تتعجل رؤية موضوعية متكاملة عما حدث، فالحالة الثورية وفعلها «تلبدت أجواؤها وأصبحت أشبه بولادة متعسرة تسبب آلاماً شديدة وقلقاً دائماً، وتأرجحاً بين اليأس والرجاء.. فينبغي ألا نتوقع الآن نصوصاً درامية عميقة ومركبة ترصد ما يحدث في موضوعية وتعمق». هنا لم تفصل صليحة الفن عن الثورة، بل جعلت منه صوتها الأعلى، ورغم تفاوت التجــــــارب وتراوحـــها، إلا أنها ستُنتج فناً راقياً في المستقبل، خاصة أن حـــــالة الركود أو الموت كما كانت قبل الثورة، تعد حالة انتهت، رغم ما يبدو اليوم من تراجع على المستوى السياسي والاجتماعي، لكن الفن دوماً يسبق ويؤصل لحالة أفضل على مستوى الوعي الحر للإنسان المصري والعربي، فلا أمل سوى بالفن.

بيبلوغرافيا

نهاد صليحة .. ولدت في حي شبرا العريق في القاهرة عام 1945. حصلت على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنكليزية، في جامعة القاهرة عام 1966، وماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة ساسكس في المملكة المتحدة عام 1969، بعنوان «مشكلة الوفاء في حياة جوزيف كونراد»، ثم درجة الدكتوراه في المسرح من جامعة إكستر في المملكة المتحدة عام 1982، في رسالة بعنوان «مسرح لورد بايرون. قراءة حداثية».
المؤلفات: المدارس المسرحية 1982، المسرح بين الفن والفكر 1985، أمسيات مسرحية 1988، أضواء على المسرح الإنكليزي 1990، الحرية والمسرح 1991، عن التجريب سألوني 1998، المسرح بين النص والعرض 1999، المسرح بين الفن والحياة 2000، المسرح عبر الحدود 2001، المسرح المصري/اتجاهات جديدة 2003.
الترجمات: التفسير والتفكيك والإيديولوجيا، نظرية العرض المسرحي، ما بعد الحداثية والفنون الأدائية، كوميدياتان من عصر شكسبير، حدوتة من حواديت العجائز، بعد العبث، فارس يد الهاون، ومسرح الثورة السوداء.
المناصب التي تقلدتها: أستاذة الدراما والنقد في المعهد العالي للنقد الفني منذ عام 1984. عميدة المعهد العالي للنقد الفني في الفترة ما بين 2001 – 2003. الإشراف على قسم النقد المسرحي في جريدة «الأهرام ويكلى» منذ عام 1989، وحتى وفاتها. عضو اللجنة العليا للمسرح في المجلس الأعلى للثقافة. عضو لجنة الدراما في قطاع الإنتاج للإذاعة والتلفزيون. عضو مجلس إدارة صندوق روبرتو شيميتا الدولي لدعم فناني المسرح الشباب في دول البحر المتوسط. ساهمت في تأسيس حركة الفرق المسرحية المستقلة في مصر.
الجوائز والتكريمات: نالت صليحة التكريم الشرفي في العديد من المهرجانات المسرحية العربية، مثل: مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، الدورة الرابعة عشر لمهرجان دمشق المسرحي، مهرجان الشارقة، مهرجان مجلس التعاون الخليجي، مهرجان قرطاج، ومهرجان أيام عمان المسرحية. كما نالت جائزة الدولة للتفوق في مجال الدراسات الأدبية عام 2003، وجائزة الدولة التقديرية عام 2013.

رحيل الأكاديمية المصرية نهاد صليحة سيدة النقد المسرحي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left