فيلم «سنودن» لأوليفر ستون يُعرّي الوجه القبيح للإدارة الأمريكيّة

أيمن يوسف أبولبن

Jan 09, 2017

يعود المخرج أوليفر ستون إلى السينما من جديد بفيلم يحكي القصة الدرامية لانشقاق موظف المخابرات المركزية «إدوارد سنودن» وتسريبه ملفات سريّة غاية في الأهمية لوسائل الإعلام عن طريق مراسل صحيفة «الغارديان» البريطانية الشهير «جلين جرينوالد».
أوليفر ستون معروف بمواقفه السياسية الداعمة لمبادىء الديمقراطية والحرية والعدالة والشفافية، ومعاداته للحروب والعنف وللسياسة الأمريكية المتغطرسة، وقد جسّد هذا في العديد من أفلامه السينمائية والوثائقية والمسلسلات التلفزيونية أيضاً، مخرجاً ومنتجاً، ومن أشهر أعماله فيلم «نيكسون» «جي اف كينيدي» «وُلِدَ في الرابع من تموز» «بلاتون» و «جورج بوش».
فيلم «سنودن» يجمع بين الإتقان الفني والحبكة الدراميّة «الواقعية» والمضمون الفكري الراقي والداعي إلى الإلتزام بالمبادئ التي قامت عليها أمريكا والمتمثلة بالديمقراطية والشفافية، وصون حريات المواطنين تحت كل الظروف، وهو يعرض بشكل رائع التناقضات التي يُجسدها الموظفون الرسميون في الحكومات الأمريكية وأجهزة الأمن والمخابرات مع هذه المبادئ بذريعة الحرب على الإرهاب أو حماية أمن أمريكا، ويجسّد تطور الصراع الداخلي لدى سنودن بين الذرائع والمُسوّغات التي يمليها مسؤولوه عليه مُرفقةً مع الحياة الباذخة التي يعيشها، والامتيازات التي يحصل عليها من وظيفته، وضميره الداخلي الرافض لهذه الممارسات، وصولاً إلى قراره الانفصال عن هذا الواقع والانحياز إلى ضميره، واضعاً سلامته الشخصية على المحك في سبيل كشف هذا الكم الهائل من الخداع للعلن، راجياً ان يكون في هذا العمل إشعال شرارةٍ تدفع الناس للتحرك في سبيل حماية حرياتهم ومبادئهم، وإعلان رفضهم لهذه التجاوزات والسياسات الخاطئة.
لا يوجد عملٌ إنساني يستحق التقدير أكثر من التضحية بالسمعة الشخصية بل والسلامة الشخصية في مقابل إراحة الضمير وعمل ما تُمليه علينا مبادئنا وقيمنا الإنسانية، هذه هي باختصار رسالة الفيلم، والتي تضمّنها حوار بين «سنودن» وبعض زملائه في العمل في حفل عائلي، حيث يتحدث أحدهم عن نشاطه في ذلك اليوم والأوامر التي أصدرتها القيادة العسكرية باستهداف مدنيين في أفغانستان، ثم استهداف مجلس عزاء أقيم لهؤلاء الضحايا، وكيفية تنفيذه لتلك الأوامر بطاعة عمياء، ويُعلّق سنودن بالإشارة إلى محاكمات «نورمبيرغ» الشهيرة التي عُقدت بعد الحرب العالمية الثانية للنظر في جرائم النازية، ثم انبثق عنها ما يُعرف بمبادئ «نورمبيرغ» التي تبنتها الأمم المتحدة، والتي تشير بشكل واضح لا لبس فيه، أن كل من ينفذ أوامر تنطوي على مخالفة حقوق الانسان، أو جرائم في حق الإنسانية، هو شريكٌ في هذه الجريمة وأن ذريعة تنفيذ أوامر عليا لن تكون مقبولة في المحاكمات ذات الإختصاص.
في الكتاب ذائع الصيت «إعترافات قاتل إقتصادي» لعميل آخر للمخابرات المركزية «جون بيركنز» والذي عمل ضمن فريق يُعنى بالشؤون الاقتصادية للشركات الأمريكية ويُمهّد غزوها الاقتصادي لدول العالم الثالث، يتحدث بيركنز أيضاً عن المسؤولية التي يتحملها الشعب الأمريكي بأكمله جراء سياسات بلاده الخارجية، ويقول (هل هناك في الولايات المتحدة من هو بريء! … الملايين منا يعتمدون في معيشتهم مباشرة على استغلال الدول الأقل تطوراً؛ ذلك أن الموارد والعمالة الرخيصة التي تُغذّي جميع اعمالنا تقريبا تأتي من أماكن مثل اندونيسيا … كذلك تؤكد ديون المساعدات الخارجية أن أطفال اليوم في تلك الدول وأحفادهم سيكونون رهائن، سيكون عليهم أن يسمحوا لشركاتنا بنهب مواردهم الطبيعية، وأن يتخلوا عن التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأخرى، كل هذا لكي يسددوا ما عليهم من ديون لنا … فهل يُعتبر براءةً، عُذْر معظم الأمريكيين أن لا علم لهم بهذا؟!)
فيلم «سنودن» يرتكز في حكايته على الفيلم الوثائقي «المواطن 4 Citizen four » الذي يوثّق اعترافات إد سنودن نفسه في أحد غرف فنادق هونغ كونغ، قبل أن يهرب إلى روسيا ويستقر هناك بعد حصوله على اللجوء السياسي، ويُذكر أن «المواطن 4 Citizen four » هو الرمز السري الذي استخدمه سنودن للتعريف بنفسه لمراسلي صحيفة «الغارديان»، موضحاً أن ثلاثة زملاء سابقين له حاولوا كشف الممارسات غير القانونية وخداع أجهزة المخابرات الأمريكية ولكنهم فشلوا، ويُعلّق سنودن قائلاً (لست أول شخص وأرجو ان لا أكون الأخير).
من شاهد فيلم Citizen four يستطيع أن يقدّر العمل الرائع لطاقم فيلم سنودن ومدى الحرفيّة التي استخدمت لتحويل هذه الوقائع إلى عمل درامي سينمائي أخاذ، يشد المشاهد ويوصل رسائله الإنسانية، ويُشدّد على القيم الإنسانية العليا التي ينبغي ان يتحلى بها جميع البشر مواطنين ومسؤولين، ومدى خطورة الانزلاقات التي نقع فريسة لها أثناء ممارستنا لعملنا، ونحن نظن اننا نحسن صنعاً وأننا بهذا العمل نقوم بحماية امن بلادنا ومواطنينا؛ وهذه الرسالة لا تنحصر في المخابرات الأمريكية بل تتعداها إلى أجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية لكل الدول التي تتعرض لشدائد وظروف أمنية صعبة، وما أكثرها حاليا في منطقتنا.
من أشد الأمور وأكثرها صعوبة في التصديق التي كشفها سنودن، كانت استخدام المخابرات الأمريكية أجهزة الكمبيوتر المحمول الشخصية وأجهزة الاتصالات الفردية للتجسس على الأفراد في جميع انحاء العالم واستخدام الكاميرات الخاصة بهذه الأجهزة لتسجيل فيديوهات للعلاقات الخاصة والمحادثات الشخصية والحصول على المعلومات التي يمكن استخدامها فيما بعد للإيقاع بالضحايا، ناهيك عن تعاون شركات الاتصالات ومزودي خدمة البريد الالكتروني العالمية مع المخابرات في تجسسهم، وهذه كارثة حقيقية وانتهاك صريح لحقوق الفرد وخصوصياته، في عالم تكنولوجي بتنا جزءاً لا يتجزأ منه.
فيلم سنودن وبعيداً عن التدخلات السياسية في هوليود يصلح أن يكون مرشحاً لجائزة أفضل فيلم وأفضل ممثل لهذا العام مع الأداء المتميز لطاقم العمل وللمثل الشاب «جوزيف غوردون ليفيت» في دور سنودن، الذي علّق الجرس وأعلنها مدويّة أن حقوق المواطنين والحفاظ على مبادئ الحرية والديمقراطية يجب ان تبقى الشغل الشاغل لكل الرؤساء والحكومات وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال، المجازفة بها في سبيل الضرورات الوطنية، فهل وصلت هذه الرسالة؟

كاتب ومُدوّن من الأردن

فيلم «سنودن» لأوليفر ستون يُعرّي الوجه القبيح للإدارة الأمريكيّة

أيمن يوسف أبولبن

- -

1 COMMENT

  1. أنا شاهدت الفيلم وهو في غاية الروعة حتى من الناحية الدرامية فهو شيق جدا رغم ان أحداثه حقيقية…فيلم جدير بالمشاهدة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left