مصلحة الوطن أم مصالح الجماعة؟!

د. الشفيع خضر سعيد

Jan 09, 2017

نفذ شعب السودان عصيانا مدنيا كرد فعل مباشر لفرض الحكومة زيادات مهولة في أسعار المواد الضرورية للحياة، خاصة الدواء. بعد نجاح جولة العصيان الأولى، في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، جاء موقف الحكومة مطابقا لما هو متوقع، فأنكرت حدوث العصيان، ثم قررت فشله بنسبة مليون في المية، ووصفت شباب السودان الذين دعوا للعصيان بالعملاء والخونة والمضاربين في الدولار، وأسمتهم، ساخرة، بمناضلي «الكيبورد» الذين يتخفون خلف حاسوباتهم الشخصية، ولا يجرؤون على مواجهة الرصاص في الشوارع!. وبعد نجاح جولة العصيان الثانية، في 19 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، تبارى قادة الحكومة في إشهار سلاح الإلحاد والتكفير والخروج عن الإسلام في وجه الشباب المحتج، وكأن الجماعة التي تحتكر السلطة تظن أنها تحتكر الدين وتملك حق توزيع صكوك الغفران، وأنها هي الفئة الوحيدة الصائبة والناجية، ومن يجادل أو ينادي بغير ذلك، أو يلزم بيته منفذا عصيانا مدنيا ومحتجا بأسلوب حضاري راقي، فهو خارج عن الملة، ومن يخرج عن الملة وجب قتاله! إنها نفس طريقة التفكير العقيمة التي حُكمت بها البلاد لأكثر من ربع قرن فأفضت إلى كارثة مأساوية بمعنى الكلمة، وإن إستمرت ستؤدي إلى المزيد، بل وربما لا يبقى الوطن. إنه لأمر مقلق وخطير، وينذر بأيام شؤم قادمات.
والملاحظ أن الجماعة المتشبثة بكرسي السلطة، والحالمة بديمومة الملك والسلطان، كلما إهتزت الأرض من تحت أرجل الكرسي، تتسربل بالدين وتشهر سلاح التكفير والإلحاد في وجه الآخر المعارض، بينما تنكس هذا السلاح في أوقات الهدنة والهدوء. إنها دعوة بائسة، إستهجنها شعب السودان بكل قطاعاته، خاصة عندما توجه إلى الشباب المولود من رحم الشعب، والمشبع بالوطنية والإستعداد للتضحية فداءا للوطن. وفي نظرنا، التكفير جريمة تستوجب المحاسبة، إذ من يحق له من بني البشر أن يستهدف ضمير الآخر ويفتشه؟ وما التكفير، في النهاية إلا تاكتيك سياسي هجومي شرس، ومخالب قط لسياسات الخصومة والقمع ضد المعارضين والمخالفين في الرأي.
وإذا كانت «الجماعة» تنطلق من فكرة إن دعوتها مقدسة ولا يجرؤ أحد على إعتراض طريقها، فشعب السودان يعترض بشدة ويقول لهم، أنكم لا تحملون أي صفات أو سمات قدسية، بل أنتم مجرد جماعة، سعيتم لتحويل تعاليم الدين، حسب تفسيراتكم لها، إلى آيديولوجيا من حق الجميع إستجوابها. نحن نقر بحق أي تنظيم أو حزب في طرح أيديولوجيته التي يعتبرها ذات مرجعية إسلامية، ولكن عليه إدراك أن الفصل بين آيديولوجيتة هذه وبين الدين الإسلامي هو فصل حقيقي وأساسي وجوهري. لذلك، نحن عندما نجادل ونناقش هذه الجماعة، نفصل تماما بين الدين الإسلامي، كرسالة، وكدين لغالبية أهل السودان بحدوده الجديدة، وكمكون أساسي في وجدان الشعب السوداني والثقافة السودانية، وبين آيدولوجية الجماعة المعبر عنها في خطابها السياسي. أي إن إلحاق صفة «إسلامي» بهذه الجماعة لا يضعها فوق المساءلة والاستجواب، وقبل كل ذلك، لا يعني تنزيهها عن الخطأ. فقداسة الدين شيئ، وقداسة الأفكار والآيديولوجيا والأفراد شيئ آخر مختلف تماما. أما أن ترفع أسلحة القرون الوسطى وأحكام الكهنوت، من تكفير وردة وتخوين وتفتيش ضمير، في وجه أي نقد للسياسات والممارسات التي تتم بإسم الإسلام، وفي وجه الحراك الشعبي الرافض للعسف والمحتج ضد الفساد وضد تجويع وإفقار المواطن، فهي محاولة مرفوضة تماما ولا تخيف أحدا.
وأيضا، نحن نقر بحق أحزاب الخيار الإسلامي أن تدافع عن خيارها هذا، وأن تحدد منطلقاتها الآيديولوجية وفق هذا الخيار، وتدافع عن تصوراتها حول كيف تريد أن تحكم السودان. ومن جانبنا، قطعا لن نطالبها بالتخلي عن هذا الخيار، مثلما لن نسعى إلى رميها في البحر. كل الذي نطلبه منهم هو الإعتراف بحق الإختلاف وبحق الآخرين في طرح تصوراتهم حول حكم السودان بكل حرية. كما نطالبهم بالفصل بين مصالحهم الخاصة ومصلحة الوطن، لأن الصراع والتناقض بين المصلحتين بلغ درجة من الحدة المدمرة للوطن، وأوقع الشعب في المصيدة الكريهة التي تتغذى وتتعيش على جرثومة العنف. أما الجماعة التي فرضت حكما بإسم الإسلام طيلة الفترة الممتدة منذ إستيلائها على السلطة في يونيو/حزيران 1989 وحتى اليوم، فأعتقد من حق الشعب السوداني عليها أن تجيب على تساؤلات كثيرة، منها:
لماذا إتسمت هذه الفترة بفساد غير مسبوق، وبجرائم الإعتداء على المال العام، ولماذا لا يحاسب المفسدون، بل تتم حمايتهم؟.
لماذا إتسمت هذه الفترة بشظف العيش وبإنتشار الجوع والفقر والمرض والعطالة، وبتدهور مريع في الخدمات الضرورية لحياة المواطن، وبنزع أراضي المواطنين بالقوة، وجرائم إغتصاب الأطفال وتفشي المخدرات؟
لماذا إتسمت هذه الفترة بإهتزاز حكم القانون، وبإرهاب وقمع غير مسبوقين، وبظاهرة العنف المفرط تجاه المواطن حد إطلاق الرصاص حتى القتل، ولأبسط الأسباب؟
لماذا إتسمت هذه الفترة بإستدامة الحرب الأهلية؟
لماذا إتسمت هذه الفترة بعلو نبرة العنصرية والجهوية والقبلية، مما أدى إلى نسف النسيج الإجتماعي في البلد؟
لماذا تبرأت التيارات الإسلامية في العديد من البلدان الأخرى، تونس مثالا، من تجربة الإنقاذ، وظلت
تشير في صدر برامجها ودعايتها الإنتخابية إلى أنها ستتجنب هذه التجربة؟
هذه الأسئلة، وعشرات غيرها، من حق الشعب السوداني أن يسمع أجابات واضحة عليها، ومن الضروري، بل ومن الواجب شرعا، على الجماعة الحاكمة في السودان الإجابة عليها قبل أن تشهر سلاح التكفير وتهم الإلحاد والخيانة والعمالة في وجه الشباب الذي لم يفعل سوى تأدية واجبه المقدس في الإحتجاج وبأسلوب حضاري على ممارسات النظام اليومية. وعموما، إن إمتلكت الجماعة الشجاعة الكافية حتى تجيب على هذه التساؤلات، أو لم تمتلك، فإن شباب السودان يمتلك من الشجاعة والخيال ما يؤهله لإبتداع آليات متنوعة للمقاومة وإستعدال المسار حتى تتحقق طموحات الوطن والمواطن.

٭ كاتب سوداني

مصلحة الوطن أم مصالح الجماعة؟!

د. الشفيع خضر سعيد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left