السيف أصدق إنباء من الكتب

بروين حبيب

Jan 09, 2017

انتهت سنة أخرى من العنف العربي، وبدأت سنة جديدة بجرائم سجّلت دموية رأس السنة، كما سجّلت أيضا فشل مساعي السلام، التي قادها مشاهير ورجال سياسة في منظمات مختلفة تدّعي أنها قد تغيّر واقعنا. بعد قرون من العنف المجاني الذي سقط كثير منه من التاريخ، وبقي قليل منه عالقا بكتب أتلف أكثرها، ها نحن نعيش زمنا يسجل كل لحظة عنف من أبنائنا تجاه أبنائنا، ومن أبناء جلدتنا تجاه العالم.
لم تعد هناك صحائف قابلة للتلف. ولا أشخاص تُنهى حياتهم فتدفن أسرار شهاداتهم على من أجرموا في حق الإنسانية. اليوم نحن في زمن يسجل بالأسماء والأرقام والصوت والصورة ما يحدث في العالم أجمع. ويبدو أن ما حدث على هذه البسيطة خلال قرون مضت من حروب «كوم» وما يحدث اليوم «كوم» آخر.
نحن في حروبنا القديمة والجديدة لا نزال نرتكب الجريمة ضد أنفسنا. فلا دين وحّدنا ولا لغة. ولا مصالح ولا تحالفات. ولا نزال نستعمل آيات من القرآن بعد إفراغها من معناها التاريخي لتحريض أجيال جديدة على القتال والموت المجاني. كما لا نزال نبحث عن كل ما يشعل نيران الكراهية في قلوبنا تجاه الآخر، من أجل إبقاء لهب الحرب متقدا (انفجار اسطنبول عشية رأس السنة نموذجا). ويبدو أن أكثر النّاس ادّعاءً للإيمان والتّدين اليوم هم أكثر البشر إقداما على حمل السلاح، لا لأن إيمانهم عميق وما يفعلونه تلبية لنداء الله، بل لأن إيمانهم هش مبني على الخوف من الآخر، وتدينهم ورقة تلهو بها رياح التغيرات التي لم يتحملوها.
اليوم قد يبدو خطاب إمام مسجد يدعو لمحاربة الكفار المحتفلين بليلة رأس السنة غريبا، وهو ينبش بيتا من الشعر أكل عليه الدّهر وشرب، ويبث الخطاب على فضائية عربية وقت الصلاة قبل أن تحلّ ليلة رأس السنة، فتتحوّل الشاشة نفسها إلى منبر للعربدة الإعلامية، والنكت السخيفة والرّقص الذي لا يشبه الرٌقص في شيء، والأغاني التي يئن مؤدوها كأنهم مرضى في حالة احتضار. كان مؤسفا أن تلقى على مسامعنا أبيات شعر قديمة لأبي تمام تقول:
السيف أصدق أنباءً من الكتب / في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في/ متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة / بين الخميسين لا في السبعة الشهب
كلنا نحفظ هذه الأبيات عن ظهر قلب، ونغرسها في قلوبنا الصغيرة دون أن ننتبه إلى أنها بعد سنوات ستعطي ثمارا بحجم البطيخ في رؤوسنا، وذلك ما حدث. حتى أننا لن نعود أبدا لكتب الشعر القديمة، وكتب التاريخ لنفهم سبب إطلاق هذه الأبيات العظيمة التي جعلتنا في عداء دائم مع الكتب، مع توطيد غريب لعلاقتنا مع السيوف والخناجر. وحتّى حين اخترع العالم الصواريخ وشتى أنواع الأسلحة المتطورة لمحاربة أعداء جبابرة، بقينا هناك في عصر الصفيح، وفضلنا أن نفجّر أنفسنا بين أهلنا وأبناء جلدتنا، ذلك أن العدو الجبار الذي حلمنا به، لم يتحقق لنا رغم ترديدنا لخرافات «المؤامرة الغربية» وما تلاها من قصص لم ترق حتى لقصص ألف ليلة وليلة.
ربّما ضحكنا كثيرا على حروب كنا نسمع عنها في أفريقيا بين شعوب بدائية. ضحكنا أيضا على كل الشعوب التي تتخذ من غير الإسلام دينا، واعتقدنا أن كفرهم سبب وحيد وكافٍ لتلك الشرور المنبعثة منهم، بل اعتقدنا أن الشيطان يقودهم، وما لهم من سلطان على أنفسهم. كانت حروبنا خامدة في كتب التاريخ، خاصة حين تعرّضنا لاستعمارات كثيرة عزّزت فكرة أننا شعوب مظلومة لا ظالمة. كل شيء كان يزحف على المسالك الخلفية لتاريخنا الجديد، كأنه أشباح تنتظر صفاء الرؤية لمعاودة الهجوم على كائنات بلداننا التي لم تعرف أن تدير أمورها بعد استقلالها، واستلامها زمام أمورها.
خرج الموتى من قبورهم الضائعة في رمال الصحارى، وخرجت قصصهم المدفونة في صحائف منسية، وطفت على سطوح معارفنا حكايات أبطال يقطعون الرؤوس بضربة سيف واحدة، ويأكلون أكباد أعدائهم، ويرسلون رؤوسا مقطوعة من بلاد إلى بلاد أخرى.
لم نعرف أبدا أن نقرأ التاريخ. وكل كتاب نفتحه من ذلك التراث الذي سجّل أخطاءنا، نعتبره وظيفة تطبيقية يجب أن نقوم بها على أرض الواقع. تماما كما نقرأ الأدب فنكفّر كتابنا ونهدر دماءهم، ونلاحقهم كما يلاحق اللصوص والمجرمون. لم ندرك أبدا الغاية من الأدب لرؤية أخطائنا، وفضلنا خلال دهر من الظلم والظلمات أن نكسر كل المرايا التي تعكس بشاعتنا. وحتى تاريخنا الدموي اعتقدنا أنه ملاحم للانتصار والسيطرة على العالم.
في الغالب كان صدى بيت أبي تمام واحدا من أصوات العنف الذي عاشه الفرد العربي طويلا ليس فقط في العصر العباسي، بل في العصور كلها بدءا بالشعر الجاهلي، إن كان فعلا شعر الحقبة التي سبقت الإسلام، إلى الشعر المعاصر الذي انبثق منه الشعر السياسي والشعر الإسلامي وما شابههما. وحده الشعر كان كافيا لنفهم ما حدث. كان مرآة للحروب التي دارت خلال تلك الفترات على اختلاف خلفائها وأمرائها وأربابها. ولعلّ الشعر تحديدا كان أصدق من كتب التاريخ التي وصلتنا، ويظل الوثيقة الأقرب لحقيقة مجتمعنا العربي، لكننا لم ندرسه بعين المنطق والحكمة. ولم نلتفت إليه كوثيقة تاريخية واجتماعية مهمة.
لقد وضعنا الشعر في خانة صغيرة على هامش كل الدراسات التي حاولنا من خلالها فهم ما حدث ويحدث لنا، حتى أصبح غريبا عنّا بلغته التي لم نعد نفهمها، أمّا محتواه فقد أصبحنا نفسر ما قلّ منه على هوانا، ونفعل ذلك في الغالب من أجل غاية في أنفسنا. وهذا ربما أكبر خطأ وقعنا فيه، منذ فتحنا مدارس وجامعات وأدخلنا في مقرراتنا الدراسية مختلف ألوان الشعر العربي. نحن لا نتحدث عن «الكاميكازي» الذي يفجّر نفسه، ولكن عن كمّ الموت الذي يعج به شعرنا وأدبنا ونشرات أخبارنا وواقعنا من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. حتى نتوقف عن اتهام الآخر دوما. ونراجع الدّرس الذي نسيناه منذ مئات القرون وننظر إلى أنفسنا جيدا.
و أعتقد أن أوّل خطوة نحو تحرير الذات من حمولة العنف، هي أن نقرّ بتلك الخطايا التي ارتكبناها تجاه أنفسنا وأعطيناها مصطلحات مختلفة لتصبح رموزا لانتصارات وهمية، لا تزال تنخر الجسد العربي كسرطان العظم. ذلك أن ما كان شعرا واصفا حروب أبناء العمومة والأطماع من أجل السلطان قديما، أصبح يُقلّد بشكل بائس منذ أواخر القرن الماضي وينشر هنا وهناك على أنّه شعر إسلامي، وقد نال هذه الصفة بكل أسف، دون أن ننتبه إلى أنه وثيقة أخرى تضاف إلى أكوام الوثائق التي تلصق بنا صفة الإرهاب.
وثمة خطوة أخرى أكثر أهمية وهي أننا إن تصالحنا مع الشعر، فحتما سنتصالح مع أنفسنا، ونتوقف عن تقبيل السيوف لأنها تذكرنا بأسنان عبلة وبطولات عنترة. إننا في زمن معجون الأسنان الجيد، وطبيب الأسنان الجيد، وابتسامات حسناوات العالم التي لها مفعول السحر لتليين القلوب وجعلها مسالمة.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

السيف أصدق إنباء من الكتب

بروين حبيب

- -

5 تعليقات

  1. أتقدم بالشكر الجميل لصحيفة القدس العربي المنبر الراقي لإقرائنا ابلغ الكلمات من الصحافة الراقية باقلام من هم من أمثال الصحفية الشاعرة البحرينية “بروين حبيب” التي أتقدم لها بالشكر الجزيل على هذا المقال الجليل الجميل، لقد بلغت الشاعرة في هذه المقالة قمة من قمم البلاغة، بلغة سهلة وأسلوب سلس، وهذه من قمم الفصاحة، وبرهنت على انبعاث هذه الأفكار من إحاسيس مرهفة، وقلب مخلص وعقل واع وفؤاد ملهم ، أقول من إحساس مرهف لما يظهر من تألمها لما يصيب أمتها، ليس فقط في بيئتها المحلية، حيثما تعيش، بل مما يحدث في كل جرح من جوانح هذه الامة! وهي بنت هذه الامة ثقافة وفكرا وعقيدة ومشاعر وأحاسيس بالافراح وقليلة هي، وبالهموم والاتراح وهي بلا حدود! ولا أُطيل في بيان العقل الواعي الذي يجيد الربط الثقافي بين الأصول والفروع وبين الاصالة والمعاصرة، وبين الدروس في الادب والتاريخ والعبر منها، في قراءة واعية، وهكذا تكون القراءة “باسم ربك”، فجسدت ذلك كله في هذه المقالة التي تصلح ان يرددها جميع خطباء الجمع في العالم بكل لغة يمكن ان تصل إلى الاسماع. ويجدر بموجهي الثقافة والتعليم الديني في الأوقاف وغيرها ان يعقدوا الاجتماعات لتدارس هذا النموذج من الوعي والتدين، وعقد دورات لتدريب وتحسين أداء الخطباء الذين على ألْسِنَتِهم تنبعث قذائف التوعية الاجتماعية الأسبوعية وباسم الدين يضللون ويهرفون بما لا يعرفون، والتي يقصرها بعضهم على تطويل اللحى والسراويل وتقصير الثياب وحف الشوارب وحلق الرؤس كأنها رؤوس زهر القرنبيط! أو يتخيل بعضهم نفسه انه قائد جيش دونكيشوت يلاعب السنة اللهب باسنة الرماح على لسانه الذي هو اقوى من اللهب في إشعال الفتن وحقن الجمهور بعداوات !! كي ينصر او ينتصر لما لا يعلم عنهم شيئا! وجدير بوزراء الثقافة والاوقاف ان ينتبهوا ويعالجوا هذا اللغو

  2. سيدتي،نحن لا نتوقف أمام المرآة لرؤية أنفسنا علىحقيقتها
    فنحن،في عجلة من أمرنا لنعيد إنتاج تخلفنا وهزائمنا،وعيوبنا
    ولأننا حرمنا حريتنا وحقوقنا،وقراءة ونقد ما يجب،وليس ما
    يفرض علينا بحكم الوصاية الممتدة من المهد للحد !.
    وها نحن نجني ما زرعنا !.

  3. مقال وجيه يستحق التقدير لقد افتحت الصحفية والشاعرة في مكاشفة المتن الشعري الذي حلق في اذهان التلاميذ والطلبة وأصبح السيف والرمح يهيمن على القصيدة العربية تستحق التقدير لحسن بيانها ورهافة حسها الادبي الرفيع

  4. مقال الدكتورة الفاضلة بروين حبيب حفظها الله يعيدنا قليلاً إلى ما يسمّى في علم النفس بأنماط وأنواع الشخصيات التي تعكس السلوك الموروث سلباً…وهنا أقف عند أخطرشخصية تسود اليوم وأعني بها الشخصية السايكوباثية.وهي شخصية أغلب المتطرفين الدمويين الإرهابيين ضد الأبرياء.إنّ الشخصية السايكوباثية شخصية معتلة مريضة ؛ ولا يملك السايكوباثي قيماً ذاتية أوموضوعية للقيمة الاجتماعية العليا التي يتواجد فيها ؛ سوى العنتريات الوهمية.لذلك لا يرتدع ذاتياً ولا تردعه ضوابط المجتمع…فهوكتلة من الإنانية والعدوانية والعمى الفكري وعدم التسامح من دون الإحساس بمخاطرالنتائج المترتبة على سلوكه السيكوباثي الشاذ…على الآخرين.وبالتالي يصبح عاجزاً عن إصلاح ذاته ؛ ولا يدع المجتمع يعاونه على الإصلاح ؛ لأنه لا يرى إلا شيطانه..ومن هنا يجد في التراث والتاريخ عالمه الضبابي القائم على التفسيرالأحادي في الوظيفة الحياتية.وربما نجد في معاييرالدراسة والتربية المدرسية عاملاً مكنوناً في تشكيل هذه الشخصية المريضة…التي تولد الإرهاب…مثال ذلك أنّ هذه الشخصية ترى في معارك التاريخ مهمازها المخزون في النفس قبل السيف ؛ من دون ربط تلك المعارك بالقيم والأهداف النبيلة.فالشخص السكيوباثي لا يفرّق بين سيف خالد ابن الوليد في الجاهلية ( الذي ليس له من القيم العليا إلا العصبية ) وبين سيف خالد ابن الوليد في الإسلام ؛ بعدما تحوّل إلى سيف الله المسلول ؛ لأنه ارتبط بقيمة عليا وبهدف سامٍ للأمة ؛ لا مجرد تاريخ من البطولات الدموية في الجاهلية ؛ أوسيلة للغزووالسلب والنهب حتى يحلل أموال الناس ظلماً ؛ كما تفعل بعض الجماعات المغالية التكفيرية.ومن أجل قطع روافد الإرهاب الذي يستند إلى كم غفيرمن القراءة الخاطئة للتراث ؛ ضرورة قطع بؤرالإرهاب والتطرّف والغلووالتكفيرونزعة العدوان المغالية…بمحاصرة ظهورأجيال جديدة من الشخصيات السيكوباثية المعتلة التي تكون الوسط الخصب للتطرّف.ومن هنا ضرورة دراسة الشخصيات التاريخية ومعرفة المداخل والمخارج ؛ وكيفية التشكيل في البناء والهدم ؛ وهي خطوة أساسية للخروج من دوامة الفوضى الاجتماعية والثقافية والسياسية.وبذلك نحقق معادلة جديدة هي ( الكتب أصدق أنباء من السيف ) إلا إذا كان السيف للدفاع عن قيم الأمة.

  5. كل ما ورد في هذا المقال يبدو صحيحا. لكن مؤثرات الخلفية المُسيطرة على واقع العقل العربي: سيطرة الاقصاء لكل مُبدع ومُستقل سواء من الهيمنة الاوروبية بأخطبوطها الممتد في شرايين البلاد العربية والعالم الثالث يُضاف لها ارتباط مصالح الطبقة الحاكمة المُستغلة لمجتمعها والمُستغَلَّة من خارج بلدها وعدم قدرة العقلية العربية إعادة تجديدها كما عملت به اليابان والصين بعدم التخلي عن موروثها بل إعادة فهمه وإعادة صياغة مفعوله الايجابي في التطبيق العملي مثلا بسيطا: الكذب والدجل في المعاملات يُفسد كل تقدم ؛ الجهل في الذات يورث الخبل في التصرف الذاتي والاجتماعي؛ تضخم الذات في امتلاك سلطة القرار, الاعتماد على الدعم الاجنبي فهذه الامراض في ذات المواطن المُكَوِّن لشرائح المجتمع وبخاصة الطبقة الحاكمة هي بعض من أمراض المجتمع العربي المُعاصر. فدور التعليم الصحيح ودور المُعَلِّم الذكي المسؤول في أداء واجب نهضة الامة مقتولٌ عندنا. ولذلك نحن نقتل أنفسنا بجهلنا بذاتنا وبما حولنا فنذهب الى مزابل تالحضارة الاوروبية لشرائها بفرح واستخدامها كعبيد بلا وعي. فكثير من علماء العرب اختفوا في حضارة الغرب لعدم وجدو حاضن مُستثمر بوطنه ليُبدع لخير بلده وأمته. والامثلة كثيرة.هذا قليل من كثير من أمراض مجتمعنا العربي المعاصر. ومَن يتكلم بالحق فمصيره القتل أو الاهمال أو التشويه أو الاقصاء.ولهذا لا يستطيع المجتمع ان يتقدم.تصور هذه الحروب في العراق وسوريا واليمن وليبيا مَنْ يخوضها!؟ ولمن مصلحتها!؟ وما هي نتائجها!؟ هل هي الاحزاب؟ أم السلطة الخفيَّة؟ أم مخالب الاجنبي؟ أم هو المواطن المُساهم بها؟ فأين العقل؟ أما تشوُّه المعلومات وسلوكيات الاعبين فيها من كل الجهات. القرار ليس بيد العقل العربي؛ بل بيد أسياده لقيادة الغنم ليوم الذبح وإستغلال ما فيها لجهات أخرى.وقيل لكل أمة كبوة. “وتلك الايام نُداولها بين النَّاس لعلهم يعقلون” فمتى سنعقل إستقلالية قرارنا برؤيانا بلا نظارات ؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left