منجز محمد الشيكر نموذجا… التشكيل المغربي وخطاب ما بعد الحداثة

Jan 10, 2017

الرباط ـ من عزالدين بوركة: الحداثة حركة لا تتوقف عن التجدد، وما ما بعد الحداثة إلا عملية تجدد للحداثة عينها. إذ «ما بعد الحداثة هي حداثة الحداثة، أو هي الحداثة وقد تخلصت من رؤيتها الطوباوية ومنزعها البرميثيوسي البطولي وحكاياتها الكبرى» بشكل دقيق هذا ما يريد تلخيصه محمد الشيكر في مؤلفه «الفن في أفق ما بعد الحداثة: التشكيل المغربي نموذجا»، الصادر عن منشورات «جمعية الفكر التشكيلي» (2014)، فقد جاء هذا المؤلَّف على امتداد ثلاثة أقسام وهي «الحداثة الاستتيقية: الإرهاصات الجنينية»، و»التجربة التشكيلية المغربية ومشروع الحداثة»، و»التشكيل المغربي وما بعد الحداثة» حيث حاول هذا الباحث في الجماليات، الحفر عميقا في مفهوم ما بعد الحداثة وإرهاصاته و«إشكالياته، ضمن الساحة التشكيلية المغربية على طول تاريخها التأسيسي، منذ البدايات مرورا بالتجريدية عند كل من الشرقاوي والغرباوي ووقوفا عند جماعة 65، واصلا للتأكيد بكون أن مفهوم ما بعد الحداثة لا يشي بالقطيعة المبرمة مع الحداثة.
يقول المفكر المغربي عبد الله العروي في إحدى حواراته: «لقد كثر الكلام لدى بعض المثقفين أو أنصافهم عن مجتمع ما بعد الحداثة، أي مجتمع ما بعد الحداثة في المغرب؟، نعرف مجتمع ما قبل الحداثة، ولم نر مجتمع الحداثة بعد»، بعيدا عن هذه الرؤية «العروية العدمية» للحداثة المغربية، وقريبا من الفن التشكيلي الذي يعالج حداثته وما بعدها محمد الشيكر في مؤلفه هذا، فقد «نهضت الحداثة التشكيلية في المغرب على مفارقة جمالية تتمثل، كما يقول الكاتب إدموند عمران المالح: «في الثورة على الأب التشكيلي الغربي وعلى الإقرار بشرعية أبويته» في الآن ذاته، أو كما يقول الشيكر «فهي قطعت مع الرؤية الاستشراقية والعجائبية والأكاديمية الغربية، لكنها ظلت تستوحي أوثانها وبراديغمها من الفنانين الغربيين، على أنها ظلت كلفة بربط تلك الثورة الكوبرنيكية البصرية، التي تتجلى في التجريد الفني بجذورها التاريخية». فقد استطاعت التجريدية في العصر الحديث أن تقلب، كما يقول الباحث عفيف البهنسي، المفاهيم الأولمبية التي قام عليها الفن الغربي، وبذلك قادت الفنان من اتساق وتناغم العالم البراني إلى تشظي العام الجواني وانكساره وتمزقه، فوجد نفسه «يقبع في مرسمه يعالج بكثير من الجد موضوعات ذات علاقة بعالمه الداخلي والفكري». ولأن التجريدية فن لا يقبل بالأنساق، وكونه فنا ثوريا، فقد قوبل بالرفض بادئ نشأته في المغرب، الذي كان لا يزال يقبع تحت السيطرة الكولونيالية، التي ما فتئت تسيّر توجهه الفني كما السياسي، إلا أنه في بداية السبعينيات فتح فنانون تشكيليون جدد في المغرب، أعينهم على الفن التجريدي، الذي كان قد انتشر في العالم كاتجاه حداثي بامتياز، فاعتنقوه معتبرينه أفقا حداثيا للفن التشكيلي المغربي، هذا الأفق الذي فتحه كل من الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي، إذ «ينخرط، كما يذهب الشيكر، كل من الغرباوي والشرقاوي في مآلات الحداثة التشكيلية الكونية، من غير أن يُكوّنا عنها رؤية فلسفية أو نسقية. كما قام بذلك (بول) كلي أو كانداسكي أو ماليفتش وغيرهم. وأنجز كل منهما أعمالا فنية متميزة تنتظم في أفق فني متميز، من غير أن يسندها وعي طليعي»، كما يخبرنا الشيكر، الذي يضيف أن «هذا على الرغم من أن الحداثة كمشروع لا تنفك عن وجود طليعة تدشن القطيعة الجمالية والأكسيولوجية والفلسفية مع التقليد».
فالحداثة لا تعني المكوث عند التقليد والاستكانة لبراديغمه ولا تعني القطع النهائي مع التراث، بل إعادة استدماجه داخل قوالبها، في محاولة لتجدد مستمر، إذ «تطرح الحداثة كما تتصورها مجموعة 65 عدة إشكالات ميثولوجية، يقول صاحب الكتاب، تتصل بماهيتها وحدودها وعلاقتها بالتقليد. فالحداثة في التجربة التشكيلية المغربية لا تقطع مع الجذور ولا تقيم فصلا مع التقليد. في حين أن الحداثة في التصور الغربي لا تعلن عن هويتها إلا في قطيعة مع الدارج والمكرس والمكرر. فالحداثة، بهذا المعنى، تتسم، حسب فاتيمو، بكونها، على حد تعبير موليم العروسي، «عبادة الجديد والتعلق الدائب بما هو طريف»ـ حيث إن الجديد يمحو ما جد قبله ويجبه، في تواتر دائم وجدل مستمر».
فإن أي محاولة للحديث عن التشكيل المغربي المعاصر، أو البحث فيه، تستوجب بالضرورة والإلزام الحديث عن جماعة، كان لها إحداث منعطف صارم وجاد في التاريخ التشكيلي- الفني المغربي.. جماعة 65، وهي حلقة فنية تشكلت بين 1964 و1969 داخل مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء. جاءت تتغيّا إعادة النظر في الفعل البصري داخل فن الرسم المغربي. وإحداث استقلالية تامّة عن المستعمر الغربي، الذي حاول طمس الهوية المغربية الخاصة، وجعل الفن المغربي تابعا له لا مستقلا بذاته. فقد «عمل التيار التشكيلي الحداثي الذي تمثله «مجموعة الدار البيضاء» على «معارضة النزوع الأبوي للبعثات الثقافية الأجنبية التي كانت، كما يقول التشكيلي فريد بلكاهية تشجع في تلك الفترة الفن الفطري بصورة خاصة»، فقد اعتبر فنانون كثر في تلك الفترة، وبداية تشكل ملامح الفن التشكيلي المغربي، أن الفن الفطري صنيعة الأجنبي المستعمر، غايته إظهار الفنان المغربي متواضعا و»ساذجا»، وقد شجع بقوة على المضي في هذا الاتجاه. يطرح في ذات المنحى محمد الشيكر في كتابه هذا، أسئلة عميقة تصب نحو الحفر للإجابة عن هذه السجالية، إذ لماذا اعتبروا الفن الفطري «صنيعة المستعمر» وليس اتجاها تعبيريا يبني نهضة فنية متحررة من تأثر الغرب وجماليته، منطلقا كما يقول عفيف البهنيسي، من ثقافة ضعيفة ولكن من تقاليد غنية»؟ وهل ظل هذا الفن الساذج حبيس رؤية فولكلورية أم استطاع أن يخلق «لغة ملحنة حافلة بالأنغام التي تطرب العين والنفس بألوانها وخطوطها وطرافتها»؟ وهل الفنان الفطري يعي أن فنه يقوض القواعد الأكاديمية المكرسة، أم أنه لا يخرج عن رؤية استيهامية لم تبلغ عتبة النضج الجمالي والتقني المأمول؟ فكما يقول إياد الحسيني، تمثل الحكايات والأساطير والخرافات آثارا مهمة في تكوين البنية الثقافية للموروث الشعبي الذي يعتمد عليه النتاج الفني لما نسميه بالفن الفطري، وهي مؤشرات فذة وفريدة تشهد على العصر الذي ولدت فيه، عندما كان الوعي البشري في تداخل شفاف ووحدة بهيجة مع الطبيعة، حيث كان الوعي يخضع العالم لروحيته المستيقظة التي لم تستطع في البدايات أن تكون محددة أو محدودة، بل كانت تتمتع ببراءتها وسلطتها على الأشياء غير مثقلة نفسها بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها والأشياء الحقيقية، ومهما تكن هذه الفكرة ساذجة، فإنها تشكل جوهرا رفيعا حرم منه الوعي الأكثر عقلانية في تطوره اللاحق، كما يؤكد على ذلك روجيه غارودي «نظرات حول الإنسان». ومن ثمة كل نمط تعبيري أيا كان سواء حرّكته الغريزة البصرية البسيطة أو صدر عن رؤية فطرية ساذجة لم تشذبها المواضعات الإستتيقية، يظل في مصاف المنجزات الفنية الأصيلة «الفن في أفق ما بعد الحداثة». إلا أنه كما يقول غاستون ديهل «كان ينبغي حصول تحولات عميقة على صعيد المجتمع وعلى مستوى العالم، بأسره، واستعداد الأذهان بفضل الانقلابات المتواصلة التي شهدها الفن الحديث للحكم على أشكال التعبير المختلفة ذات الصلة بالفنون الشعبية أو بالفنون التي تسمى خطأ فنونا بدائية بأنها لا تقل أهمية وقيمة عن الفنون الأكاديمية» لا بَدْعَ أن الأثر الفطري في المنجز التشكـــــيلي المغربي، سيعتبر في ما بعد أثراً فنياً فيه بلاغة خاصة، كما يؤكد الشيكر، تتكئ على رؤية شعرية تقوض الدكسولوجيا القائمة وتذهب بالتعبير الفني إلى تخومه الطفولية الهاربة. فكما يعتقد جيربراندز : إن الدراسة المستقصية لما يدعى بالفن البدائي، ستؤدي بلا شك إلى اختفاء هذه الكلمة نهائيا. فقد صار اليوم ممكنا القول إن الفن الفطري هو ذاكرة الأمة، وحنين إلى الماضي، مما يتيح له رابطا بفنون ما بعد الحداثة، وذلك في الكشف عن جوهر الإنسان.
يخبرنا محمد الشيكر أن مفهوم ما بعد الحداثة يغطي حقولا معرفية وممارسات ثقافية مختلفة. كما جرى توظيفه في مجالا تداولية متباينة، تمتد من مجال الهندسة المعمارية مع جينكس وبورتوغيزي، إلى حقل الأدب مع باترسون وسكاربيتا ومجال الفن مع باريليلي، وصولا إلى الخطاب الفلسفي مع ليوتار وفاتيمو، وحقل علم الاجتماع مع بودريار وليبوفسكي ومافيسولي.
وإذا كان فريديريك دي أونيس أول من استعمل مصطلح ما بعد الحداثة، سنة 1930، «من أجل توصيف الارتداد المحافظ داخل نزعة الحداثة، ذلك الارتداد الذي حاول التخلص من تأثير الرهان الغنائي الهائل للحداثة، من خلال البحث عن ملاذ داخل ضرب من التعبير الساخر، ومن النزوع الأقل انشغالا بالتفاصيل» (بيري أندرسون، أصول ما بعد الحداثة).
فإن فردريك جيمسون يؤكد أن ما بعد الحداثة هو رد فعل لما قبله، حيث يرى أن ما بعد الحداثة تتوحد برغم تعدد مجالاتها وأساليبها تحت شعار الرفض لما هو معترف به ومقنن. إلا أننا يمكن أن نسوّغ دخول التشكيل المغربي -ابتداء من ثمانينيات القرن الفائت – في أفق مابعد الحداثة بتلك الانتقائية الفائضة، والتعددية الخلاقة في استيحاء السجلات الجمالية، وفي «التدخلات» المتنوعة للفنان. إذ سيعلن محمد شبعة أحد أقطاب «جماعة 65» «صراحة أنه فنان ما بعد حداثي»، فقد أدرك، إذن، الفنان التشكيلي المغربي النقلة العالمية نحو التجدد، وما تحمله ما بعد الحداثة.
يخبرنا السيد ياسين كون حركة ما بعد الحداثة ترفض كل عمليات التمثيل سواء أخذت شكل الإنابة بمعنى أن شخصا يمثل الآخرين أو التشابه، وذلك حين يزعم المصور أنه يحاكي في لوحته ما يراه في الواقع. لهذا كان اختيار التجريد منطلقا لولوج الحداثة ومنه إلى ما بعدها، فالتجريد ظاهرة مميزة ارتبطت بالتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الغربي منذ نهاية القرن التاسع عشر، فإنه لا يقتصر على زمن محدد أو مجتمع محدد (محمود أمهر، تيارات الفن المعاصر) . وقد أدرك الفنان المغربي ما استطاعت التجريدية في العصر الحديث لقلب المفاهيم الأولمبية التي قام عليها الفن الغربي. إلا أنه أدرك كما يقول المفكر محمد الشيكر، أنه ليس شخصا يشيح بنظره عن الواقع، ويَزْورُّ عن ماجرياته، بل هو مشدود إليه بواشجة سرية لا تنفصل، إلا أنه يعبر عنه بأسلوب حديث يتجاوز الأساليب الكلاسيكية والتعبيرية والانطباعية والاستغرابية والإثنية المألوفة.
فنخلص مع محـــــمــد الشـــــيكر إلى ما مفاده أن ما بعد الحداثة في جوهـــــرهها تنوح صوب ما يسميه «تشذيب خطابها التقدمي والقطائعي»، فالفنان ما بعد حداثي هو نفسه الحداثي إلا أنه تخلص من محكيات الحداثة الكبرى وقد تغلب على آخر ما تبقى من سذاجته، على حد تعبير فانسان ديكومب. فبكل تعقيدات هذا المفهوم -ما بعد الحداثة- فلا يمكن الكشف عنه إلا في مداراته وجداليته مع الحداثة.

منجز محمد الشيكر نموذجا… التشكيل المغربي وخطاب ما بعد الحداثة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left