المسيح لم يكن غربيا

د. حسين مجدوبي

Jan 10, 2017

يعتبر «سقوط الغرب» أطروحة مشوقة للكثير من الباحثين والمفكرين بحكم أنها تسمح بتوظيف والاستعانة بعناصر تاريخية واقتصادية وثقافية واجتماعية وحتى عسكرية، لبناء هذا الطرح الفكري. وعادة ما ينطلق الكثير من المفكرين من التأريخ للغرب بأنه يعود إلى ألفي سنة، أي تاريخ ميلاد المسيح، لكن قراءة متأنية للتاريخ تجعلنا نقول إن «المسيح لم يكن غربيا» ولا يمكن اعتباره «غربيا».
وفرضية «سقوط الغرب» هو الموضوع المفضل لعدد من المفكرين والروائيين في الغرب، أحيانا بنوع من الإثارة كما فعلت الإيطالية الراحلة أوليانا فلاتشي، وأحيانا بنوع من الجدية مثل حالة بعض المفكرين الفرنسيين، ولكن هذا لا يعني أن تحليلاتهم على صواب. وعادة ما ينتمي إلى هذا التيار مفكرون محافظون أمثال إريك زمور وميشيل أونفراي الأكثر تأثيرا في الرأي العام الفرنسي في مثل هذه القضايا. فقد أصدر الأول كتاب «انحطاط فرنسا» منذ سنتين، وفرنسا هي جزء من الغرب، وخلال هذه الأيام نزل إلى المكتبات الفرنسية كتاب «الانحطاط» لميشيل أونفراي يتحدث فيه عن انحطاط الغرب برمته. وتعكس العناوين الرؤية التشاؤمية لهذا التيار الفكري، كما تعكس نداء استغاثة أخيرة لتنبيه الرأي العام أو بالأحرى الغربيين إلى ضرورة التحرك للمحافظة على القيم الغربية في مواجهة غزو وتمدد قيم شعوب وثقافات أخرى ومنها العربية – الإسلامية.
وتختلف تقييمات كل كاتب مفكر في التنبيه أو الدفاع عن أطروحة إنقاذ الغرب من الانهيار. وهي  عموما أطروحات قديمة وتعود الى بداية القرن الماضي مع المفكر الألماني أزولد شبنغلر في كتابه الشهير «سقوط الغرب» سنة 1918 الذي يعد مرجعا في هذا النوع من الدراسات. ولا يرتبط هذا الكتاب باللحظة في التفسير، بل بالدورة الحضارية، وهو من المؤرخين والمفكرين من طينة أرنولد توينبي عندما كان الفكر لا يرتبط بالانفعال والتسرع والسعي وراء النجومية، كما يحدث مع مفكرين حاليا يبحثون عن الحضور الإعلامي وإبهار الرأي العام، بل كان يهدف الى ترك بصمات في الفكر الإنساني.
والمفارقة أنه في الوقت الذي يتحدث فيه مفكرون من مناطق ثقافية وجغرافية أخرى عن النهضة التي تنتظر دولهم مثل حالة الصين، يتحدث الغرب عن السقوط، لكن ما يلفت النظر في كتابات هؤلاء المفكرين هو التأريخ الذي ينطلقون منه، إذ ينطلقون من ولادة المسيح، ويجعلون من الصفر السنة الأولى للتقويم  الميلادي الذي يعتمده العالم بأكمله تقريبا، في الوقت الراهن، الولادة الرسمية للغرب. ويعتمد ميشيل أونفراي في كتابه الجديد على هذه المنهجية بقوله بألفي سنة، هو تاريخ الحضار الغربية. إن اعتماد بداية التقويم الميلادي يرمي الى تأكيد أطروحة أن الجذور الثقافية للغرب تعود الى ألفي سنة، وبالتالي يريدون القول بأن «المسيح كان غربيا». هذه الأطروحة السائدة وسط شريحة كبيرة من مفكري ومؤرخي الغرب وعلى رأسهم المحافظون تفتقد للمصداقية، اعتمادا على معطيات التاريخ نفسه.
أولا، الغرب يعتمد على العامل الجغرافي، فهو يتحدث عن أوروبا وشمال أمريكا بعد اكتشافها، بينما الديانة المسيحية نزلت في فلسطين، في الشرق الأوسط.
ثانيا، الدين المسيحي لا ينحصر في منطقة جغرافية معينة، بل مثل الدين الإسلامي يشمل كل مناطق العالم وإن كان التمركز الأساسي في أوروبا وشمال القارة الأمريكية. لكن منطقة أمريكا اللاتينية التي يرفض المفكرون والسياسيون تصنيفها ضمن الغرب هي كذلك مسيحية، علاوة على مناطق من القارة الأفريقية وكذلك روسيا، بل حتى العالم العربي توجد فيه أول جماعات مسيحية في التاريخ، ونتحدث عن منطقة الشام.
ثالثا، الغرب يعتبر نفسه وريث الثقاقة الإغريقية والرومانية، لكن الإمبراطورية الرومانية اعتنقت المسيحية بعد ظهور المسيح بأكثر من ثلاثة قرون، وبالضبط في مجلس إزنيك التركية سنة 325 في عهد الإمبراطور قسطنطين الأول. وإذا سايرنا هذا الطرح الرقمي، فالحضارة الغربية هي 17 قرنا فقط.
يقول دعاة الغرب بأن مفهوم الغرب قام على حقول متعددة، وفي الديني على المسيحية (وليس بالضرورة  «قيمها» لأن المسيحية لم تدع إلى الاستعمار والعبودية) ولكن أطروحة جعل المسيح غربيا والتأريخ لبداية الغرب بولادته تعتبر مشكوكا فيها من الناحية الفكرية، ولا تقوم على منطق صلب. إن مثل هؤلاء المفكرين يحدث لهم ما حدث للعالم الكبير إسحاق نيوتن، فقد كان صاحب نظرية الجاذبية والفيزياء الميكانيكية والمصنف من أكبر الفيزيائيين والرياضيين في تاريخ البشرية، يعتقد أن نشأة الكون لا تتجاوز بضع آلاف من السنين لأنه اعتمد الرواية الدينية، بينما نشأة هذا الكون تعود إلى مليارات السنوات، وفق النظريات الحالية التي هي قابلة للتغيير. ولو كان نيوتن قد تخلى عن الهاجس الديني في رؤيته لنشأة الكون لكان قد أبدع علميا في الجيولوجيا.
وهكذا، فهؤلاء المفكرون مثلهم مثل الكثير والحالة الأبرز نيوتن (مع الفارق في القيمة العلمية لكل طرف) يرتكبون خطأ منهجيا فادحا عندما يفكرون دينيا، وبالتالي يعتبرون الحضارة الغربية تعود إلى ألفي سنة ويعتبرون المسيح «غربيا»، لكن المسيح ليس غربيا.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

المسيح لم يكن غربيا

د. حسين مجدوبي

- -

3 تعليقات

  1. الدكتورالفاضل حسين مجذوبي : ثيمة المقال رائعة بل التقاط لما لم يسبق أنْ ألتقط من ذي قبل…
    نعم السّيد المسيح عليه السّلام لم يكن غربياً ولا أوربياً وكذلك لم يكُ من بني إسرائيل بل كانت أمه السّيدة الصديقة مريم ابنت عمران من بني إسرائيل.فمثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب.والتراب هنا من الترب ؛ الأتراب ؛ أيْ من الجيل نفسه المعاصرلصاحبه…في عملية الخلق الأول من روح الله الصمد ؛ فهوصنوآدم عند الخلق من ماء مبارك في الجنّة.لكنه التوظيف السياسي والنفسي لسرقة الحقيقة باسم غطرسة القوّة.
    فكلّ واحد يدّعي ما يراه يحقق له المصالح للسيادة على الآخرين.ولأنّ الغرب عموماً يعرف حقّ اليقين أنّ شرعيته تبدأ من الشرق ؛ تراه يغوص في شؤون الشرق سلماً وحرباً.وهنا أقولها من المفترض أنْ يسعَ أتباع السّيد المسيح من العرب إلى إنشاء ( فاتيكان شرقي ) مقره في بيت لحم ؛ مسقط رأس السّيد المسيح وهوالأصل الأصيل ؛ بدل فاتيكان روما بولس الفرع.فالمسيحيون العرب أولى بولاية السّيد المسيح من غيرهم.

  2. ثمة غرب يتآكل . او ياكل نفسه بعدما اشتد وطىء النزعة الانتهازية في قيم طبقتته المتحكمة اما شعوبه فهي مغلوبة على امرها

  3. مقال في الصميم، متفق مع الدكتور جمال البدري، وضع الضوء على موضوع شائك استغله الغرب لصالحه بينما مسقط الديانة المسيحية هو الشرق الأوسط. تعجبني مقالات الدكتور المجذوبي، وأتمنى نشره مقالات من هذا الصنف وترك هموم السياسة للسياسيين ومنها الصحراء الغربية.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left