أبناء عزرائيل

خلود حدق

Jan 11, 2017

ليلى ذات الرداء الأزرق، لم تعد ليلى بطلة الحكاية تلبس الرداء الأحمر، كما أنها لم تعد تصادف الذئب لأنه سلك طريق السماء. أخذت ليلى سلة الطعام لجدتها في الحي المحاصر الذي تفصله عنها غابة من الركام والدمار. حيث لا أزهار ولا ورود قد تلهيها عن المضي في هذا الطريق، لم يعد يعرف هل هو الطريق الطويل أم الطريق القصير، فأمها لم تسد لها النصيحة لأن جميع الطرق أصبحت طويلة بطول الحرب.
وحدها بقايا الحرب كانت تفجر مخليتها الصغيرة، فتتخيل ذاك الصاروخ الفارغ المرمي على أحد الأبنية وكأنه مذنب قد تمتطيه ويأخذها نحو النجوم، تلك الدبابة المحترقة هناك… الله لو تستطع أن تبني فوقها عرزالا بعد أن احترقت الأشجار وانقشعت رؤية البلدة من على علو العرازيل أو سطوح المنازل، لأنها باتت قريبة من السماء، التي لم تعد فسحة للشمس ولا مرتعا للسحب والغيث، بل أصبحت حلبة للطائرات التي تمطر الموت وتغتال قوس قزح.
كم ستكون تلك الفوارغ التي كانت تحتوي على الرصاص والقنابل جميلة لو أنها احتوت ألوانها المبعثرة على فراشها البارد بعد أن سرقت الحرب دفء غرفتها. بعد أن وصلت ليلى إلى بيت جدتها لم تجد الذئب في فراشها، بل وجدتها هي متكورة على نفسها من الجوع، تلعن الظلام بالصلاة أمام الشمعة اليتيمة وكأنها أمام الأيقونات المقدسة تبتهل وتتوسل الغفران. لم يجرؤ الذئب الجبان على إكمال الحكاية، فأرسل قذيفة من السماء على بيت الجدة، ليعيش نشوة الانتصار على العجوز والفتاة ويروي حكاية الذئب الأسطورة. تلاشت ليلى تحت ركام بيت الجدة، لم يسمع صراخها وأنينها الصياد، فقد كان مشغولا باصطياد العصافير لوجبة العشاء، ضحك الذئب عندما أبدع بصبغ رداء ليلى باللون الأحمر، لكن ليلى كانت تلملم أشلاءها وتمسح عن ردائها الحمرة ليعود كلون السماء التي عرجت إليها. عندما خرجت من رحمي الشمس كانت جدتي تقول: «ابن عزرائيل بيحلى».
عندما نبض القلب الصغير في أحشائي، تكورت على نفسي لأمزجه مع قلبي، لأرسل له نبضات إضافية عله يكبر بسرعه فأسكنه. كنت أحلم بدفء حضنه كوطن يزهر فيه الياسمين عنوة، كم سيكون جميلا عندما يداعب وجهي بما تحمله يداه من أصابع سكر، أقضمها تباعا لأملأ قلبي حلاوة وعشقا. كم أحتاج هذا المخلوق اليوم لأورثه الحب ويهديني الأمل الضائع في عتمة الحرب. لا احتاج تلك الأجهزة والصور لتريني أياه فأنا أراه ملء جفوني، يسبح في فضاء رحمي الذي لا يتسع لسواه في مملكة تخصه هو وحده يحكمني بدفء الأمومة وأحكمه بحبي اللامحدود لنبضات قلبه المرسلة كشفيرة تخص قلبينا لا ثالث لنا.
قطفت له النجمات وخبأتها في سريره ليلعب بها، ونسجت له قميصا من ضوء الشمس وعلقته له أرجوحة على طرف الهلال لينام على موسيقى روحي التي تطوف حوله وتدندن له دندنات الجدات، وأذبح له سربا من طيور الحمام أضعاف ما دندنت فيروز حبا لريما، سأدندن بكل ما أتيت من حب لأدفع عن أذنيه صوت المدافع وضجيج الحرب. لم يكن شعره أشقر ومنقى فحسب، بل كان يحمل خيوطا هربت من نور الشمس لتعتلي رأسه وتطرق على وجنتيه حمرة وهجا، وكأن نجمتين زرقاوين هربتا من ظلمة الليل الحالك لتجدا ملاذا آمنا في عينيه. سميته شمساً منذ أن رأيته يخرج من رحمي خروج المظلومين من أرضهم، لم يأب الخروج سوى عنوة إلى أرض الحرب والخراب بعيدا عن وطنه الأول.
«اشهق يا شمس، أنر حياتي الحالكة، في رئتي الكثير من الهواء وفي قلبي الكثير من النبض سأرسل إليك قلبي فهو لم يعد يلزمني». «يلزمك أوكسجين وحاضنة هكذا قال الطبيب بحرقة، فلا كهرباء لأجهزة الأمكنة المدماة بالموت، هرعت لإنقاذك واحتضانك وغرزك في رحمي من جديد، لكنني فشلت، قطع عنك حبلي السري، وقطعت عنك الحياة في أرض الموت، لم تحتمل أن تتنفس رائحة البارود المعشق بصرخات الأطفال ونحيب الثكالى. هذه هي أرضي المحترقة يا ولدي الذي أبيت أن تعيش فيها. خرجت من رحمي شمسا لأرسلك هدية لعزرائيل، لم خطفت الشمس ياعزرائيل، لم خطفت مني الشمس؟».
أطفال الثلج قرابين الطاغية
هائمة على وجهها تمضي، تنظر نحو الأفق البيعيد، تدير لها الشمس وجهها، وتعصر السماء فوق رأسها كما هائلا من السخط. كومة لحم هكذا كانت ولازالت تسميهم يهيمون معها باحثين عن مأوى يضم أعوادهم الغضة، لم يعد لأكوام اللحم المبعثرة هنا وهناك أي سقف، هي الخيمة في أضعف الإيمان كل ما يمكن أن يلتحم هذه الأرواح تحتها أملا بالنجاة من الموت بعد هربهم من الموت. تسارع تحت سقف القماشة البلهاء كمن يحتمي من الرصاص بدرع ورقي، هشاشة تلك الخيمة كانت أشبه بقلبها المرتجف الذي يترنح يمنة ويسرى كثمل أهوج يقاوم السقوط، ينفطر على قلوب صغيرة تحوم حولة متوسلة الدفء. لم يعد للسماء عطايا سوى الموت؟
تحوم روح الطاغية خلف أطفالها، فقد استزاغ قطف الأرواح الغضة بعد أن يعتصرها الألم، فقد استشاط من ضحكات تترد في أذنيه كقنابل. تقطف كل زهرة منهم من بين ركام الثلج وتزرعها في قلبها لتدفء لكن هيهات أن تستطيع فلم يعد للدفء طريق على حضنها، تمتزج تلك الخفقات المرتجفة المتباطئة تبعا وكأنها نبض واحد يستسلم في تقديم القربان للطاغية، فالأشكال التي يشتهيها كثيرة موت بالدم وموت بالجوع فما بقي إلا أن يتحلى بموت الثلج. كان الأطفال يلهون ويمرحون بصنع رجال من الثلج، لكن بعد أن أصبحوا أطفالا من ثلج ذاب الرجال من قهر أدمعهم.
تكورت الأجساد على بعضها وتركت بقعة سوداء على جبين الثلج الأبيض، والطاغية مازال يطلب القرابين ويطلق أرواحه الشريرة لحصدها ليجعل من نفسه أسطورة الشر الأبدي.

٭ سوريا

أبناء عزرائيل

خلود حدق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left