الفريسة والصياد في رواية «صائد اليرقات» لأمير تاج السر

موسى إبراهيم أبو رياش

Jan 11, 2017

رواية «صائد اليرقات» للروائي السوداني أمير تاج السر من الروايات التي تجبر قارئها على أن يتأرجح بين المرح والأسى، بين السخط والرضى، بين الابتسام والعبوس، بين الأمل والألم. رواية ساخرة من كل شيء؛ من المثقفين، الكتابة والكُتَّاب، السلطة ورجال الأمن، المواطنين. سخرية لم توفر أحداً، فالسخرية هي سلاحنا المتبقي للتغلب على مرار الحياة وعِلَّاتها.
قبل أن تقرأ الرواية أو عنها، يبدو العنوان مخادعاً، فـ»صائد اليرقات» ربما تكون رواية ذات منحى علمي، تتناول عَالِماً أو مُزارعاً أو باحثاً يقوم بصيد اليرقات بقصد دراستها أو زرعها في بيئة أفضل بُغية الإكثار منها. ولكن أثناء قراءة الرواية يتضح أنَّ الصياد هو روائي أو كاتب على درب الرواية، واليرقة المقصودة هي الشخصية المحورية للرواية أو فكرتها الأساسية، وكيف أنَّ براعة الكاتب في صيد هذه اليرقة ورعايتها لتنمو وتترعرع حتى يكتمل نموها فراشة زاهية الألوان، في كتاب يُمتع القارئ، ويُعجب الناقد. ولكن المؤسف أنَّ كثيراً من اليرقات تموت في مهدها، ومع ذلك يُصر الكُتَّاب على أن ينشروها في جنازات على شكل كُتب يُسمونها قسراً رواية. وربما للكاتبة الأنثى الحظ الأوفر من ذلك، كون يرقتها لا تموت، وهي فراشة جميلة فاتنة قبل أن تولد؛ فالنشر والنقد منحازان للأنثى، ولا يعدمان المبررات.
الكتابة فتنة وحلم. الجميع يرغب بأن يكتب، أن يكون له نصٌ مقروء، أن يُقرن اسمه بلقب كاتب أو قاص أو روائي أو صحافي، مما يجلب الإعجاب والتقدير. ليس مهماً التراكم المعرفي، وخبرات الحياة، والقدرات الفنية واللغوية، والرغبة الجارفة بالكتابة والبوح، بل الكتابة عند الكثيرين قرار، حتى لو كان أميَّاً. ولذا لا عجب أن قرر «عبدالله فرفار» رجل الأمن المتقاعد، أن يكتب رواية، ولم لا؟ فهو يعاني من وحدة وفراغ، ولديه خبرات في كتابة التقارير الأمنية عن الآخرين، والأهم لديه الدافع وهو الغيرة من بائع ورد بنغالي، ومن الإسكافي الراوندي الفقير، ومن بائعة الهوى السايغونية، حيث كتب كل منهم رواية أو روايات ونجحت. وهو أولى وأدعى أن ينجح.
ثم ما الفرق بين الرواية والتقرير الأمني؟ أليس الخيال و(الكذب) و(التلفيق) وتحليل الشخصيات من العناصر المهمة لكل منهما، صحيح أنَّ اللغة قد تختلف، ولكن مَنْ يهتم؟ ألم يقل إبراهيم الكوني: «الأدب اليوم ليس أدباً، الأدب اليوم عبارة عن تقارير، هذه التي يطلق عليها اسم روايات، هي ليست روايات». فإذا كانت الروايات تقارير، فالتقارير روايات بالتبادل، و»عبدالله فرفار» من حقه أن يصبح روائياً يُشار له بالبنان، ولم الاعتراض، وفي المكتبات روايات لمن لا يقرأ في حياته كتاباً، حتى كتبه المدرسية في الصفوف الابتدائية لم يُكملها بعد. وإذا كان الزعماء ورؤساء الدول يكتبون الروايات والقصص وهم بغير حاجة لا للمال ولا للشهرة، وإنما هي شهوة اغتصاب القلم للورقة التي تراودهم، أفلا يحق لعامل النظافة، والعتال والسمكري وبائع الترمس ورجل الأمن وحتى أنا أن يكتب روايته، فلكل تجاربه الحياتية الغنية، ورغبته الدفينة بالخلود. «عبدالله فرفار» يحاول على الأقل أن يكتب، ولم يشترها جاهزة ممن يعرضون أقلامهم للبيع.
الكتابة الإبداعية في أوطاننا لا توفر للمبدع حياة كريمة، بل لا توفر أي حياة من أي مستوى، إلا لقلة قليلة وبشق الأنفس. ليس لأنَّ الإبداع لا يُطعم خبزاً ولا يُدرُّ مالاً، بل لأنَّ المبدعين ارتضوا الدنية في إبداعهم، وباعوا أنفسهم لشياطين هنا وهناك، وقبلوا بالفتات إن وجد، ومعظمهم يدفع مالاً ومواقف ومصالح وربما كرامة وعرضاً ليُنشر له. عندما يبخس الكاتب نفسه، ولا يعرف قيمة ما يكتب، فلا يحق له أن يُطالب الآخرين باحترامه، ووضعه في المكانة التي ينشدها. يستطيع المبدع في معظم الدول الغربية أن يعيش من ريع ما ينشر، وبعضهم يصبح مليونيراً، لأنَّ لديهم أعرافاً ثقافية تحمي المبدع، وتُجّرِّمُ استغلاله، وتُعلي من قيمة ما يكتب إن كان يستحق، ووراء كل مبدع آلة إعلامية وتسويقية تروج له بين الجمهور المتعطش لكل جديد يشكل إضافة حقيقية للإبداع.
الوسط الثقافي في معظم أوطاننا العربية بشع، نفعي، منافق، نرجسي، مريض. تتراكم فيه المفاسد فتحيله خراباً فاقداً لأي تأثير. سوسة الوسط الثقافي من داخله، فهم يُخربون بيوتهم بأيديهم، وما لم يشتغل هذا الوسط على نفسه، وينظف فناءه، ويساند بعضه بعضاً، فلا أمل في مستقبله، وسيبقى يراوح مكانه كحمار الساقية. الثقافة لا يُمكن أن تنمو برعاية ودعم السلطة، لأنَّ السلطة تريد ثقافة تكرسها وتشرعنها، لا ثقافة ترتقي بالوطن، وتُعلي شأن الأمة. المثقف الحقيقي والسلطة لا يلتقيان إلا في قاعات المحاكم أو المقابر. الثقافة تنتزع حقوقها انتزاعاً، وتبني صروحها بقوتها، وتفرض مكانتها بإنجازاتها، وتشق طريقها بجودتها وثباتها وإخلاصها لقضايا الشعوب. وغير ذلك فهي ثقافة هشة جوفاء، لا جذور لها، لا تلبث أن تذروها الرياح. القلم سلاح خطير جداً، وربما هو الأخطر على مر التاريخ، ولذا فهو يحتاج إلى دربة وخبرة واتقان، وإلا ارتد على صاحبة وبالاً وخسراناً. ولذا فحملة القلم محاربون من السلطات في كل بلد، محاربون من كل ذي سلطة ولو كان مسؤولاً عن نعجتين. فالسلطة ترتعب من الكلمة أن تكشف عيوبها، أن تعريها، أن تفضحها، أن تسلط عليها الضوء، لأنَّ كل سلطة ظلام أو تحب الظلام وأن تعمل في الظلام، بعيداً عن عين الرقيب، والقلم الحر أقوى رقيب، وأخطر رقيب، وأهم رقيب. ولذا لا عجب إن كان «عبدالله فرفار» وزملاؤه يراقبون الكُتَّاب والصحافيين والممثلين وغيرهم، ويرصدون أقوالهم وهمساتهم وحركاتهم ولغة أجسادهم وحتى صمتهم، وإن أعوزتهم الحيلة، فلا يعجزهم أن يتخيلوا ما يحدث بينهم، وما ينوون فعله أو قوله وما يخططون له، فلا يجتمعون إلا لأمر ضد السلطة، يدبرون بليل. وفرفار ومن على شاكلته يحسبون كل صيحة عليهم، يكتبون كل ذلك في تقارير أمنية مفصلة، ترتفع من مسؤول إلى مسؤول لتصب في النهاية في يد الفرعون الأعلى عن مؤامرة أو مخطط لتخريب البلد والإطاحة به.
القلم الحر، والمثقف الحقيقي الذي يُلامس هموم وطنه، ولا يستكين، هو الخطر الحقيقي على السلطة – بنظرها بالطبع – فمروج الأفكار أخطر من مروج المخدرات، وكشف الذين سرقوا الوطن أخطر من اللصوص والقتلة، وفاضح زيف أزلام السلطة وفسادها أخطر من مغتصب الأطفال ومنتهك الأعراض، والحريص على الوطن المغموس بهمومه أخطر من العدو الخارجي، ولذا كان من الضروري مراقبته ومحاصرته وكسر قلمه وتصفيته عند الضرورة.
المشكلة الكبرى في أوطاننا هي العقلية الأمنية التي تحكم الجميع، مواطنين ومسؤولين دون استثناء، فالكل ينظر للآخر نظرة شك وريبة وتوجس، تتحول ببساطة إلى تأويل وتفسير، ومن ثم استنتاج تُبنى عليه مواقف قاطعة لا تحتمل الشك أو التردد. وهذا يؤدي إلى تفتت العلاقات، وتفسخ الوشائج الاجتماعية، وقطع الأرحام، وعدم الثقة بأحد، وبالتالي ينعكس سلباً على الإنتاج والجودة والعمل، فيسود الترهل والتهرب والغش والفساد، والتدخلات وانعدام المسؤولية وضعف الانتماء الوطني وانتفاء الولاء إلا للأقوى والأغنى.
تحقيق الأحلام البسيطة، غاية المنى عند كثير من المواطنين، هي أحلام بالنسبة لهم، ولكنها عند غيرهم من الشعوب مجرد أشياء عادية في متناول اليد. هل يعقل أن يتطلب تحقق حلم المدلك في الرواية بدور كومبارس في مسرحية سنوات طويلة؟ ربما لأنَّه يعيش هذا الدور واقعاً، ولا حاجة له بتمثيله، إلا إذا كان ثمة دور في الحياة أدنى من الكومبارس. وهل يعقل أن يكون تكريم المشجع من قبل الرئيس وصوره المنشورة هي رأسماله وقوته وثروته التي يكافح من أجل الحفاظ عليها، ويقضي بقية عمره في التغني بها وعرضها على الآخرين كطقس يومي لا ينتهي؟ أي بؤس يعيشه المواطن العربي لتصبح حقوقه الأدنى أحلاماً قد يموت ولم تتحقق؟ النعجة لو ثغت يسارعون اليها بالحشيش، والبقرة عندما تخور يجلبون لها الماء، والكلب إذا نبح يخرج أصحابه لتفقده ومعرفة سبب نباحه، ولكن المواطن العربي لو صرخ شاكياً فلن يجد إلا السوط علاجاً ودواءً. الصراخ محرم، إما أن تنتظر العلف كالدواب حينما تشاء السلطة أو تموت صمتاً وقهراً. إما أنّ تكون صياداً في هذه الحياة أو فريسة. حاول «عبدالله فرفار» أن يصطاد يرقة يرعاها ليكتمل نموها على أوراقه، ولكنه فشل. وانتهى به الحال يرقة مكتملة النمو على يد الروائي (أ. ت). فالصياد الماهر لا يفلت صيداً جاءه يسعى على طبق من ذهب. وفي المقابل سيكون مقهى الجميز دغلاً وفيراً للطرائد السمينة، وعلى الأخص الروائي (أ. ت)، والروائية (س)، يصطاد فيها «عبدالله فرفار» ما يشاء وعلى مهله، فهو خبير بالصيد وعادات الطرائد وأوقات ورودها الماء، وعليم بلغتها وكاشف لأدق أسرارها.
هكذا هي الحياة في النهاية، أن تكون فريسة وصياداً في الآن نفسه، والأنكى أن تكون فريسة لصيدك.
رواية «صائد اليرقات» مرآة كبيرة مكبرة، متوفرة لكل كاتب ومثقف ومبدع أن يرى نفسه فيها قبل أن يُقْدِمَ على الكتابة والنشر، خاصة كتابة ونشر الروايات، علَّها تُبَصِّرُ ببعض العيوب والتشوهات المنزوية هنا وهناك، فيتأنى مَنْ يُريد النشر، ولا يفعل إلا بعد أن تستوي الرواية على سوقها، باسقة بهية، لا تخشى الرياح، ولا تتطلب ركيزة هنا وعكيزة هناك.

٭ كاتب فلسطيني

الفريسة والصياد في رواية «صائد اليرقات» لأمير تاج السر

موسى إبراهيم أبو رياش

- -

1 COMMENT

  1. أميرالرّواية العربية الدكتورأميرتاج السرّ…روائي في الجينات ؛ فهوعندي خليفة الطيّب صالح ؛ ذاك كان له موسم هجرة إلى الشمال ؛ وهذا له مواسم هجرة كثيرة إلى النساء والرجال ؛ كالنيل الزلال.عرض وتقديم حقق متعة القراءة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left