سيكولوجية الموظف المقهور

د. مدى الفاتح

Jan 11, 2017

على غرار نظرية «الانسان المقهور» يمكن القول إن الموظف الكبير الذي يتلذذ بتعذيب معاونيه، وجعل حياتهم صعبة، والذي وصل إلى هذه الدرجة بعد عشرين أو ثلاثين عاماً من العمل المتواصل، ذلك الموظف الذي يبدو متجنياً، هو في الحقيقة ضحية للأسلوب الذي وجده والذي ترقى به وعبره حتى وصل إلى درجته الحالية.
إنها نهاية معتادة لشخص عاش لسنوات مقهوراً من قبل رؤسائه الذين لم يكونوا ليمنحوه الثقة الكاملة حتى يبدع في عمله، أو يبتكر أو يبادر ليخرج هذه الوظيفة من إطاراتها الصندوقية القائمة على الحفظ والتسميع، فقد ظل يمارس مهام وظيفته تماماً كما يمارس تلميذ المدرسة في الدول النامية وظائفه المدرسية، ومثلما تربى التلاميذ على التقليد و»عدم الافتاء» ومثلما تم تحذيرهم من التفلسف وضرورة التقيد بالمنهج، ليتم نقله كما هو على ورقة الإجابة عند الامتحان، بمثل هذه الطريقة العقيمة التي تجاوزها حتى التلاميذ في المناهج التعليمية الحديثة، يتصرف ذلك الموظف الذي تثير حساسيته كلمات مثل «التغيير» و»الابتكار» و»التجديد» فهو يرى أنه لا ضرورة لذلك كله، وأن الخير كل الخير في اتباع النهج الذي ورثه عن سابقيه وسابقيهم.
مثل أولئك الموظفين يبدو أشبه بالذي كان يعيش داخل زنزانة لا تدخلها الشمس. مع مرور الوقت سيعتاد على الظلام، حتى أنه يبدأ نسيان نور الشمس، بل إن تعرضه المفاجئ لضوء باهر بعد كل تلك الفترة قد يقوده إلى العمى. وهكذا حين يصل ذلك الموظف إلى دفة القيادة، ويصبح منوطاً به اتخاذ قرارات وتنفيذ سياسات فإنه في الغالب يفشل، فهو ببساطة لم يعتد على ذلك الضوء، بمعنى أنه لم يعتد على التفكير والابتكار وإيجاد الحلول فقد كان يعتمد طيلة حياته فقط على تنفيذ ما يتنزل عليه من توجيهات، وحتى في اللحظات القليلة التي كان يستشار فيها من قبل مديريه فإنه كان يكتفي بمحاولة قراءة ما يهدفون إليه، حتى يوجه آراءه في الاتجاه ذاته خوفاً من الاتيان ببدعة قد تثير حفيظة من هم بالأعلى.
أي أنه سيكون في نهاية المطاف قائداً فاشلاً لا يجرؤ على اتخاذ أي قرار، ومهما علت مرتبته فإنه سيكون على الدوام مهووساً برأي من هم أعلى منه ويتصورهم مراقبين لكل تحركاته، أو أنهم يودون أن يمسكوا عليه أي خطأ حتى يجردوه من هذه المكانة التي وصل إليها بعد صبر. هذا الهوس، الذي يصل في بعض الأحيان درجة مرضية تستوجب العلاج، يؤدي بهذا الموظف الكبير، الذي يفترض أن يكون صاحب قرار إلى إحدى نتيجتين: فهو إما أن يتسرع ويعمد، من أجل إثبات شخصيته الجديدة، على اتخاذ قرارات حمقاء وغير واقعية، أو أن يحتمي باللوائح والقوانين ويجعل تحركاته لا تخرج عن إطارهما. هذا المنحى الأخير هو الأكثر شيوعاً والسبب واضح فللأسباب التي ذكرناها يريد ذلك الموظف أن يجعل كل تصرفاته مبررة، بحيث لو تمت مساءلته في يوم من الأيام، ونادراً ما يحدث ذلك، يستطيع الإجابة بأنه كان ينفذ المادة الفلانية من القانون. الخطورة في هذا المنحى هي في كونه سوف يتعامل مع كافة القضايا بالمنظور القانوني الجاف فلا يراعي مصلحة ولا احتياجاً انسانياً، كما سيبدو عاجزاً عن تقديم أي تنازل أو إجراء أي استثناء لم ينص عليه القانون بشكل واضح، حتى إن كانت روح القانون نفسها تمنحه مساحة للتحرك بما يراعي المصلحة العامة. كل ذلك سيؤدي في النهاية إلى خدمة بيروقراطية خالية من الإبداع ومتكلّسة.
هذا النوع من القادة يحرم نفسه من أهم ركن من أركان النجاح وهو التشاور مع مرؤوسيه، والاستفادة من أفكارهم، فهو في أعماق نفسه يرى أن في مثل هذه الاستشارات خروجاً عن العلاقة التقليدية التي يجب أن تجمعه مع موظفيه، وأن الأصل هو أن يبقوا سلبيين محايدين أو مجرد منفذين لما يأتيهم من الأعلى تماماً كما ظل هو لعشرات السنين، أي أن العمل لا يتم بروح الفريق حتى إن كانت هذه هي الكلمة المفضلة لديه، التي لا يمل من تكرارها إبان كل لقاء له مع زملائه من الدرجات الأصغر. فهو يؤمن بأنه الأفضل، وهو الأفضل ليس بعلمه أو قدرته أو تدريبه وإنما يستند التفضيل إلى كونه الأقدم وصاحب سنوات الخبرة الأكثر. وكثيراً ما يعمد مثل أولئك على تكريس قاعدة «الأفضلية بالأقدمية» التي يمكن أن تكون لحدٍ ما، مقبولة في الإطار العسكري، ولكن ليس في أطر الخدمة المدنية.
في نهاية المطاف يتحول ذلك الموظف الذي عاش مقهوراً إلى موظف قاهر. في الواقع فإنه قد عاش عمره بانتظار الوصول إلى هذه الدرجة التي يستطيع فيها أن يمارس بعض ما مورس عليه، خاصة إن كان قد تعرض لظلم وظيفي فحينها تتضاعف رغبته في ممارسة القهر، لاسيما ضد الأجيال الجديدة من الموظفين الذين ينظرون للأمور بعين أكثر انفتاحاً والذين سيكون من الصعب عليهم تقبل الانحباس في ذلك الصندوق الذي لا تدخله الشمس.
سيخوض المقهور صراعاً غير مبرر مع موظفيه غير القابلين للتدجين، الذين سيحاولون بين فينة وأخرى تقديم مقترحات ومبادرات لتطوير العمل بما يتناسب مع العصر الجديد، وبما توفر لديهم من إطلاع وتدريب. ستتحول ساحة العمل إلى حلبة صراع سيكون المقهور هو المنتصر فيها في غالب الأحوال، فهو الموظف الأكبر الذي يملك، بخبرته، مهارة تفسير القوانين بما يلحق أكبر الضرر بمصلحة من يناوئه من الجيل الجديد، كما أنه ليس وحيداً، بل سرعان ما سيجد أولئك «المبتدعون» أنفسهم في خضم صراع مع طبقة من الموظفين الكلاسيكيين المتربعين على أعلى الهرم والذين يعتبرون أن مفردة الابتكار نفسها تحوي إساءة للنظام الإداري المتوارث واتهاماً له.
البعض يعتبرون أن هذا الوضع المعقد، الذي لا يسمح بتطوير ولا تقدم هو نتيجة المناخ الاستعماري الذي كان موظفوه يعاملون المواطنين فيه باحتقار بمن فيهم المواطنون الذين أخذوا حظاً من العلم وصاروا يعملون تحت إدارتهم. كان المستعمر يتعامل بتعالٍ حيث أنه كان يصور نفسه ممتلكاً للمعرفة الكاملة، باعتبار أنه قادم من أرض الأنوار ومتحصل على تعليم لا نظير له محلياً. هذا الوضع استمر مع الجيل الأول من الموظفين الذين نشأوا أيام الاستعمار وظنوا أن ما حصلوا عليه من تدريب على يد «الخواجة» المباشرة كفيل بأن يجعلهم متفوقين للأبد على كل من سيلتحق بالعمل معهم مهما كان تدريبه وخبرته.
لكن مع مرور السنين والعقود سوف تدخل العلاقات الوظيفية مراحل أكثر تعقيداً ليصبح بعض الموظفين الجدد أكثر تأهيلاً، من الناحية الأكاديمية خاصة، ممن هم أعلى درجة منهم. وعلى عكس ما يُتوقع فإن هذا لم يردم الفجوة الشعورية التي خلقها السلم الوظيفي، بل على العكس ساهم في ذلك الصراع غير المبرر الذي مصدره إصرار المصاب بعقدة القهر على إثبات أن سنوات خبرته الطويلة تعادل كل تدريب وشهادة وأن مرؤوسه حتى إن كان يحمل شهادة جامعية أو فوق جامعية فإن ثانويته أو دبلومه المتواضع سيظل أكثر أهمية منه بالنظر لسنوات خبرته المتطاولة. سنوات الخبرة هي الأخرى ليست سوى مصطلح فضفاض، فكما يقول منظرو التنمية البشرية هناك خبرة لعشرين عاماً وهناك خبرة لعام واحد متكررة لعشرين مرة!
كاتب سوداني

سيكولوجية الموظف المقهور

د. مدى الفاتح

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left