الأردن: «الجوع لا يخاف»

بسام البدارين

Jan 11, 2017

يختصر احد قادة العشائر في الاردن تلك المسافة الحرجة بين التردد والخوف وهو يجمع اولاده ويطالبهم بالسكوت والتغاضي عن المجاورين الذين يسرقون من مزرعته الخاصة والكبيرة على اساس العبارة التالية «الجائع لا يخاف يا اولادي».
حسب هذه الرواية المنقولة تراثيا استغرب الاولاد لأن والدهم الشيخ يمنعهم من استخدام السلاح لفرض هيبة مزرعتهم التي يسرق منتجاتها في الليل بعض الغرباء والمجاورين من سكان المنطقة.
وجهة نظر هذا الشيخ ان استخدام السلاح والعنف قد ينفع مع اللصوص والمنحرفين لكنه لا يمكنه ان ينتج عندما يتعلق الامر بالجائعين.
حادثة استوقفتني وانا استمع لها من احد الاصدقاء الخبراء وهو يعتبر بان السلاح والقانون والهيبة لا يخضع لها الجائع حصريا فمن يجوع لا يخاف من شيء ويحمل روحه على كفيه.
تبدو مثل هذه الحكاية الصغيرة مقدمة مناسبة لإطلاق غابة الاستفسار والتفاؤل عن حقيقة كيفية تفكير صانع القرار في الاردن بتداعيات سلسلة من القرارات الاقتصادية الصعبة التي تلوح بها الحكومة مقابل برلمان وديع يحاول عبثا مجاملة الحكومة والسلطة تحت ستار تقدير الظروف العامة اكثر بكثير من الاجتهاد في احترام وتقدير اوجاع الناس خصوصا الاقتصادية.
شخصيا لم يسبق لي ان رأيت او رصدت حزمة من القرارات والاتجاهات القاسية تسارع اي حكومة لفرضها بالطريقة الحالية.
وبعد ربع قرن من المتابعة المهنية لم يسبق لي ان شعرت بذلك الفارق والهامش المتسع بين اوجاع الناس على الارض وتفكير الحكومة المشغولة حصريا بهاجس اسمه خفض العجز المالي وبصورة تتطلب حزمة رفع للأسعار والضرائب لا يوجد من يتخيل بين الاردنيين انها يمكن لأن تتصدر بهذه الغلاظة والخشونة وبنفس الوقت.
تهدد الحكومة الناس عبر التوسع في الحديث عن المديونية التي اقتربت من حاجز الـ 40 مليار دولار وما يثير القلق والسؤال هو ان السلطة تريد من المواطن الاردني الصبر والاحتمال والتسليم بدون اي شروحات مقنعة تجيب على سؤاله العالق حول الاسباب التي ارتفعت بالمديونية إلى هذا المستوى.
بدا غريبا جدا ان تعويض العجز المالي وسيلة لا تقابلها سياسات تقشف حقيقية على مستوى الانفاق خصوصا على صعيد المساحات التي تقنع المواطن بان الحكومة ونخبتها مستعدون للتضامن معه ولو على اساس المشاركة في تحمل الاعباء.
وبدا اكبر من الغرابة ان يعلن رئيس المشروع النووي الاردني الدكتور خالد طوقان بانه يبحث عن تمويل لمشروعه بمقدار 7 مليارات دولار في الوقت الذي يغرق فيه الاردني المواطن بحسابات القرش والدينار في اليوم التالي لاستلامه لراتبه وفي نفس الوقت الذي يتراجع فيه الاستثمار وتبدو الحلول السياسية الاقليمية والدولية غير فعالة او مطروحة بسبب سلسلة من الاخطاء الفادحة في الاصطفاف السياسي.
لا اعرف طريقة لإقناع المواطن الاردني بان احفاده واولاده في الظرف الحالي الصعب سيتحملون عبء استدانة المليارات السبعة التي يلمح لها والد المشروع النووي الاردني.
ولا اعرف بالمقابل سببا مقنعا يدفع اي حكومة وفي اي وقت لزيادة اسعار كل السلع والخدمات وبطريقة قاسية وغليظة وليس بالتدريج كما كانت العادة وعلى طريقة الحقنة الواحدة سريعة التأثير فمثل هذه السلوكيات كانت تتجنبها الحكومات المتعاقبة تحت عنوان الحفاظ على الامن والاستقرار في الوقت الذي لم نعد نسمع فيه تلك الكلمات والعبارات اللعوبة التي تتحدث بالعادة عن خطة رشيقة لتوجيه الدعم لمن يستحقه من فقراء الناس في برامج السلع والخدمات.
نقدر ظروف البلاد ونعرف حساسية الموقف وقد نشكر الحكومة الحالية على شفافيتها وجرأتها في المصارحة لكنها لا ترد على تلك الاجتهادات التي تقترح البدائل وتبدو مستعدة للإسراع الخشن في حزمة اصلاحاتها الاقتصادية بدون اظهار ولو قدر من التعاطف مع المسحوقين من ذوي الدخول المتآكلة او حتى مع الطبقة الوسطى التي انضمت للفقيرة في الوقت الذي يستطيع فيه اثرياء المجتمع والقوم الدفاع عن مصالحهم اما عبر حقائبهم الوزارية الممثلة او عبر مقاعدهم في البرلمان او بواسطة تمويلهم للضجيج والاعتراض الاعلامي بين الحين والآخر.
نعم نقدر الظرف الاقتصادي والمالي ونلمس تلك الضغوط التي تتحرك الحكومة بينها ونصفق للإبداع السياسي والامني بعد تجاوز البلاد والعباد لأزمة وحقبة الربيع العربي بالحد الادنى من خسائر الاقتصاد فقط.
نقدر كل ذلك لكن ظروف الناس ايضا صعبة وبعض المبالغ التي تابعتها سلطات القضاء وتفيد بان اشخاصا سرقوها ويطاردهم نظام العدالة تساوي وتوازي رقم العجز المالي المنشود فيما نشعر بان الطاقم الاقتصادي يبالغ في الاجراءات ويتجاهل البدائل ويسعى لتحقيق فائض مالي يتجاوز قيمة العجز المعلنة.
بعد تقدير كل ذلك لا بد من التوقف ولو قليلا عند آهات المتألمين من الناس خصوصا مع توسع قواعد الفقر والبطالة وتدني المداخيل وضعف الوظائف وجنون الاسعار في كل مناحي الحياة.
نعم على السلطة ان تتوقف لأن الترف الاقتصادي والمالي الناتج عن طبقة وسطى كانت مستقرة لم يعد موجودا ولأن الناس قلقون ولأن الكثير من المواطنين اصبحوا على اعتاب الجوع وتحت ودون مستوى خط الفقر المعلن بالأرقام الرسمية.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الأردن: «الجوع لا يخاف»

بسام البدارين

- -

8 تعليقات

  1. يعنى مش بس مصر اللى بتعانى كل العرب بتعانى دولعدد سكانها ما يكملش احد الاحياء فى القاهرة العريقة وتعانى من عجز مالى كبير لكى الله يا مصر العروبة يا مصر الحضارة ارفعوا ايديكم واقلامكم عن مصر وسيبوها فى حالها تبنى مستقبلها نحن لسنا بحاجة لكم
    الله عليك باصدقاءى اما اعداءى فانا كفيلنا بهم

  2. يؤسفنا جميعا في الاردن ان نقول ان الذين سرقوا البلد لم تتم مسائلتهم مطلقا بل ان ثرواتهم في ازدياد والحكومة توفر لهم الحماية الكامله نعم ما سرقوه يعادل حجم المديونية يعني ببساطة ان مبلغ الثلاثين مليار هي في الواقع سرقات الطبقه المتنفذه التي لم تحاسب الى الان عن هذه السرقات وهؤلاء لديهم جوازات اجنبيه يستطيعوا الهرب من البلد اذا احسوا ان هناك شيئ يحاك ضدهم وهذا لن يحصل كما ان كل ما سرقوه تم تحويله الى البنوك السويسرية ولا يوجد شيء بأسمائهم في البلد وانا لا اقول سوى حسبي الله ونم الوكيل على كل من سرق ولم يحاسب وعلى كل من امن له الحماية .

  3. (لم يسبق لي ان شعرت بذلك الفارق والهامش المتسع بين اوجاع الناس على الارض وتفكير الحكومة) هذا صحيح

  4. اخ عامر خلينا نكون واقعيين. صحيح هناك فساد و سرقه من عشرات أفراد المافيا من الطبقه المتنفذة لكن سبب المديونية الأكبر من هو من فساد ملايين المواطنين العاديين الذين يقبضون رواتب بدون عمل حقيقي و تقاعد و هم في سن الثلاثينات و من موظفين عاديين لا تجدهم على مكاتبهم و يطلبون حلوان لقاء عملهم و من رجال أمن يلغون مخالفات أقرباءهم و من طوافين يغمضون اعينهم على تعدي الناس على أراضي و مياه و كهرباء الدوله مقابل ٢٠ او ٥٠ ليره.
    سبب المديونية اخ عامر هو كسل الانسان الأردني و فساد المواطن العادي و قله انتماءه و قله اخلاقه و كثره الكذب و النفاق من جميع طبقات المجتمع. مجتمع عايش على الفشخره و التسحيج.
    قال شو ارفع رأسك انت اردني.
    و لباقي عندك

  5. الكثير من المؤسسات والهيئات تنفق المئات المئات من الملايين دون مساءلة ولو هناك ميزانية ومحاسبة لما وصلنا الى نصف هذا الرقم .واصبح عندنا وعلى مستوى الجميع دون استثناء ان الفساد والحرام هو الذي لا تطوله يدك . ونحن متأكدون ان الحكومة لو رفعت اضعاف ما تفكر فيه فلن يتحرك مستوى الدين الا للأعلى فالقربة مخزوقة والصرف بلا رقيب والكل يشارك بالتهب فما أكثر الأغنياء الذين يتقاضون معونة وطنية وما أكثر الهبات والأعطيات وما أكثر البرجوازيين الذين يسافرون الى الخارج على حساب الدولة للأستجمام بقصد العلاج وما أكثر من سفرات الوزراء والبدلات عن السفر والإقامة وما أكثر التعيينات في القطاع العام على حساب المحسوبية ومن طرف الذين يحاربون المحسوبية . وان شئتم اقرؤوا الورقة الخامسة لجلالة الملك فلقد شخص الداء فمن لهذا الداء ويتقدم لعلاجه .

  6. هذا المقال يعكس مدي تخبط الحكومات المتواليه في الأردن…….وسؤالي هو لماذا تُحمّل الحكومات الأردنيه فشلها علي المواطن الأردني وترفع عليه الأسعار وهو ماله في الحكومه لا ناقه ولا جمل ولا يثق بحكومته أصلاً……إذا أرادت الحكومه تحميل المسؤليه للمواطن فعليها جعله مشاركاً في صناعة القرار والمحاسبه لا عن طريق مجلس النواب الفاسد المزور بل عن طريق أفراد شُرفأ يختارهم الشعب ليشاركو في صناعة القرار والمحاسبه…

  7. *حسبنا الله ونعم الوكيل
    في كل (مسؤول) فاسد..
    *للأسف (حكومتنا ) في واد
    وعامة الناس في واد آخر..
    * حمى الله الأردن الغالي
    من الأشرار والفاسدين.
    سلام

  8. ل أردني صريح من الاردن !!!!
    انا فلسطيني اردني متابع دوما لمقالات الأستاذ بسام البدارين المحترم ، عندي ملاحظات ارجو نشرها من باب حريه التعبير
    يا اخي انت غريب عجيب ، وكلامك كله مبالغات وفيه الكثير من عدم الاحترام للآخرين
    اولا: كل مقال كتبه الأستاذ بدارين وانت مهاجم الأجهزه الامنيه في الاردن ! يا اخي العزيز راتب اي فرد في الأجهزه الأمنية لا يتجاوز 300 دينار ، لا يكفي حتى توفير الخبز لأهله ، وكل الأردنيين بعرفو انهم 24 ساعه طوارئ عشان يوفرو الامان للمواطنين
    لهيك نفسي اعرف كيف هاذ سبب الفساد بالاردن على رايك الخيالي !
    ثانيا ، عيب تحكي بشماته عن عمليه الكرك ، وفي شهداء وأبناء عائلات محترمه
    يا اخي الأمن الاردني أحبط مئات العمليات بحرفيه ، فإذا فشلت عمليه لا يعني هذا قصور أمني ، ألمانيا بعظمتها قعدت شهر بدور على شخص واحد
    لهيك عيب عليك تهاجم اجهزه أمنيه تسهر على راحتك ،
    ثالثا نصف الشعب اللي دايما بتهاجمه همو اخواننا واهلنا وأبناء البلد ، وانا مقيم في الخليج من 30 سنه ، بقولك انهم هون من كل طبقات المتعلمين دكاتره ومهندسين وغيره ،
    اخيرا ، الفساد بالاردن معروف سببه ( فساد طبقه الحكم من كل الأصول و فشل بناء مجتمع اقتصادي وضعف موارد البلد والهجرات المتتاليه من دول الجوار ) بالإضافة لعقليات البعض
    اخيرا أخوي العزيز ، رجاءا ما تظل بعد كل مقال لاستاذ البدارين تعيد اسطوانات
    شكرا للقدس العربي على حريه التعبير

Leave a Reply to عبدالقادر محمد/مصر الحبيبة Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left