عارف الحسيني: الأفق تفتح لتلامذتنا عالمياً ويعودون لفلسطين

«النيزك» للإبداع العلمي تبني التلميذ «الشريك وليس المتلقي»

زهرة مرعي

Jan 11, 2017

القاهرة – «القدس العربي» : عندما احتل الصهاينة فلسطين وتشت أهلها في شتى أصقاع الأرض وخاصة في الدول العربية، بانت بعد سنوات قليلة قدراتهم العلمية. وكانت لهم بصماتهم على التربية والتعليم أينما عملوا. اليوم ومن فلسطين المحتلة ومن القدس تحديداً سجلت «النيزك» تفوقاً تربوياً، استحقت لأجله جائزة «تكريم» للابتكار في مجال التعليم.
الابتكار في التعليم بدأ يشغل عارف الحسيني، منذ كان طفلاً في الصف الأول ابتدائي في القدس. في يوم دراسي سألت المعلمة تلامذتها الصغار عن فوائد الشجرة؟ رفع عارف اصبعه ليقول رأيه: «تربط بها أمي حبل الغسيل». وكان قصاصه الإبعاد اسبوعاً. كبر الولد الذي لم ترق للمعلمة إجابته ودرس الهندسة في الولايات المتحدة وعمل في الـ «هاي تك» وفي لحظة لم يعد يشغله سوى فلسطين فعاد إليها ليكون مشروع «النيزك»، ومن ثم الجائزة التي أهداها لفلسطين والمعلمة الملهمة.
■ في القاهرة كان هذا الحوار مع عارف الحسيني رئيس ومؤسس «النيزك» للإبداع العلمي في القدس:
هل التعليم السلبي في فلسطين والدول العربية هو حافزك للبحث عن التعليم التفاعلي؟
□ شكل التعليم السلبي، الذي عشته في فلسطين مأساة يومية. كان حزناً وجرحاً دائماً. هي مشاعر تلميذ صغير يستيقظ ويذهب إلى المدرسة مرغماً. لم يكن النظام التعليمي قادراً معرفة فهم التلميذ لما شُرح له من عدمه. أن يغرق المعلم في التكرار، فهذا ما يولد مللاً وغضباً لدى التلامذة. نعمل على مدار الساعة لتغيير هذا النظام، نتعاون مع مجلس الوزراء والعديد من اللجان لإصلاح التعليم. ما أقوم به هو رسالة حياتي الأولى وشغفي الذي لم ينضب مرة. أتصور نفسي عندما كنت تلميذاً وأدرك يقيناً أن عشرات آلاف التلامذة سيختلف مستقبلهم لو منحهم النظام التعليمي الفرصة بطريقة مختلفة.
■ في فلسطين تسلسل قمعي على المعلم من الاحتلال إلى السلطة إلى السلطة الذكورية التقليدية، فكيف لمن يعيش هذا الحال أن يساعد غيره؟
□ أؤمن بقول العالم الكبير أحمد زويل «لا يمكن أن يبدع الخائفون». خطوتنا الأولى تتمثل في نزع بذرة الخوف لدى أبنائنا، وهذا يبدأ على مستوى العائلة الصغيرة. لهذا نعمل مع الأمهات والآباء ليحرروا أبناءهم من قيود المجتمع، ومن المسار التقليدي الذي يفرض الذهاب إلى المدرسة وتحصيل درجة أول أو اشطر التلامذة في صفه، الوصول للجامعة، العمل كمدرس أو مدرّسة، أو البحث عن وظيفة تضمن مستقبلك. والخوف هو الذي يدفع للبحث عن المضمون. خوف يسود كل الشعوب العربية لكنه مضاعف في فلسطين. الاحتلال والاعتقال والاستشهاد خوف دائم الإقامة في حياة الفلسطيني. الخوف سلاح يحاربنا كشعب، إنما لنا تسخيره ليصبح دافعاً للتغيير. أن نتحرر من الخوف، نغير الواقع ونعمل. كوني رجل علم آت من الفيزياء والهندسة أدعو للعمل، للخطأ وللتصحيح، وأن نفشل فلا مشكلة فمن الفشل نتعلم.
■ ماذا حقق برنامج النيزك حتى الآن؟ كم طال من التلامذة والمدارس في فلسطين؟
□ يخدم البرنامج بحدود 20 ألف تلميذ سنوياً موزعين بين 150 أو 200 مدرسة سنوياً. إلى هذه المدارس أضيفت حصص «التفكير النقدي»، «كيف نفكر»، «فاكهة الحياة»، إلى جانب مشاريع ريادية. فالتلامذة الذين يملكون أفكاراً جيدة يتنافسون ومن يفوز منهم يكون له مقعد في وكالة الفضاء الأميركية الناسا لأسبوعين أو ثلاثة، وتُفتح أمام بعضهم فرصاً عالمية. وهؤلاء لا تتخطى أعمارهم 14 و15 سنة. ونحن لا نخشى أن يستمروا خارج فلسطين، بل ينجزون تحصيلهم ويعودون لخدمة بلدهم، فالنيزك كذلك تبني فيهم هذه الشخصية. نجاحنا هذا بات يقنع الكثيرين وبخاصة الدولة. على سبيل المثال ارأس شخصياً لجنة التأليف لمنهاج التكنولوجي الجديد الذي سيعتمد في مدارس فلسطين ويطال التلامذة من الصف الخامس حتى الثاني عشر. وأمثل النيزك في اللجنة العليا لإصلاح التعليم التي شكلتها رئاسة مجلس الوزراء في فلسطين. وفي هذه اللجنة نرفع الصوت لنقول بأن عصر التعليم التقليدي حيث المعلم حامل المعرفة يحمل طاسته ويلقن تلامذته بالملعقة ولّى لغير رجعة. دور المعلم تحول لميسر، ولفاتح آفاق أمام التلامذة كي يتعلموا.
■ أن تطرحوا شعار «شريك وليس متلقياً» في تعريف دور التلميذ أليس هذا جزء من كفاحكم الوطني؟ مع العلم أن كافة الدول العربية تقريباً لا ترحب بتلامذة مماثلين؟
□ يمكن القول بأن الأنظمة السياسية العربية تجافي هذا النوع من التعليم. الشعب المفكر، الناقد والذي ليس مطلوباً. نحن في النيزك لا نكتفي بتلامذة تقول لا. بل ندربهم لتحليل السبب، ووضع الحلول وهذا الأهم. وكذلك أن تكون لهم المبادرة في قيادة التغيير. «شريكاً وليس متلقياً» شعار حوربنا كثيراً بسببه من السلطة ومن الإحتلال. فنحن نعمل مع التلميذ الفلسطيني أينما وجد. لدينا فروع في مناطق 48. والأهم هو مقرنا وعملنا في القدس التي تعاني الأطماع وسياسة التهويد يومياً. أغلق الاحتلال مكاتبنا مرّات عديدة، وفي مواجهته لا خيار آخر أمام الفلسطيني سوى بناء قدرات عقلية متميزة، وجيل يفكر بطريقة صحيحة. فنحن اعتدنا التفكير بعواطفنا، نهبُّ على مدار أسابيع كرد فعل على الاحتلال، بينما التفكير الاستراتيجي المنطقي والناقد والإبداعي الطويل الأمد هو الذي يشكل طريقنا للخلاص. وهذا ما تقوم به النيزك.
■ ماذا عن المؤسسات المتفرعة من النيزك «صنع في فلسطين»، «الباحث الصغير» و «حاضنات الموهوبين»؟
□ إنها المسيرة باحتضان المواهب من جيل عشر سنوات إلى مئة سنة. نبدأ مع «حاضنات الموهوبين» حيث يأتينا التلميذ الذي لم يشمل مدرسته برنامج النيزك ليتعلم في يوم عطلته. هذا البرنامج موجود في فروع النيزك الستة المنتشرة في فلسطين وهي: القدس، غزّة، نابلس، الخليل، رام الله وبيرزيت. انشـأنا في هذه المراكز مختبرات ابداع تعتمد على سبيل المثال برنامج «الفيزياء في الشارع»، كأن ندفع في سيرنا الأرض للخلف وهي تدفعنا للأمام، إنه القانون الثالث لنيوتن. وبرنامج «الكيمياء في الحمام والمطبخ». ندرّس الالكترونيات من خلال «النيغرا»، فالمكثف الموجود في علم الالكترونيات يعمل بالتمام كما «النيغرا»، يمتلئ بالماء ويندفع نزولاً مرّة واحدة. عندما تكون حصة «الكاباسيتور» أو المكثف يذهب التلامذة إلى دورات المياه في المدرسة، ويرون المُكثف بأم العين، ويعودون إلى المختبر الذي يتضمن الخدمة الإلكترونية.
■ تعليم النيزك مسلي ومفيد للأطفال كما هو ظاهر لي عن بعد؟
□ جداً. نبدأ مع الأطفال في عمر العشر سنوات. وفي مشروع «الباحث الصغير» نعمل مع مجموعات تبحث في مشكلة تمس حياتهم، يجرون حولها بحثاً علمياً ومن ثم يضعون لها الحلول. والإنترنيت من أهم مجالات الأبحاث. فالأطفال يمضون معها وقتاً. يضعون الأسئلة ويوجهونها للناس لمعرفة أثر تمضية وقت طويل على الانترنت على حياتهم. وهؤلاء الأطفال يضعون مبادرة الحل للمشكلة، وهم يكبرون ويصبحون من جيل «صنع في فلسطين». فهي مبادرة لاحتضان الريادة العلمية، والتي تحرض من لديه فكرة بأن لا يكون موظفاً. بل ندعوه للعمل على تطوير فكرته بحيث تتحول إلى مصنع أو شركة أو تطبيق. وبهذا يكون لصاحب الفكرة دخل يعيش منه، وكذلك يؤمن عملاً لمن حوله. سنوياً تسجل «صنع في فلسطين» براءات اختراع، ونفتتح شركات ومصانع. وقبل اسبوعين من مؤتمر «تكريم» في القاهرة افتتحنا مصنعاً في النقب يصنع ماكينة زراعية من شأنها زرع البطاطا وخلعها عندما تنمو. هي ماكينة تعمل في ألاف الدونمات من الأراضي في فلسطين. والخطوة المقبلة ستكون تصنيعها وبيعها عالمياً.
■ ماذا في سيرة عارف الحسيني العلمية والمهنية؟
□ درست الهندسة وعملت في ال»هاي تك» في الولايات المتحدة. في يوم خطر لي العودة إلى وطني، وبدأت سنة 2003 في النيزك. 13 سنة من العمل اقول لنفسي كفى، يجب أن يأتي من يتابع الطريق عني.
■ وماذا ستكون مهمتك التالية؟
□ كتابة الروايات. سبق وكتبت روايات، و«كافر سبت» وصلت إلى البوكر، ومؤخراً صدر جزءها الثاني بعنوان «حرام نسبي» عن دار الشروق الأردن.
■ من يمول النيزك؟
□ كثر. لدينا مشاريع عديدة مع منظمات الأمم المتحدة من أهمها اليونيسف. في ما خص «صنع في فلسطين» نتعاون بنشاط مع مؤسسة الدياكونية السويدية على مفهوم العدالة الاقتصادية. وبعد النجاحات التي حققتها النيزك والثقة الكبيرة التي كسبتها هناك تعاون مع رجال الأعمال الفلسطينيين الذين يخططون للعودة إلى فلسطين. وكذلك نتلقى اتصالات للتعاون مع رجال اعمال عرب بينهم سوريين. وعلى الصعيد اللبناني لدينا ائتلاف مع بول أبي راشد، والشراكة بيننا أدت لأن نعمل وفق فكرته الخاصة بالبيئة في فلسطين. ولدينا شراكة أخرى بخصوص الزراعة العضوية مع كمال مْزَوّق. مع الشركاء العرب نبحث عن مشاريع يمكنها الانطلاق اقليمياً وعالمياً. نجد دعماً من لبنان انطلاقاً من مفهوم أن الابداع لا يعرف حدوداً.

عارف الحسيني: الأفق تفتح لتلامذتنا عالمياً ويعودون لفلسطين
«النيزك» للإبداع العلمي تبني التلميذ «الشريك وليس المتلقي»
زهرة مرعي
- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left