القهوة في علم الاجتماع

ماءالعينين سيدي بويه

Jan 12, 2017

يطرح عالم الاجتماع أنتوني غدنر(علم الاجتماع.. أنتوني غدنر بمساعدة كارين بيردسال.ترجمة وتقديم فايز الصُياع /المنظمة العربية للترجمة/مؤسسة ترجمان/الطبعة الأولى 2005). سؤال الماهية بخصوص علم الاجتماع، في القرن الواحد والعشرين، الحافل بالقلق والتوتر والصراعات ووعود مستقبلية ومظاهر التفكك الاجتماعي، هو كيف وصل عالمنا المعاصر إلى هذه الحال؟ ولماذا تغيرت واختلفت ظروف حياتنا عما كانت عليه في عهد آبائنا وأجدادنا؟ وما الوجهة التي سيتخذها التغيّر في المستقبل؟
ومن وجهة نظر فلسفية أقرب إلى الفلسفة الوجودية، يقارن العالم بين قدرتنا وقدرة أجدادنا على التحكم بمصيرنا وتشكيل الحياة وتسييرها نحو الأفضل على نحو أحسن من الأجيال القديمة، أي نحن من يصنع مصيرنا ومستقبلنا انطلاقا من الحاضر كمشروع يتحقق في المستقبل، كما تدل على ذلك حركة الاجتماع الإنساني في الثقافة الفكرية الحديثة التي تسارع إلى منتديات ومؤتمرات حول البيئة والاقتصاد وحقوق الإنسان والفقر والطبيعة وحقوق الحيوان.
اذن فعلم الاجتماع تُعنى ماهيته حسب غدنر بدراسة الحياة الاجتماعية والجماعات والمجتمعات الإنسانية. إنه مشروع مذهل وشديد التعقيد لأن موضوعه الأساسي هو سلوكنا ككائنات اجتماعية. وبالتالي رصد الحركات والأفعال والتصرفات الإنسانية في كل مكان عمومي وتحليلها، لأن الكثرة الكاثرة منا ترى العالم من خلال الملامح المألوفة لدينا في حياتنا، كما يرى غدنر. طبعا ليس في معزل عن تأثيرات القوى الاجتماعية والتاريخية. لذلك يلزمنا لأجل تطوير نظرتنا لعلم الاجتماع شحذ مخيلتنا ضد كل ما هو روتيني في اكتسابنا للمعرفة، إذ يفترض في السوسيولوجي أن يكون قادرا على التحرر من الظروف الشخصية المباشرة (إيديولوجيته، نفسيته، أمراضه) مثلما يقول عالم الاجتماع رايت ملز في عبارته الشهيرة، «العمل السوسيولوجي يعتمد على إعمال المخيّلة السوسيولوجية».
هذه الميزة التي يجب أن تتوفر في المشتغل في حقل علم الاجتماع، يقدم لنا مثال تناولنا لفنجان من القهوة؟ ويتساءل ما الذي يمكننا قوله من ناحية علم الاجتماع؟ الذي يبدو تصرفا عاديا بينما هو في حقيقة الأمر يمكن القول عنه الكثير . ويدلل غدنر بدرس نموذجي عنه كالتالي:
أولاـ القهوة ليست مجرد شراب منعش أو منبه، بل لها تأثير على أنشطتنا اليومية وطقوس احتسائها أهم من استهلاكنا لها، في أي مكان من العالم في الشرق أو الغرب. نشربها بمفردنا أو مع آخر ثم مع جماعة ما يحولها إلى طقس اجتماعي، رغم ان الحديث في اللقاء يكون أكثر من شرب القهوة، ما يجعلها مثل الطعام في المناسبات فرصة للتفاعل الاجتماعي.
ثانيا ـ القهوة، هي نوع من العقاقير أي تحتوي على الكافيين الذي يحفز الدماغ، والكثير يحتسونها قصد إضافة جرعة من التنبُّه، أو ضد إرهاق العمل والمكاتب أو الدراسة، فارتشاف القهوة قد يخفف منها، لذلك يتحول هذا التعاطي للقهوة إلى التعود عليها.
ثالثا ـ احيانا تتغير النظرة إلى تعاطي القهوة كونها منبها مثلها مثل الكحول، ففي بعض المجتمعات يكون تعاطيها مقبولا بينما «الماريجوانا» على سبيل المثال، قد لا يكون كذلك. بينما بعض المجتمعات تتساهل في استهلاك الكوكايين والماريجوانا، غير أنها تنظر شزرا إلى تعاطي القهوة والكحول.
ومن اهتمامات علماء الاجتماع يدعو غدنر إلى أن يعرفوا الأسباب التي أدت إلى هذه المفارقة. فالقهوة هي أحد المنتجات التي تربط الناس في أغنى البلدان وأفقرها في مختلف أرجاء المعمورة: فهي تستهلك بكميات هائلة في الأقطار الغنية ولكنها تزرع وتنتج أساسا في البلدان الفقيرة. كما أنها تحتل المرتبة الثانية بعد النفط باعتبارها السلعة الأكثر أهمية في التجارة العالمية. ولأن المبادلات التجارية العالمية تقع في صلب علم الاجتماع فهو يدرس تأثر حياتنا بعنصر القهوة التي يتم نقلها وتبادلها بين أناس يبعدون آلاف الأميال.
رابعاـ تاريخ شيوع القهوة يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، ورغم أنها بدأت في الشرق الأوسط، فإن استهلاكها بكميات ضخمة بدأ مع عمليات الاستعمار الغربي، أي ان مسارها دائما تنتج في المناطق الفقيرة كدول أمريكا الجنوبية وأفريقيا وتستهلك في الدول الغنية، بمعنى أنها ليست جزءا طبيعيا من الغذاء الغربي، رغم انتشارها كطقس استهلاكي وتجاري بشكل كثيف.
خامسا ـ أصبحت القهوة تمثل خيارا لأسلوب الحياة، بعد أن دخلت المساجلات الراهنة حول العولمة والتجارة الدولية وحقوق الإنسان وتقويض البيئة، وبالتالي مع تزايد إنتاجها تزايد تسيسها وفق نوع جودة القهوة واختيار نسبتها «عضوية» أو «خالية من الكافيين» وحسب منتجيها صغارا من الدول النامية بموجب سعر السوق، أو مقاطعة منتوجات بلدان من القهوة ذات سجل سيئ في مجال حـقوق الإنسـان والعنـاية بالبيـئة.
من ذلك يخلص غدنر إلى أن دراسة علم الاجتماع بفعل المخيِّلة الاجتماعية يتيح لنا أن ندرك أن كثيرا من الأحداث التي تؤثر في ظاهرها على الفرد حسب، إنما تعكس قضايا أوسع وأهم. كما تجعلك تشارك الآخرين في مسعاهم كقضايا الطلاق والبطالة والقراءة والميز العنصري، على أساس العرق أو اللون والوظيفة. إن هذه السياقات الاجتماعية، كما يقول غدنر تؤثر فينا. غير أن هذه السياقات ليست هي التي تسيِّر سلوكنا وتتحكم فيه. فنحن نمتلك بل نصنع شخصيتنا الفردية.
في هذه النتيجة يلتقى عالم الاجتماع غدنر بفيلسوف الوجودية جان بول سارتر، في كون الإنسان مشروعا، أي ما شرع في أن يكون لا ما أراد أن يكون.
وحين يؤكد على تملكنا وصنعنا لشخصيتنا، كما أعلن ذلك سارتر الأمر في المسؤولية والاختيار التي تجر الإنسان لأن يتحمل الإنسانية باجمعها (سارتر «الوجودية مذهب إنساني» ترجمة كمال الحاج) .

كاتب من المغرب

القهوة في علم الاجتماع

ماءالعينين سيدي بويه

- -

1 COMMENT

  1. أشكر الكاتب ماءالعينين سيدي بويه على مقاله الرائع .
    القهوة لها أكثر من رمزية ودلالة :
    - إذا أردت أن تعبر عن محبتك وإعتزازك بصديق عليك أن تدعوه لمشاركتك في فنجان قهوة .
    - إذا أردت أن تعبر عن ترحيبك بالضيوف عليك أن تبادر بتقديم القهوة لهم .
    - إذا أردت أن تعبر عن إمتنانك للوافدين لمشاركتك في أفراحك وأتراحك عليك أن تقدم القهوة .
    - إذا أردت أن تجلس مع نفسك عليك بإرتشاف فنجان قهوة .
    القهوة باتت طقساً يصعب التخلي عنه ..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left