حول مطلب استقالة العرب من الكنيست

سهيل كيوان

Jan 12, 2017

يشكل مصير العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية نقاشا علنيا وسريا داخل المؤسسة الإسرائيلية، فقد حلم الرعيل الأول من قادة دولة الاحتلال بترحيلهم نتيجة ضغوط عليهم كمجزرة كفر قاسم، التي حدثت عام 1956 عشية العدوان الثلاثي على مصر، وكانوا وقتها أقل من مئتي ألف مواطن، وكذلك عزلهم والتضييق عليهم من خلال الحكم العسكري، الذي استمر حتى عام 1966، ولكنهم اعترفوا في ما بعد بأن هجرتهم بأعداد كبيرة وواضحة لن تحدث إلا في حالات كوارث إقليمية كبيرة كالحروب مثلا، وعلى نطاق واسع واختلاط الحابل بالنابل وقد أصبح عددهم اليوم حوالي مليون ونصف المليون.
عنصرية الدولة تجاههم ليست صامتة، فهي تترجم إلى أفعال في شتى مجالات الحياة وبإحصاءات رسمية عبرية وعربية وأجنبية، ولكن أكثر ما ينعكس هذا الأذى في سياسة هدم البيوت العربية بذريعة عدم ترخيصها، وقصة الترخيص وعدم الترخيص والهدم تشبه قصة «إبريق الزيت» الفلسطينية.
صبيحة الثلاثاء الأول من أمس هدمت السلطات أحد عشر منزلا وشردت ساكنيها في قرية قلنسوة في منطقة المثلث داخل الخط الأخضر، الأمر الذي وضع الجماهير العربية في موقف اضطراري لإعلان الإضراب العام، ولكن الإضرابات صارت روتينا غير مجدٍ، المدارس العربية تغلق أبوابها وكذلك المتاجر والسلطات المحلية، وتقام تظاهرة هنا وأخرى هناك، ويمضي النهار ثم يعود الناس في اليوم التالي إلى أشغالهم، ولكن وحش الهدم يبقى متربصا، فالهدم ليس غضبة آنية لبيبي نتنياهو لإبعاد الأنظار عن تورطه في رشوات وصفقات تحتم محاكمته، ولا هي تطييب خواطر لمستوطني مستوطنة (عامونة) في الضفة الغربية التي يفترض إخلاؤها، بل هي التعبير العملي لشعار يهودية الدولة أو دولة اليهود التي يطالب بها سياسيو هذا الكيان العنصري، دولة اليهود تعني أن تعمل الدولة كل ما بوسعها ليكون فيها أقل ما يمكن من غير اليهود على أقل ما يمكن من الأرض، وهذا يشمل اليمين كما اليسار مع استثناءات نادرة وهامشية. بيوت العرب غير المرخصة مهددة بالهدم على نطاق واسع، وهي ليست عشوائيات كما يتخيلها البعض، بل هي بيوت عمل أصحابها وأسرهم عقودا لبنائها على أراضيهم الخاصة، وهم ليسوا متهربين من ترخيصها، بل الدولة هي المتهربة من ترخصيها، وفي كل بلدة مئات البيوت مثل هذه التي تكلف أموالا طائلة هي شقاء العمر.
السلطات العنصرية ماطلت وتماطل في قضايا التخطيط والبناء منذ عقود، تنفيذا للهدف الاستراتيجي «عربٌ أقل على أرض أقل». وفي الوقت الذي تصادر فيه الأراضي وتبني مزيدا من المستوطنات في الضفة الغربية ضاربة عرض الحائط بالقرارات الدولية، فإنها تحرم القرى والبلدات العربية داخل الخط الأخضر من التخطيط وتوسيع مسطحات البناء، وبعد حصار طويل وتضييق وبسبب التكاثر الطبيعي الذي لا بد منه، يضطر الناس إلى البناء بدون ترخيص وهذا يكلف صاحب البيت أضعاف تكاليف الرخصة العادية، إذ يبدأ بدفع الغرامات منذ إشعاره الأول بالمخالفة القانونية، وهذه الغرامة تتجدد في كل عام في مسلسل عنصري بذيء لا ينتهي، هكذا ترى طوابير العرب واقفين يوميا في قاعات المحاكم، في كل أرجاء البلاد من بئر السبع جنوبا حتى عكا شمالا مرورا بمنطقة تل أبيب والخضيرة والناصرة وغيرها، لدفع الغرامات، وأحيانا يرافق الغرامة سجن فعلي أو عمل في خدمة الجمهور، والأهم قرار بهدم البناء قابل للتنفيذ في أي وقت. لقد أضرب العرب يوم أمس الإربعاء، ولكن الإضراب لم يعد وسيلة فعالة بعد تكراره مئات المرات، فماذا يهم دولة الاحتلال وبقيادة يمينية متطرفة إن لم يذهب أبناء العرب اليوم أو غدا وطيلة العام إلى المدارس؟ ماذا يهمها إغلاق المصالح والمتاجر العربية، وهي التي لا تحلم لهم أصلا بالخير؟ أما الأيدي العاملة في المصالح والمصانع اليهودية فهي تُهدّدُ بالطرد من العمل وبخسارة حقوقها النقابية المتراكمة إذا ما ثبت أن الإضراب عن العمل كان بدوافع قومية وليست نقابية، كما حدث وحُرم عمال كثيرون من حقوقهم في مناسبات مشابهة.
معروف أن العرب ممثلون في الكنيست في إطار القائمة المشتركة، هذا التمثيل يعتبر سلاحا ذا حدين، فهو يظهر أمام العالم أن إسرائيل دولة ديمقراطية وحضارية تحترم حقوق الأقلية العربية وتمنحها تمثيلا في برلمانها، وفي المقابل هي منبر للعرب للمطالبة بحقوقهم المدنية والسياسية، وبحل عادل لقضية شعبهم، في محاولة للتأثير من داخل البرلمان، ولكن هذه العضوية تحولت في الواقع إلى صرخات في واد تسكنه ضباع اليمين الفاشي، فقد حولوها إلى عضوية شكلية محاصرة بأكثرية متطرفة تزاود على بعضها بعضا في العداء للعرب ومصادرة حقوقهم.
بهدم أحد عشر منزلا دفعة واحدة أرسل نتنياهو رسالة واضحة للجماهير العربية عن نواياه التي أعلنها مسبقا، والتي قد تطال آلاف البيوت، إذ يقدر عدد البيوت غير المرخصة بستين ألف منزل، الأمر الذي يعني تشريد وإفقار عشرات آلاف العائلات.
المطلوب الآن من قيادة هذه الجماهير في الكنيست وفي السلطات المحلية أن تحسم الأمر في ملف البناء والترخيص، لأنه ملف وجودي وليس قضية ممكن تجاوزها، المطلوب هو التوجه بحسم إلى هذه الحكومة العنصرية بمطلب ترخيص عشرات آلاف البيوت وحل قضية مسطحات البناء والقرى غير المعترف بها فورا أو الاستقالة الجماعية من الكنيست، وكذلك تسليم مفاتيح السلطات المحلية العربية إلى وزارة الداخلية.
ليس أمام هذه الجماهير وقيادتها من سبيل سوى مواجهة هذا الواقع وعدم التهرب منه وإسماع صرختهم إلى كل أرجاء الكون وتدويل قضيتهم باعتبارها جزءا من قضية شعب يواجه احتلالا كولونياليا وليست قضية خاصة بين مواطنين عاديين وسلطة مهملة لواجباتها تجاه رعاياها.
كاتب فلسطيني

حول مطلب استقالة العرب من الكنيست

سهيل كيوان

- -

2 تعليقات

  1. يكفيكم ،إسقاط أقنعة سياسةالتمييز العنصرية،جدران العار،
    شن الحروب،وتهديد الأمن والسلام الدوليين،ورفض قرارات
    الأمم المتحدة،لحل الدولتين،والمبادرات من دول داعمة وصديقة !.

  2. مقال وافي وكافي ..ولا أجد ما اضيف او اعقب عليه ..لا أجد كلمات اعزي بها مجتمعنا الذي بين المطرقة والسندان ..والمتهم دائما بالخيانة امام المجتمع العربي الكبير في الشرق الاوسط لتواجدنا وحملنا للجنسيه الاسرائيليه
    مقال كهذا لا نستجدي به عطفا ولا شفقه انما هو مقال اجد فيه هويتنا الفلسطينيه تنزف مقاومة لقتل وترحيل بطيء نتجاوزه بمنتهى التوكل على الله ..اليس الله بكاف عبده ..وهو القاهر فوق عباده وهو كاشف الضر وهو الشهيد على عباده ..يحكم بينهم فيما كانوا به يختلفون ..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left