رد على رد يوسف عبدلكي: فنان أوغل في السياسة وتجاهل عذابات البشر

محمد الحاج صالح

Jan 21, 2017

«وما بدلوا تبديلا» بهذه الجملة يختتم الفنان يوسف عبدلكي رده المنشور في صحيفة «القدس العربي» يوم الثلاثاء 17/1/2017 على منتقدي معرضه، الذي أقيم كما هو معروف في دمشق، وكانت لوحات المعرض مختصرة على نساء عاريات. حقاً كأن يوسف ما بدّل ولا غير في السياسة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
من نافل القول إن للفنان وللمُنتج للثقافة عموماً الأفضلية في قفزة مجانية، تفضيلاً على الآخرين، لأنه منتج. ولكن وما إن يخرج شغله للعلن ويعرض على الناس حتى يصير عرضة للنقد، فكيف إذا كان المرء مثل يوسف، فنانا وشخصية عامة وسياسيا. قديما قيل «يظل المرء في مندوحة من أمره حتى يكتب كتاباً أو تفشى له فاشية».
من البديهي أن من حق الفنان أن يرسم ما يراه وبالطريقة التي يراها، هذا أمر لا نزاعَ عليه، ومن حقه بل من واجبه أن يشتغل على الجمال وأن يكره بطبعه القبح. من حقه أن يرسم عاريات ويعتبرهن أمهات شهداء مثلاً، أو أن يعتبرهن رمزاً للجمال والحياة التي ستظل مستمرة، على الرغم من الحروب والثورات. لا اعتراضَ. وإنما متى ما خرج الفنان إلى السياسة واستغل شغله الفني في خدمة سياسة ما، فإنه من حق المنتقدين وواجبهم أن يقولوا ما يرون هم أيضاً. والحال فإن هناك أمور جعلت من رد يوسف سياسياً بامتياز، وجعلت من يوسف شخصيّاً طحاناً يقف في طابور المطحنة ملحاً على أن يُطحن الحب الذي أحضره:
1
بوضوح يضع الفنان بيضه السياسي في سلّة «معارضة المعارضة»، وهي التسمية اللابسة والمحقة لهيئة التنسيق ولشخصيات حول حزب العمل، ومجموعات صغيرة ذات تفكير أقلوي. المصطلح (معارضة المعارضة) يشير إلى أن عقل المنتمين لـ»معارضة المعارضة» مركبٌ ليس على معارضة نظام الأسد بالدرجة الأولى، وإنما على المعارضة التي تعارض نظام الأسد. حيث غالباً ما ترد في أفكارهم وفي بياناتهم وشغلهم السياسي بضع ُكلمات تدين نظام الأسد مثلها مثل «بسم الله الرحمن الرحيم» في فاتحة الصور، التي يعتبر كثيرون أنها ليست من المتن وليست من القرآن. والواقع هو أن شغل «معارضة المعارضة» يشبه هذا. فإدانة نظام الأسد ليست من المتن عندهم وإنما هي تعلّة، يأتي بعدها هجوم شكاء غاضب مدع لامتلاك كل الحقيقة وضد المعارضة. وإلا كيف نفهم عبارات جازمة عالمة ترد في الرد من نوع: «نهاية عام 2012 لم تعد هناك ثورة». أو في معرض شتم من ما يزالون يوردون في كلامهم مصطلح ثورة: «أظن أن من يتحدثون اليوم عن «الثورة» إما أنهم لا يعرفون ما حصل خلال خمسة أعوام في سوريا، أو أن أذهانهم تثبتت عند لحظة الثورة البهية… أو أن لديهم مصلحة في تسويق المصطلح لأسباب أعرفها وأخجل أن أفصح عنها». أو «شيطنة كل من يدعو لحل سياسي مثل هيئة التنسيق الوطنية». وكذلك التصنيف بين «معارضة داخلية وخارجية». ما هي حقيقةً هذه المعارضة الداخلية، إضافة إلى سيل من شتم ما سماه الفنان «المعارضة الخارجية» وهو المصطلح ذو الجذور النابعة كما هو معروف من «مؤسسات» نظام الأسد. يضيق المقام هنا للاستشهاد بالكثير من شتائم الفنان للمعارضة الخارجية. (راجعوا رد يوسف بهذا الخصوص).
2
من إرث الثمانينيات وبطريقة ثأرية تتوهم وتراً ليس له أساس من الصحة، إلا كأساس أسطوري يماثل ذنب آدم في أنه كان آدمياً، وأنه لم يكن إلهاً لذلك طرد من الجنة، حيث يورد يوسف في معرض دفاعه عن نفسه بالتورط في تفاهمات مع أجنحة في النظام، ويقول «لو كنت كذلك لعقدت الصفقات مع نظام صدام حسين على مدى ربع قرن عندما كان ومنذ الثمانينيات يشتري (ولا أعتذر على كلمة يشتري) المعارضين السوريين من إخوان وبعثيين واشتراكيين وشيوعيين ويسخّرهم في صراعه مع توأمه السوري». وطبعاً كلمة «توأمه السوري» هنا تلعب دور تغطية على الشتم والاتهام ولصالح التوأم السوري، وهذه آلية يعرفها السوريون جيداً، ويعرفها نظام الأسدين جيداً، وكان وما يزال يفرح بها. هنا اتهام لكل المعارضة في أنها كانت عميلة لصدام، وفي أن يوسف وجماعته «معارضة المعارضة» كانوا في البراءة التامة الطهرية التي لا تعني في السياسة، إن كانت موجودة فعلاً، سوى دعم شغل حافظ أسد ومن بعده ابنه، والشواهد كثيرة من مثل «تحويل البندقية من هذا الكتف إلى هذا الكتف» تعضيداً للنظام ضد انتفاضة الشعب في الثمانينيات التي استغلها الإخوان كالعادة وخذلتها «معارضة المعارضة» كالعادة أيضاً، ومن مثل الرسالة التي بُعثتْ من السجن إلى الرب الصغير علي دوبا أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان 1982 «إن مكاننا على الجبهة مع جيشنا، الجيش العربي السوري وليس في السجن». اتهام الرجل هنا يطالُ وبالاسم بعثيين واشتراكيين وشيوعيين، مصراً على أن صدام اشتراهم، وملحاً فوق الإصرار: «(ولا أعتذر على كلمة يشتري)». عدوانيةٌ واضحة واتهام بالخيانة أوضح. وما الدافع هنا على الأرجح سوى الدفاع عن النفس المذنبة، ليس من تفسير آخر. وحقاً لا تحتاج أمورٌ مثل شغل «معارضة المعارضة» وطرقها الملتوية وإخفائها وإقلابها وأطراف الدانتيلا التزيينية في ثوبها، لا تحتاج إلى أجاثا كريستي لتكشف عن السر في ليلة الزفاف لدى جمهورٍ أقلوي، لا في عرس الثمانينيات ولا في أعراس اليوم.
3
شُغلُ حافظ الأسد ومن بعده شغل ابنه، كان مبنياً على أساس استراتيجي يقع في صلبه تحالف الأقليات ضد العنصر العربي السني في سوريا والعراق ولبنان وحتى في فلسطين (في فلسطين حسب المتوفر). اعتمدت هذه الاستراتيجية أصدقاء صدوقين هم إيران، والشيعة السياسية في كل من العراق ولبنان والمتحولة في ما بعد إلى مليشيات همجية، و«معارضة المعارضة» في سوريا، والبككه التركي. بينما اتخذت أعداء لدودين متفرقين لا تجمعهم رابطة حقيقية هم: ياسر عرفات، وصدام حسين، ولاحقاً الحريري، وكل تعبير سياسي عربي سني ومنهم الإخوان المسلمون وحتى حزب الشعب ورياض الترك المتهمون بمحاولة جرّ العرب السنة إلى السياسة. وكانت العلاقة بين نظام الأسد مع أصدقائة علاقة جدّ حميمية وعارية كعري لوحات يوسف، بينما كان يتصرف بكل حقد وخبث ووحشية مع أعدائه العرب طبعاً، والشواهد على هذه العلاقات عيانية ملموسة لا يكذبها عاقل. لم تخرج «معارضة المعارضة» عن التفكير الاستراتيجي لنظام الأسد لا في الثمانينيات ولا في الثورة، ولا خرج يوسف عنها في رده الأخير. الرجل أمين لفهم وإدراك تلك الاستراتيجية حتى إن لبس رده لبوس العارف المنتقد للنظام أحياناً. إنها استراتيجية تدمير وقهرٍ للعنصر العربي السني في البلدان الثلاثة لصالح تحالفِ أقليات موهومٍ بفرصة تاريخية لا تتكرر، وبقيادة فارسية عنيدة تخطط وتعمل بشكل دؤوب. هل من شك في هذا الآن!
وعلى الصعيد الثقافي أنجز نظام الأسدين انتصاراً ساحقاً على الثقافة الأصيلة للشعب وإمكانية تطورها إلى حداثة ثمينة، لصالح حداثة مشوهة تماثل تعويقاً تاماً في وظائف جسم مُعوّق أصلاً. وقد كان لـ»معارضة المعارضة» التي يدافع عنها الفنان ويعتبر نفسه جزءاً منها مساهمةً جُلّى في هذا «النصر الحداثي». والأمثلة هنا يعرفها جلّ من يشتغلون في الشأن الثقافي والفني السوري حتى إن صمتوا عنها وتحمّلوا حال الشيطان الأخرس. ويمكن القول إن نظام الأسدين عمل على إنجاز سيطرة ثقافية فنية لفئات معينة وكرّس هذه السيطرة بالقوة عبر آليات سياسية وأمنية قمعية لا ينكرها إلا مخاوزٌ.
4
في الأزمات والكوارث الوطنية والثورات تزداد الحساسية، ومن المفترض أن تكون حساسية الفنان والكاتب والمثقف في مستواها الأعلى. والحال إن نقصاً في الحساسية قد يقود الفنان إلى وضع لا يحسد عليه، ولا تشفع له هنا الحظوة لدى الناس لأنه منتج. خير مثال على هذا هو الكاتب النرويجي كنوت هامسون (4 أغسطس/آب 1859 – 19 فبراير/شباط 1952) وهو أحد أعظم الروائيين الذين عرفهم العالم خلال القرن العشرين. ولا تزال روايته «الجوع» تعتبر من الروائع الأدبية. وهو حائز نوبل للآداب. كنوت هامسون حكم عليه بالإعدام عند نهاية الحرب العالمية الثانية بتهمة التعاون مع النازية وخدمة استراتيجيتها، ولو لم يكن عمره 84 عاماً لنفذ به حكم الإعدام الذي استبدل بإيداعه في مشفى للمجانين حتى وفاته. لا يدفع هذا الكلام إلى اعتبار أن حال يوسف من حال الروائي النرويجي كنوت هامسن. وإنما لتوضيح أن لا شفاعةً في الأزمات الوطنية الكبرى، إذا ما انخفضت حساسية الفنان أو المثقف تحت درجة رؤية عذابات البشر. والحقيقة هي أن «معارضة المعارضة» التي يدعمها يوسف بقوة أغمضتْ عينيها عن عذابات هائلة لقطاع واسع من الشعب السوري، وكانت حساسية مثقيفها متدنية جداً، وأحيانا طائفية أيضاً.
5
في مسرحية «لستراتي» لأرسطوفانيس التاريخية أيام الحروب الفارسية اليونانية والحروب اليونانية الداخلية، تجتمع نساءٌ يونانيات بقيادة «لستراتي» بهدف الإضراب عن الجنس والاستيلاء على مقدرات الدولة لإجبار الرجال على إيقاف الحروب. وقد حضرتُ عرضا لهذه المسرحية في المسرح الذي ظلت تعرض فيه منذ أكثر من ألفي عام باستمرار، وكانت بعض الممثلات عاريات تماماً، وكان عريهن غير ناب ويخدم غرض المسرحية. للفن أساليبه في التأثير وإبراز الجمال، ولا شك أن للفنان أْن يخدم رؤيته الخاصة للجمال عبر جسد امرأة عار. لا غبار على ذلك. ولكن ما إن يربطه بالسياسة وبالحياة العامة التي تخص بشراً آخرين، حتى يضع عمله في موقع الدعوة للنقد. والحال كانت «لستراتي» واضحة العلاقة بالعام، وبإيصال الفكرة، وفي تذوق الجمال، وما في صف الجمال من خير وعدل. فهل فعل يوسف؟ نعم قام بنصف خطوة وهي إظهار جمال جسد المرأة وما يستبطنه من حياة، ولكنه وما إن وظّف هذا في السياسة والحياة العامة في ردّه حتى محا نصف الخطوة الجميل لصالح ما هو غير جميل، أي ربْطه المعرضَ بمعارضة المعارضة، وبهيئة التنسيق، وبالمعارضة الخارجية والعمالة لصدام، وبدفعه عن نفسه تهمة التفاهم مع أجهزة نظام بشار… إلخ. طارت نصف الخطوة الجميلة، لصالح خبيص سياسي.
6
حقيقةً من الصادم المفاجئ أن يستخدم الفنان عبارات من نوع يشي بأنه يريدُ بعْجَ بطون خصومة بقرن خرتيت، بدلاً على الأقل من قرن غزال، كما يليق بفنان رقيق أن يفعل، إذا كان لا بد من جريمة بعج البطون أصلاً. أمثلة: «أصحاب الدكاكين الصغيرة» و«الصارخون بأعلى أصواتهم… ما زالوا عبيداً للنظام الفاشي الذي يعارضونه» و«انفلات الغرائز البدائية» و«الروس جاؤوا ليقودوا الطائرات الحربية، لا ليزوروا المعارض، لو جاء إلى الافتتاح أجانب (الروس) لرحبت بهم كما يرحب أي فنان بأي زائر…» و«التجريح والشتائم الصبيانية» و«تحول الكثير من الناشطين إلى ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي… مما يعطيهم الإحساس ـ أو الوهم ـ بأنهم ما زالوا في ساحة الفعل» و«يا للغباء أنا أتحدث عن الشرف» و«نطالب بقليل من الشرف…» و«لغة الشــــتائم والمهــاترات والبذاءة».
7
في رد يوسف اعتراف جميل ويمكن اعتباره رد يوسف على يوسف وعلى حجج يوسف عن معرض الأعمال العارية، وهو رد يشبه حرد الطفل من أمه وإضرابه عن الطعام كي يؤذي مشاعرها: «كان أمل الحرية أكبر من خطر الموت، كانت شجاعة الشـــــباب أســــطورية… أعترف لكم الآن بأنني لم أستطع أن أرسم الشجاعة، على الرغم من أنها تستحق أكثر بكثير من الرسم. كنت مأخوذاً بألم أمهات الشهداء… غير أن تحوّل الثورة إلى حرب إقليمية ودولية، وابتعادها عن الثورة الحقيقية… جعلني أقرف من رائحة الموت التي تزكم أنوف السوريين قاطبة…» ولهذا تحول الفنان إلى رسم عاريات بدلاً من رسم الشجاعة، هذا هو مؤدى كلام الفنان ذاته. فناننا حرد من الثورة ويرغب في إيذاء مشاعرها.
8
يظهر الفنان فهماً أعوجَ للثورة ولسورية قبيل الثورة بقوله «التقطت دول الإقليم والعالم الفرصة، وهي التي كانت تريد تسديد ضربة (للقوس الشيعي) إيران، سوريا، حزب الله، فراحت تموّل وتسلّح المجموعات السورية وتحرضها على لبس لبوس ديني يظهر بأسماء المجموعات المسلحة». يغيب كل شيء هنا وتصبح الثورة مطية فقط لكسر القوس الشيعي، لا الموت الكبير لمئات الآلاف، ولا السجون والتعذيب، ولا تدمير ثلث مساكن البلد وبنيته التحتية، ولا التهجير القسري للملايين ذا بال. الأهم من كل هذا هو سيطرة الفكرة القائلة إن الخليجيين أرادوا كسر القوس الشيعي العظيم المنجز مسبقاً وقبل الثورة، أما ما عدا كسر القوس فلا أهمية له. كسر القوس هو الذي خرب الثورة وهو الذي دفع الفنان إلى القرف وإلى اللجوء إلى رسم أجساد النساء العاريات بدلاً من رسم «الشجاعة».
9
لا غاية لهذه النقدة سوى فتح باب النقاش بديلاً عن الصمت والسكوت عن جروح ملتهبة لم تجر معالجتها في الثقافة السورية. ولم يكن هذا الرد على رد يوسف ليكون لولا أن الفنان أوغل في السياسة وخاض بها خوض من لا يعرف أن المستنقعات غوّالة وأنها يمكن أن تبتلع المقامر غير الحصيف.
محتاجون لنقاش واسع ومحترم لقضايانا الثقافية. محتاجون إلى أن تظهر ظواهرنا الثقافية للعلن وتحت الشمس بدلاً من التلويح بها من أفواه مغارات الطوائف والأقليات والأكثريات والأيديولوجيات المتحزبة والأنوات المتضخمة.
حقاً وما بدلوا تبديلا.

٭ كاتب وروائي سوري

رد على رد يوسف عبدلكي: فنان أوغل في السياسة وتجاهل عذابات البشر

محمد الحاج صالح

- -

3 تعليقات

  1. الديموقراطية تستدعي حكما تعدد الرأي و ارى ان مصطلح المعارضات السورية هو مصطلح صحي و ليس نقيصة توسم بها المعارضة السورية ، رغم كل الدماء و الخراب ما زال العظيم يوسف عبدلكي يرسم اليس هذا رائعا بما يكفي ؟

    • عظيم! يصير عظيم لما يرسم إبداع وما يخدّم الإبداع لسياسة مضرة تعبانة ولما ما يخون الناس ولما ما يكون هالقد متضخم الأنا

  2. أية معارضة وأيةثورة يارجل…..هي حرب سنّية-شيعية لا أكثر….
    لاخير في الإثنين لا المعارضة لا النظام المستأسد على دمشق من نصف قرن.
    نفخة واحخدة من أردوغان كانت كافية لتهرول المعارضة إلى آستانة.
    من الجحف الانتقال ، فقط، من الظلم إلى الظلام.
    دعوا يوسف عبدلكي لحاله…هو على الأقل فنان حقيقي..أما رأيه واتجاهه فهو ملك له.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left