آخر حكايات شهرزاد وأول القصيدة: مدينة عامودا السورية ضيق الجغرافيا وسعة التاريخ

رند صباغ

Feb 04, 2017

على الحدود التركية، وفي أقصى الشمال الشرقي من سوريا، حيث الطريق الوعرة بين ماردين والحسكة، تسكن عامودا، صغيرةً وادعة، تشد جنوب سكة الحديد إليها، لتبقى غصة الحدود في أصواتِ العابرين والراحلين، تروي حكايات كردية وهجرة السريان، وظلم من حكموا هذه البلاد، لتجعل هذه المدينة حاضرةً في وعي السوريين من أبناء الشمال سواء الأكراد أم السريان. عامودا التي اعتبرها الكثيرون حاضرةً للثقافة والأدب، فعرفت بكثرة الشعراء، حتى قيل عنها على سبيل الدعابة: «كل شخصين في عامودا هم عبارة عن ثلاثة شعراء»، تصفها الكاتبة البريطانية أجاثا كريستي التي سكنتها لفترة بسيطة أثناء عمل زوجها في سوريا، فتصف الحياة فيها في مذكراتها: «أتجول بعيداً عن أماكن العمل، أتجول في الأماكن البعيدة المحيطة بالتل…. أجلس بين الأزهار. أتطلع في اتجاه الشمال إلى الروابي والهضاب. ثم أغفو واستسلم لسبات عذب. مجموعة من النسوة آتية من بعيد باتجاهي. إنهن نسوة كرديات وهذه الألوان المبهرجة تدل عليهن، إنهن ينهمكن بين الحين والآخر في الحفر عن جذور بعض النباتات والبقول وقطف أوراق من الكلأ والأعشاب. إنهن يأتين إليَّ من طريق النحل من أقرب المسالك».

أقدم مدن الجزيرة

تعتبر عامودا واحدةً من أقدم مدن الجزيرة السورية، فيعيد بعض الباحثين تاريخها إلى ثلاثة آلاف عام، بناءً على عمليات التنقيب التي كشفت عن تل عامودا وتل المال (موزان)- وتل حطين (شاغر بازار)، إلا أن أحداً لم يستطع إلى اليوم تحديد أصل التسمية، وإن أعاده البعض لكلمة العامود، حيث يتناقل السكان المحليون أساطير عن ابنة ملك ماردين، عندما قررت إبعاد وليدها الجديد، فتم تعليقه على عامود بعيدٍ عنها (حيث تل عامودا). إلا أنه لا توجد وثائق تاريخية تثبت هذه الحكاية، ولا مدى تواترها في القدم بالفعل، ويقال أن العرب أطلقوا عليها اسم ديار مضر، وديار ربيعة عندما دخلوها في الفتوحات الإسلامية المبكرة.
لكن التاريخ الحالي للمدينة قد يعود إلى أواسط القرن الثامن عشر، عندما سكنتها عشيرة الدقورا والتي انقسمت أراضيها في القرن العشرين بين تركـيــا وسوريا، لتبدأ باستقطاب السكان إليها وتتسع معمارياً وحضرياً حتى أصبحت قريةً بطموح مدينة.
في القرن العشرين برزت عامودا بسبب ما شهدته من أحداث، فبعدما كانت مجرد قريةٍ صغيرة بغالبية كردية تتبع لولاية ماردين في نهايات الإمبراطورية العثمانية، إلا أن المجازر التي عرفتها الولاية بحق الأرمن والسريان والأشوريين والكلدان، جعلت من عامودا التي تحتوي على عدد من الأديرة الأثرية ملاذاً آمناً للناجين، إلا أن خط سكة الحديد الذي يمر شمالها أصبح جزءاً من الشريط الحدودي الذي فصل بين سوريا وتركيا حسب معاهدة لوزان، وذلك بعد اقتطاع المناطق السورية الشمالية، وإن جاءها سكانها الجدد وهم مثقلون بذاكرة الموت وهول المجزرة، إلا أنهم ساهموا في إنعاشها، بإدخال التجارة إلى جانب الزراعة وتربية الماشية التي كانت سائدة وقتها.
وبسبب التطورات التي زادت من حجمها سكانياً اتسعت عامودا بشكل أكبر لتتحول إلى بلدة، وبدأت الحياة المدنية والفكرية بالازدهار فيها، فتأسست «حجرة عامودا» عام 1920، والتي كانت غرفة لتدريس الطلبة في الفقه والشعر والأدب، لتشكل نقطة تحول في حياة البلدة، لما خلقته من نشاط وحيوية في المكان، وفي عام 1938 تم افتتاح نادي للشباب الكرد في عامودا، والذي بدأ بتعليم الطلاب اللغة الكردية، قبل صدور القرارات التمييزية بحق الأكراد وثقافتهم.

«قبل أو بعد السينما»

لكن تلك الأعوام لم تكن سنوات رخاء واستقرار، فمع دخول الفرنسيين إلى سوريا وبسط سيطرتهم، عملوا على إثارة فتنة بين مكونات أهل البلدة من سريان وأكراد، ما دفع بعض السريان للهجرة مجدداً والمساهمة في تأسيس مدينة الحسكة الناشئة في حينها -80 كم جنوب عامودا- والتي أصبحت مركزاً للمحافظة لاحقا، كما برزت بعض حركات المقاومة في عامودا والتي قادها سعيد آغا دقوري، والذي بقي من أهم رموز البلدة الوطنية فلقبه البعض بـ «أبو الشهداء»، وفي منتصف الثلاثينيات اشتدت المقاومة باشتداد الإجراءات التي طبقها الفرنسيون على حرية التنقل بين الحدود التي تقسم العشائر الكردية، كما زادت مطالب الفرنسيين لفلاحي البلدة بدفع الضرائب، وتهميش دور زعـمــاء العشائر لصالح المحاكم، فما كان من الأكــــراد إلا وأن طردوا ممثلي الدولة، لترد عليهم فرنســا بإلقاء القبض على زعماء عشـائر المنــطقة، وشن بخمس غارات جوية على البلدة.
سياسياً، برز خلال هذه الفترة اسم سعيد اسحق، والذي غدا واحداً من رجالات الاستقلال البارزين، حيث حظيت عامودا بسببه بزيارة من الرئيس شكري القوتلي، وكان اسحق قد انتقل من رئاسة المجلس البلدي في عامودا إلى مجلس النواب الذي ساهم في تأسيسه منذ عام 1931، وصار نائباً له في عام 1951 حتى 1954 عندما تولى رئاسة البلاد بالنيابة لمدة 24 ساعة حتى تستقر الأوضاع السياسية.
كما يحضر أيضاً في وعي أهالي عامودا «بافي محمد» أي أبو محمد، حتى أن البعض يكنّون المدينة باسمه، من باب الوفاء لذلك البطل محمد دقوري، والذي قضى أثناء محاولاته لإنقاذ أطفال البلدة من حريق كان قد اندلع في سينما «شهرزاد» في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1960، وهي الحادثة الأكثر حضوراً في وجدان سكانها، فصارت نقطة زمنية فاصلة ليقال «قبل السينما أو بعد السينما»، حيث أودى الحريق بحياة 283 طفلاً من المرحلة الابتدائية، وعن الحادثة يذكر الكاتب حسن دريعي في كتابه «عامودا تحترق» مجموعة من شهادات الناجين من الحريق، حيث تم تنظيم رحلة مدرسية لحضور الفيلم المصري «جريمة نص الليل» في سينما «شهرزاد»، وكان سعر البطاقة نصف ليرة سورية يعود ريعها لصالح الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وفي الساعة السابعة تقريباً وقبل نهاية الفيلم اندلع حريق مفاجئ في الصالة، لتمتد ألسنة اللهب وتلتهم المكان بسرعة، فيما كان الأطفال يحاولون الهروب، وهنا برزت أسطورة محمد دقوري، والذي كان يجلس في المقهى أثناء سماعه بحصول الحريق، فأسرع للمكان ودخله وهو يحاول إخراج الأطفال، وعندما كان يحمل الطفل الثاني عشر على كتفه باغتتهم النار، فاحترقا معاً.
ويستحضر الكاتب ملا أحمد نامي في توثيقه للحادثة أهازيج الأمهات الثكالى واللواتي كن يجلسن عند القبور ويرددن بالكردية: «يا نور عيني أمك البائسة… هذا العويل الذي تطلقه بين أنياب ومخالب التنين الناري صارخاً – يادي هواري، يابو هواري – لن أنساه حتى أوارى الثرى، وتنمو الأعشاب شبراً على صدري»، وفي حين اعتبر البعض بأن الحريق جاء بسبب ازدياد حرارة الأجهزة وإطلاقها للشرر، إلا أن الكثير من الأصابع ما زالت إلى اليوم توجه الاتهام إلى حكومة جمال عبد الناصر ومنهجها العروبي الذي حارب الأكراد.

إجراءات جائرة

وبقيت المناخات السياسية مزدهرةً في عامودا، فنشطت الأحزاب الكردية واليسارية على حدٍ سواء بغض النظر عن المناخ السوري العام الذي لم يكن يسمح بمثل هذه التحركات، وكان يمارس بحقهم أشكالاً من الاضطهاد والتمييز السياسي والثقافي والاجتماعي كأكراد، فما كان من أهالي عامودا إلا وأن شاركوا بقية أكراد سوريا في انتفاضتهم عام 2004، جراء مقتل 7 شبان كرد في القامشلي على يد الأمن، إبان مشاجرات في مباراة لكرة القدم ما لبثت أن تحولت لمسألة سياسية، لكن هذه الانتفاضة جعلت البلدة تتعرض لإجراءات جائرة أكثر بحقها، إلى أن عادت من جديد خلال الثورة السورية، فكانت أول المناطق ذات الغالبية الكردية التي تنتفض بوجه النظام السوري، وتعلن تضامنها مع بقية المدن الثائرة، إلا أن الحراك تعرض للكثير من التبدلات جراء ما شهدته منطقة الجزيرة السورية وبالأخص محافظة الحسكة من تحولاتٍ سياسية في الامتيازات والتوجهات.
كان الشعر يحفظ روح عامودا من التعب، فما أن تخذلها الأقدار، حتى تنقذها القصيدة، فتؤرخ حزنها وهمها، فعرفت عدداً كبيراً من الشعراء والأدباء، منهم من كتب بالعربية وآخرون بالكردية، وربما من أبرزهم محمد عفيف الحسيني، وحليم يوسف، ومنير دباغ، ومحمد نور الحسيني وجكر خوين، بالإضافة إلى الأديب سليم بركات، والذي ولد ونشأ في ريف البلدة، وكتب عن سنين طفولته فيها في رواية «السيرتان».
ربما كانت عامودا مثالاً حياً عن المدن الصغيرة ذات الأفعال الكثيرة، فهي مدينة لا تقاس بمساحتها وعدد السكان، بل إنها أكثر كثافةً واتساعاً من هذه الأرقام، عامودا ضيق الجغرافيا وسعة التاريخ.

آخر حكايات شهرزاد وأول القصيدة: مدينة عامودا السورية ضيق الجغرافيا وسعة التاريخ

رند صباغ

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left