«القدس العربي» تنقل تجربة «AJ+» نموذجا لتحدي الإعلام الأمريكي في عقر داره

سليمان حاج إبراهيم

Feb 11, 2017

الدوحة ـ «القدس العربي»: توقف صحيفة «السفير» اللبنانية مؤخرا عن الصدور بكل إرثها وما شكله من ثقل في الساحة الإعلامية العربية، بسبب تخبطها في مشاكل عدة، شرّع الأبواب الموصدة لفتح نقاش جدي يتطرق لواقع ورهان ومصير الإعلام في المنطقة العربية، على ضوء التحديات التي يواجهها والتحولات الحالية.
هذه الافرازات وما ينتج عنها من تحديات بدأت تطرح الكثير من الأسئلة للوقوف على التطور الحاصل في المجال.
وتسلط «القدس العربي» في هذا التحقيق الضوء على النقاش الدائر على مستويات عدة، خصوصا مع استغراب البعض لهذه التغيرات، مع وجود في المقابل جهات ومؤسسات عدة تجاوزت سلفا هذه التداعيات واحتاطت لها قبل فترة زمنية طويلة وحتى قبل أن يعلن طلال سلمان إسدال الستار عن آخر نسخة من صحيفته ويطفئ أنوار مكتبه للمرة الأخيرة.
وتتجه العديد من المؤسسات التلفزيونية والقنوات خصوصا مع ما رافق الأمر من همس بعض قياداتها بعمق الأزمة التي تمر بها، والحديث الدائر عن تقلص الميزانيات وما صاحبها من تداعيات من شح التمويل، نحو التفاعل بإيجابية مع التطور الذي يشهده هذا المجال المتفاعل والمتطور بسرعة.
ومع اعتراف كبريات الفضائيات العربية التي تعتبر من وسائل الإعلام الثقيلة بهذه الأزمة وتحدياتها، وعزوف نسب معتبرة من مشاهديها عن الشاشة، بالرغم من شطحات بعض المسؤولين بإيراد أرقام غير دقيقة، ولدت بعض القيادات أفكارا طموحة وجريئة وفرضتها لمواكبة التطورات الحاصلة واستقطاب الاهتمام.
ومن خلال رصد لأهم مضامين منصات الإعلام الرقمي العربي وقفنا على واقع وسائط التواصل الاجتماعي وتأثيرها المتنامي وتوجه الأنظار إليها لاستقطابها الاهتمام. وانقسمت الآراء والتعليقات بين من يعتبرها لغة المستقبل وآخرون يستخدمونها لمجرد أنها وسيلة استقطاب يستثمرون فيها دأبهم مع أي مشروع ناجح.
وتجرى حالياً، إعادة تنظيم غرف الأخبار لاستغلالها على النحو الأفضل عبر مختلف المنصات، مع استحداث شبكات لمشاريع رقمية رائدة سجلت اسمها في الساحة الإعلامية العربية.

طريقة توظيف غير معهودة

أثناء بحثي في الموضوع توقفت مطولا أمام قصة توظيف غريبة وجريئة وغير معهودة من قبل في أي من المؤسسات الإعلامية العربية.
انتشر حولي فيديو سجلته المدونة والمراسلة الصحافية ومديرة مكتب «الجزيرة» السابقة في فنزويلا ديمة الخطيب، لإعلان نتائج توظيفها عددا من العاملين في الخدمة الأحدث للشبكة التي انضمت إلى «الجزيرة». ملخص الفيديو الذي سجلته ديمة في هاتفها الذكي واستعرضت فيه وبكل شفافية فكرة توظيفها لعاملين في القناة الرقمية المتعددة اللغات « “AJ+ التي تشرف عليها وسبق أن أعلنت عن ذلك في صفحتها الخاصة وتلقت مئات الملفات. اشترطت المسؤولة على ضوء فكرتها الجريئة، لأي مرشح للوظيفة أن يرسل سيرته أولا باللغة العربية، وثانيا بطريقة مبتكرة وإبداعية وليست نمطية ليتحدث عن الإضافة التي يمكن أن يساهم بها في تعزيز المحتوى الرقمي العربي عبر مختلف المنصات.
توقفنا أمام تجربة «AJ+» الرقمية التي تقدمها شبكة «الجزيرة» الإعلامية، وهي تسلط عبرها الضوء على الإنسان، وتمنح شريحة الشباب مساحة للحوار والنقاش، وتسعى إلى تقديم منبر عبر منظور مختلف للأحداث الراهنة.
وسريعا حاولت زيارة مقر الخدمة للوقوف على هذا العالم الجريء المتطور بسرعة انتشار المحتوى الرقمي، فكان الموعد محددا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال رسائل تبادلتها في صفحة ديمة. كنت أرصد في ذات اللحظة تفاصيل هذه الفكرة التي اعتبرتها رائدة نوعا ما وليست نمطية من وحي الخدمة الرقمية وبالتالي فهي تسعى أن يكون كافة العاملين معها من أصحاب الفكر الخلاق والمبدع حتى يساهم ذلك في بعث المشروع والوصول به إلى العالمية ولا يظل مجرد واجهة هشة.
استقبلتني الخطيب من دون بروتكولات تطبع هذه اللقاءات في مقر الخدمة التي تخاطب جمهورها عبر كافة المنصات الرقمية، بكل حيويتها وعرّفتني على فريقها الشبابي. القاعة التي يعمل فيها العشرات ينحدرون من دول عدة، موزعين بين لغات المنصة التفاعلية كانت تشبه خلية نحل تواكب في حركيتها حجم التدفق الإخباري. ترتفع أصوات الموسيقى حولي، وتعلو نكت من هناك تقلل من التوتر الذي تفرضه قاعات التحرير، لتكسر الجمود الذي يطبع عمل الكثير من الصحافيين في غرف الأخبار التقليدية.

منصات رقمية لمواكبة التطور الإعلامي

تمتزج صيحة أحد الصحافيين مستفسرا عن الدلالات العامة لأحد المصطلحات، مع الصور المتحركة على شاشات تعلوها جمل قصيرة تجسد بتمازجها طبيعة عمل الخدمة الجديدة. تؤكد الخطيب المدير التنفيذي لـ « “AJ+ أن الإعلام العربي يشهد تحولات محورية وبالتالي على الجميع أن يتأقلم مع هذا التدفق المتسارع يواكب هذه الفورة التكنولوجية حتى «لا نظل على الهامش في ظل التسارع الذي يشهده هذا القطاع المحوري الذي له تأثير مباشر على حياة قطاعات واسعة من الناس».
وتستدل بقولها على أن خدمة «AJ+» الرقمية تمكنت وعن جدارة واستحقاق أن تنافس الإعلام الأمريكي الذي له قواعد لعبة مختلفة تماما، وفي سابقة أن يحصد على اهتمام رواد مواقع التواصل الاجتماعي. وتؤكد الشاعرة والمدونة والمشرفة على القناة الرقمية أن «تجربة إي جي بلس هي تجربة رائدة على المستوى العالمي إذ أصبحت تقلدها كبرى وسائل الإعلام الأمريكية حيث حققنا نجاحاً غير مسبوق لوسيلة إعلام عربية في السوق الأمريكية». وتضيف قائلة: «نحن نافذة مباشرة إلى العقل الأمريكي الشاب المستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي لاطلاعه على قضاياه الداخلية والقضايا العالمية من منظورنا العربي، وأولها وأهمها طبعاً القضية الفلسطينية، التي نقدمها للمستخدم الأمريكي بطريقة مختلفة تماماً عن سائر وسائل إعلامه، وطبعاً نُهاجم على ذلك من قبل اللوبي الصهيوني وجرت مهاجمتي شخصياً واتهامي بمعاداة السامية وما إلى ذلك».
وعند سؤالها عن الحدود الفاصلة بين ما يمكن وصفه بالإعلام التقليدي تجاوزا ويقصد به القطاع السمعي المرئي أو حتى المكتوب، وهذا الفضاء الواسع، أشارت إلى أن: «بعض فيديوهاتنا تصل المشاهدات عليها إلى عشرات الملايين، وتتناقلها وسائل إعلام أخرى بعد أن أصبحنا من أهم الناشرين على فيسبوك عالمياً ومصدراً يومياً للأخبار لملايين المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي في السوق الأمريكية والعالمية»
وتدعم كلامها بما حققته القناة الرقمية، من منجزات في ظرف زمن قصير، لكنها تشدد على أنه «بالنسبة للنسخة العربية فالتحديات مختلفة نوعاً ما عن النسخة الإنكليزية، بسبب تعدد اللهجات والثقافات في المنطقة العربية وهو ما نحرص على احترامه في محتوى يشجع على التفاهم والتواصل والتسامح والتفاعل فيما بين الشباب الناطق بالعربية في مرحلة تعاني من استقطاب إعلامي وحساسيات وانقسامات كثيرة بين الناس» على حد وصفها.
وترجع ذلك إلى أن فريقها الذي تشرف عليه والموزع بين الدوحة، وسان فرنسيسكو يقدم خدمة إخبارية بلغات عدة هي العربية والإنكليزية، والإسبانية، تسلط الضوء على الإنجازات البشرية بعيدا عن اللغة التي تستخدمها أغلب القنوات الفضائية، وتوفر أخباراً ومعلومات حول أهم القصص والأخبار العالمية، وهي تحفز على الحوار والتفاعل وتبادل القصص والتجارب والتقريب بين الثقافات واللهجات.
وخلال جولتنا في مقر الخدمة الرقمية التي تحولت إلى أحد أبرز التجارب الإعلامية العربية الرقمية، لم تتوقف الخطيب التي واكبت التطور الحاصل في هذا المجال من خلال روحها وشغفها الدائم بكل ما هو جديد، عن التأكيد على أهمية الاهتمام بالشباب ومخاطبتهم بلغتهم الأقرب إلى نفوسهم.
وتعتبر أنه بحكم المسؤولية الملقاة على عاتقها ليست هينة مع ما يصاحبها من أعباء مترتبة عن إدارة مشروع مماثل يستنزف منها طاقة وجهدا ليس باليسير ويحتم عليها أن تنظم وقتها لتتابع وباستمرار كل ما ينشر أو يبث وتتأكد من التزامه بالحياد المطلوب وبأخلاقيات المهنة. وتستطرد قائلة أنه: «في إي جي بلس لا حدود للابتكار والتطوير، كل يوم نتعلم مما قدمناه في اليوم السابق، ونطور منتوجنا، ونستعين بالمستخدم كجزء لا يتجزأ منه. بعض قصصنا تغير حياة الناس مع انتشارها، وقد تغير حياة مجموعة من الناس، وهنا قوة القصص الإنسانية التي نركز عليها وقوة التفاعل المباشر مع المستخدم بدلاً من التركيز على القصص السياسية التي ترسل فيها وسائل الإعلام ولا تستقبل»
ومن قاعة التحرير الرئيسية ولجنا إلى جناح الإبداع الذي يتضمنه المشروع وتعمل فيه مجموعة من المبتكرين الشباب منتجي القصص المرئية والبرامج التفاعلية التي تحظى بنسب عالية من المشاهدة. تابعنا سوية النسخة ما قبل النهائية من برنامج «السليط الإخبار» الذي يتابعه الملايين والذي يقدم باقة متنوعة من الأخبار في قالب فكاهي ويضع المشاهد في صورة الحدث بأسلوب مبتكر.
كانت توجيهات ديمة لفريقها سريعة وهي تنقل عبر صفحتها وبشكل مباشر تفاصيل التصوير و»المونتاج» للإعلان عن صدور البرنامج في موسمه الجديد.
ودعنا المديرة التنفيذية لـ»AJ+» وفريقها الشبابي ولم نشأ أن نقطع تركيزهم وهم يضعون لمساتهم الأخيرة على مختلف الفقرات التي تتضمنها المنصة التي تعد بالكثير وتطمح لأن ترتقي في هذا الفضاء الإلكتروني الذي يسجل تطورا لافتا في الساحة الإعلامية العربية ليواكب كل جديده بعيدا عن القوالب الجاهزة.

جهود لتعزيز المحتوى العربي على الانترنت

تنطلق العديد من المواقع والمنصات والمبادرات من واقع صعب تسعى لتجاوزه وهو تدني المحتوى العربي على شبكات الإنترنت بمختلف وسائطها وأنماطها. وحسب دراسات عدة فإن هذا المحتوى لا يمثل سوى 3% من التدفق العالمي، برغم أن عدد المستخدمين العرب للإنترنت يبلغ 96 مليوناً، والمنطقة العربية تحتضن 5.1% من سكان العالم.
هذه الأرقام أوردها التقرير العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، وأكدتها دراسة أعدت بالتعاون بين Google ومختبر «ومضة» للأبحاث. وأُطلقت في الفترة الأخيرة، مبادرات خاصة وحكومية كثيرة من أجل رفع هذه النسبة المتدنية، لكنها لم تنجح في ردم تلك الفجوة بعد. ولا يزال المحتوى غير مرضٍ ويظهر بشكل باهت ويغلب عليه طابع إعادة تدوير المحتوى. لكن وبعيدا عن هذه الأرقام المحبطة تعمل جهات عدة وأشخاص وأفراد على تجاوز هذه الصورة النمطية وتعزيز المحتوى العربي في هذا العالم الافتراضي.

تحولات عميقة

ويشدد الباحث خالد الجابر أستاذ الاتصال السياسي في برنامج الخليج في جامعة قطر في كتاب أصدره مؤخرا عن «وسائل الإعلام الاجتماعية في العالم العربي» على دور وسائل التواصل الاجتماعي ومكانتها وأوجه استخداماتها في المجتمعات العربية عموما، وفي الخليجية خصوصا.
د الجابر يعتبر أن أدوات ووسائل الإعلام الجديد (النيو ميديا) أعادت تشكيل الساحة الإعلامية الخليجية وتغيرت معها قواعد اللعبة وتبدلت أدوار اللاعبين، ووفرت أرضية قائمة على إتاحة مساحة رمادية واسعة من التعبير والحوار المتبادل والمشاركة في الرأي، يمكن أن نطلق عليها «ديمقراطية الاتصال» حيث تشمل مشاركة كبيرة من جانب السواد الأعظم من الناس خصوصا الفئات المهشمة وفي صدارتها القطاعات الشبابية والتي تمثل الأغلبية والقوى الصاعدة في المجتمعات الخليجية.
وقد ساعدت هذه القوى في إيجاد منصات لتشكيل الفضاء العام أو المجال العام، كما أضعفت وسائل الإعلام الجديد دور ما يعرف بحارس البوابة، ودور وسائل الإعلام التقليدية الرئيسية (الصحف، الإذاعات، التلفزيونات، المحطات الإخبارية) في تحديد أولويات اهتمام الرأي العام، ولم تعد لديها القدرة الفاعلة لتعيين وتشكيل طبيعة الخطاب وصناعة الموافقة، كما تناولها نعوم تشومسكي.
الحيوية التي تشهدها المنصات الرقمية طرحت عديد الأسئلة حول استعداد العرب ليكونوا رقما فاعلا في إعلام المستقبل.

طفرة مستقبلية

ويعتبر أحمد عاشور وهو من أوائل المنظرين في هذا المجال إلى أن الإعلام الإلكتروني سيشهد طفرة مستقبلا مع الطفرة الحاصلة مستشهدا بالرعب والحيرة التي تظهر في عيون مدراء الأخبار وملاك القنوات الفضائية فالتطور سريع والجمهور أكثر نهماً وأكثر ذكاء وفهما.
من خلال تجربته في «الجزيرة توك» التي كان أحد مؤسسيها، في سنوات خلت وكانت رائدة في مجالها، يعتبر الخبير أن هناك محاولات لفهم الواقع من الإعلاميين العرب، وهناك الكثير من المسارات الخاطئة في وسائل الإعلام العربية تتبع الموضة الالكترونية دون الحاجة إليها بحق، مع وجود استثمار مبتكر من آخرين للوسائل إلا أن الساحة العربية الالكترونية ما زالت فارغة نوعا ما وتفتقر للابتكار الحقيقي في هذا الميدان.
ويعد أصحاب التوجه والتأكيد على ضرورة منح الإعلام الرقمي مساحة وهامشا أوسع في الساحة الإعلامية العربية بدأت الساحة تعج بتجارب جديدة تنبثق بشكل مستمر، على غرار «مدونات الجزيرة» و»موقع ميدان» إلى جانب موقع «ساسة بوست» الذي حقق اختراقا في مجال الدراسات العميقة والترجمات الرزينة. كما ظهرت منصات أخرى مثل «هافينغتون بوست» عربي، مستلهمة تجربة المؤسسة الأم التي صدرت بعدة لغات، وقبلها كانت ظهرت «نون بوست» و»إضاءات» و»الترا صوت» والعديد من التجارب التي تحتاج لرصد دقيق لتحليلها وفق نتائجها وما حققته من مكاسب في السنوات الأخيرة.

«القدس العربي» تنقل تجربة «AJ+» نموذجا لتحدي الإعلام الأمريكي في عقر داره

سليمان حاج إبراهيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left