حكاية المقايضة بين تعيين سلام فياض وتسيبي ليفني

د.عبد الحميد صيام

Feb 17, 2017

تذكرني حكاية ربط الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، بمرتبة وكيل أمين عام في الأمم المتحدة مقابل تعيين تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل أثناء مجزرة «عملية الرصاص المصبوب» في منصب بالمستوى نفسه، ويكون القبول أو الرفض على الاثنين بحكاية الجمل والهر.
فقد أقسم رجل أغلظ الأيمان أن يبيع جمله بدينارين، إذا ما عثر عليه بعد هروبه للمرة الرابعة ليتخلص منه إلى الأبد. فلما وجده عز عليه أن يبيعه بدينارين فاستشار زوجته لتجد له مخرجا، فقالت إذهب إلى السوق واربط الهر بالجمل وصح في الناس «الجمل بدينارين والهر بألفين والبيع على الاثنين».
إن المقايضة هذه التي ربطت توظيف فياض مقابل ليفني، تشكل سابقة خطيرة وتبشر ببداية سيئة للأمين العام الجديد، تؤكد ما قلناه في مقالنا الأسبوع الماضي، وقد نرى العجائب في السنوات الخمس المقبلة، تجعلنا نتحسر على قلق بان كي مون الذي استبدله غوتيريش بالأسف. لقد بدأت محاباة الكيان المتلبس بحالات انتهاك صارخة لجميع القرارات الدولية منذ قرار التقسيم 181 وقرار 273 بتاريخ 11 أيار 1949 الذي بموجبه ضمت الجمعية العامة إسرائيل إلى عضويتها والذي ينص على تعهد إسرائيل «بقبول القرارين 181 (التقسيم) و194 (حق العودة). وسأتناول الحكاية من أولها كي أضع القراء في صورة ما حدث.

العرض الأصلي كان لتسيبي ليفني وليس لفياض

قبل نحو ثلاثة أسابيع زارت ليفني مقر المنظمة الدولية والتقت بالأمين العام غوتيريش، دون أن يعلن المتحدث الرسمي عن الزيارة، رغم الأسئلة المتكررة، إلى أن كشفتها الصحف الإسرائيلية. في الزيارة عرضت ليفني على الأمين العام فكرة تعيينها في منصب رفيع في الأمم المتحدة، يناسب مؤهلاتها كوزيرة خارجية سابقة. لقد بدأت ليفني تشعر بأن مشوارها السياسي في إسرائيل قد وصل نهايته فأرادت أن تسجل سابقة في المنظومة الدولية، بأن تكون أول إسرائيلية تحتل موقعا دوليا مرموقا، كاسرة بذلك تقليدا متبعا منذ إنشاء الكيان بألا يعين إسرائيلي واحد تحت الجنسية الإسرائيلية، إذ أن هناك المئات الذي يعملون في خدمة إسرائيل تحت جنسيات مختلفة. الأمين العام بدوره رأى أن تعيين ليفني أولا دون أن يكون اختار أي عربي لمنصب رفيع في إدارته الجديدة قد يثير ردة فعل عالية في العالمين العربي والإسلامي، خاصة أن هذه السيدة متهمة بارتكاب جرائم حرب نص عليها تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة في حرب 2008/ 2009 المكونة من ثلاثة أعضاء لكنها سميت خطأ باسم رئيسها غولدستون.
كان الأمين العام في هذا الوقت المبكر من ولايته يخشى أن تعيين ليفني قد يفاقم الانتقادات التي تعرض لها بعد ما أثاره تصريحه الأخير حول الحرم الشريف والبيان البارد الذي عبر فيه عن أسفه الشديد حول قرار الكنيست المضي حول شرعنة المستوطنات والبؤر الاستيطانية. تصادف أن مارتن كوبلر، ممثل الأمين العام في ليبيا، اقترب من انتهاء عمله مسجلا فشلا كبيرا في جمع كلمة الليبيين لتنفيذ الاتفاق السياسي الشامل، الذي وقع في الصخيرات بالمغرب بتاريخ 17 ديسمبر 2015. والوظيفة تحمل رتبة وكيل أمين عام ولا يعلو عليها إلا منصب نائب الأمين العام.
خطرت إذن فكرة تعيين سلام فياض مكان كوبلر. السيد غوتيريش، على حد علمنا، لا يعرف فياض. إذن من الذي رشح فياض للمنصب؟ وحسب مصادر ليبية تقول إن الذي رشحه للأمين العام هو الأمريكي جيفري فيلتمان، وكيل الأمين العام للشؤون السياسية، وحسب مصادر دبلوماسية أخرى في الأمم المتحدة الذي رشحه صديقه العزيز توني بلير، وفي رواية ثالثة أن الذي رشحه الحكومة الإيطالية لأهمية الملف الليبي بالنسبة لها. كما أن هناك توافقا على أن الرجل خبير في بناء المؤسسات ومحاربة الفساد ورفع مهنية الأجهزة الأمنية.
بعث الأمين العام برسالة إلى مجلس الأمن يطلب فيها التصديق على اختياره لفياض ممثلا خاصا له في ليبيا، وكان من المقرر أن تسفر جلسة المشاورات المغلقة يوم الجمعة 10 فبراير عن تأييد الترشيح دون أي اعتراض. وكان التوافق حاصلا لغاية الساعة الثالثة بعد الظهر حسب مراجعة ثلاثة أعضاء من داخل المجلس. وعندما بدأ النقاش بعد الخامسة مساء في مسألة الموافقة على فياض اعترضت المندوبة الأمريكية نيكي هيلي. فماذا حدث في هاتين الساعتين؟
وصلت رسالة ترشيح فياض إلى أيدي السفير الإسرائيلي داني دانون، وإذا به يرسل رسالة إلى الأمين العام وأعضاء مجلس الأمن مساء الخميس يطالبهم فيها بإصدار موقف حازم ما أطلق عليه «التحريض الفلسطيني». انصاعت هيلي لأوامر السفير الإسرائيلي وعممت بيانا يدين التحريض الفسلطيني وطالبت أعضاء المجلس بتبني البيان ليصدر بالإجماع، لكن عددا من أعضاء المجلس رفضوا مثل هذا الطلب وفشلت المحاولة. جاء بعد ذلك قرار هيلي برفض ترشيح فياض أمام دهشة غالبية الأعضاء بعد أن كان الإجماع عليه متوفرا.

من الذي رفض ترشيح فياض؟

الجواب تجده في صحيفة «هآرتس»، التي كتبت يوم 13 فبراير «أن رئيس الحكومة نتنياهو، قال في بداية جلسة الحكومة، يوم الأحد بأنه أبلغ قبل عدة أيام حول إمكانية تعيين رئيس الحكومة الفلسطينية السابق سلام فياض لمنصب في الأمم المتحدة، وأكد انه عارض التعيين. وقال للوزراء: قلت إنه حان الوقت كي يتم التعامل بشكل متبادل مع إسرائيل، ولا يمكن تقديم هدايا طوال الوقت للجانب الفلسطيني. حان الوقت أن يقدموا تعيينات للجانب الاسرائيلي أيضا، في حال تعيينه». وحسبما نشرته الصحيفة نفسها الأحد 12 فبراير، اتصل الامين العام للأمم المتحدة بالنائب ليفني، في نهاية الأسبوع، وعرض عليها منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة. وإلى هنا تنتهي القصة.

الدلالات الأساسية للرفض والمقايضة

أولا- العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في أقبح صورها- فمن يرفض فياض إنما يرفض كل وجود للشعب الفلسطيني، حتى لو كان الشخص صديقا أو مخلصا أو حتى عميلا لهم. ففياض كان أول فلسطيني يلقي كلمة في مؤتمر هيرتسيليا السنوي في 6 فبراير 2010 ولقي من الترحاب الإسرائيلي لدرجة أن شمعون بيريس وصفه بأنه «بن غوريون فلسطين». فإذا كان هذا غير مقبول عند الإسرائيليين والأمريكيين فلا يوجد فلسطيني واحد مقبول.
ثانيا- الإدارة الأمريكية الجديدة تخضع لأوامر الحكومة الإسرائيلية – ليس الأمر تنسيقا ولا تعاونا بل إملاء ينصاع لها الجانب الأمريكي. على العرب عامة والمجموعة العربية في الأمم المتحدة خاصة أن تنتظر المزيد من مثل هذه المواقف.
ثالثا- بتنا نخشى أن الأمين العام الجديد سيكون قفازا حريريا في أيدي الإسرائيليين وتابعيهم من الأمريكيين. السيد غوتيريش يعرف أن الأمريكيين هم الذين استبعدوا المرشحة القوية المنافسة له إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لليونسكو بناء على تعليمات من الإسرائيليين لعقابها على قبول فلسطين دولة كاملة العضوية، واعتبار الحرم الشريف تراثا إسلاميا فقط. إذن أصبح غوتيريش أمينا عاما بفضلهم.
رابعا- على الفلسطينيين أن يكونوا متيقظين، خاصة في الأمم المتحدة، فهناك هجمة غير مسبوقة للارتداد على كل ما أقرته المنظمة الدولية من قرارات تحمل صفة قانونية في غاية الأهمية، في مواضيع الاحتلال والاستيطان، والقدس والجدار العنصري، وحق تقرير المصير وحق العودة وحق إقامة الدولة المستقلة ذات السيادة والمترابطة جغرافيا وعاصمتها القدس الشريف. وإذا ما بقيت هذه القيادة تتصرف بهذه البرودة وأسلوب رد الفعل فإضاعة هذه الحقوق أمر وارد تماما.
سنوات عجاف بدأت في عهد ترامب في البيت الأبيض وأنطونيو غوتيريش في مقر المنظمة الدولية وسيدهما الأقوى في تل أبيب، فلنكن مستعدين لما هو آت.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرسي

حكاية المقايضة بين تعيين سلام فياض وتسيبي ليفني

د.عبد الحميد صيام

- -

3 تعليقات

  1. عندما أرقا مثل هذا التحليل اشعر بمرارة لأننا أصبحا دائماً نقلل من قدراتنا ونحاول أن نبحث عن المؤامرة .. لا يعقل أن لا نعترف نحن بمستوى فياض العلمي والثقافي وخبرته التي أهلته لهذا المنصب ونبدأ بالبحث عن المؤامرة لتبرير كيفية ترشيحه

  2. مقال اكثر من رائع من انسان خبير بكل خفايا الأمور باروقة الأمم المتحده يادكتور عبد الحميد الا توافقني الرأي ان موافقة السلطه علي مسح القرارات الدوليه التي صدرت عن الأمم المتحده 181==273==194 كلها تصب في مصلحة الفلسطينيين نوعا ما ولا يمكن مقارنتها بما جاء بعد أوسلو والقبول بالضفه وغزه وطنا للفلسطينيين حتي هذه الدويله الهزيله انتهي الحديث عنها بزرع معظم الضفه الغربيه بالمستوطنات والجدار العازل الذي اصبح من المستحيل قيام دوله قابله للحياه
    لنعود الي مقالك الرائع الذين رشحوا الدكتور سلام فياض للمنصب فيلتمان وبلير دعنا من الحكومه الايطاليه ان صحت هذه المعلومات فوالله انه يرتكب خطيئه كبري سلام فياض ان رضي بهذا المنصب !!!! ان كانت ليبيا بحاجه لخبرة سلام فياض بتاسيس رجال امن علي طريقة قوات امن السلطه فليس هناك مجالا للمقارنه بين الوضع الفلسطيني الشاذ الذي يقوم علي أساس ان المحتله ارضه هو الذي يقوم علي حماية المستوطنين ليبيا لا يوجد بها مستوطنات لا لإسرائيل ولا لغيرها الا ان أرادوا جلب مستعمرين لليبيا
    اما شهادة بيريز لسلام فياض في مؤتمر هرتسليا فهي شهاده دامغه سيئه لا تشرف أحدا محتله ارضه ويرضي بها
    ان كان يريد الوظيفه من اجل المال فالجميع يعرف ان لدي سلام فياض مايكفيه لمائة عام علي اقل تقدير اذن قبول الوظيفه هو مقايضه سيئه للقضيه ان كان المقابل هو تعيين تسيبي ليفني بمنصب كبير في الأمم المتحده وهذا المنصب هو صك براءه لليفني من كل ماقامت به وعلي حد علمي فان سلام فياض هو خبير اقتصادي ان كان لا بد من صفقه الأنسب لهذا الموقع هو كبير المفاوضين بالسلطه او لياسر عبد ربه خبراء مفاوضات وخبره كبيره بكيفية التعامل مع تسيبي ليفني والله من وراء القصد

  3. غاندي حنا ناصر- إبن النكبه -العائد إلى يافا- لاجىء فلسطيني -كوريا الجنوبيه -سول

    دكتور عبد الحميد ما تحدثتم به خطير جدآ وخطير للغايه وعلى جميع الأصعده هل الوضع الليبي وماوصلت به الحال من اللاعوده أن رجل المرحله المناسب هو الدكتور سلام فياض ؟! وهل الشان الليبي واصحاب الشان الليبي هم من الغباء ومن الرعونه سيتقبلون القديس سلام فياض ليعرض عليهم الهاماته وعبقريته في إداره المؤساست وتوحيد الأقاليم الليبيه وتوحيد الفرقاء وهل الشعب الليبي عاقر لايوجد به رجال قادرون على إداره المرحله طيب وين عبدالرحمن شلقم لم نعد نسمع له صوت البته !! يادكتور عبدالحميد: الوضع كارثي للغايه المشروع الوطني الفلسطيني في خطر وعلى مفترق طرق وما أوصلنا إلى هذه الحال سوى عبقريه سلام فياض وياسر عبد ربه وكل مهندسين أسلو وبعيدآ سعه افق ودرايه بما ستؤول اليه الأمور ( شهاده الأرهابي شمعون بيرس قاتل أطفال قانا ) بأن سلام فياض هو بن غوريون فلسطين وهذا لا يشرفنا , ياسيدي أضف الى معلوماتك هناك أطراف عربيه ووساطات وعروض مغريه من قبل حكومات عربيه من أجل مقايضه تسيفي لفني بسلام فياض لأنهم لم يجدوا ولن يجدوا في الشعب الفلسطيني من هو أنسب من فياض ليعبد الطريق أمام لفني الى الأمم المتحده وبتالي ستكون رسول سلام الى الدول العربيه … ياسيدي كل شيء مدروس ومخططت له بعنايه ودرايه فائقه الدول العربيه والخليجيه منها ترغب بالتطبيع مع الكيان الصهيوني وعلى المكشوف ومن خلال طريق الألام الفلسطيني يادكتور مره أخرى الوضع جد خطير وهذا الشيطان الماسوني بلير ومن يدور في فلكه , هم من دمروا العراق وهم من خططت لتدميرليبيا واليمن وسوريا على سلام فياض أن يلعب بعيدآعن المشروع الفلسطيني, ففلسطين ليست عزبه وتركه ورثها عن أجداده حتى لو اصبح سلام فياض الأمين العام للأمم المتحده لايهمني ولايسعدني ولايشرفني لأن سلام فياض أُسقط من كل حسابات شرفاء وأحرار وحرائر الشعب الفلسطيني ولايتمتع باي شعبيه كانت في كافه قطاعات الشعب الفلسطيني في تيهه والجوئه وشتاته ,عندها شعبنا العربي الفلسطيني سيقول كلمته والساحه والميدان هما الفيصل نرجو من السيد سلام فياض وكل فلسطيني من خلفه أن ايلعبوا بعيدآ عن المشروع الوطني الفلسطيني ..يكفي ما نحن فيه من إنقسام مدروس ومفتعل لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني المقاوم والتمييع القضيه الفلسطينيه تحت شعارات زائفه بسلام إقتصادي كبلوا به الشعب الفلسطين ودمروا نخبه وعملوا على إغتيال المثقف الفلسطيني عمومآ ؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left