ملحمة فنية في مدينة مغربية حدودية للإحتفال بـ «ماما أفريكا»!

الطاهر الطويل

Feb 17, 2017

خالجتني مشاعر فرح، وأنا أسمع المذيع يتحدث عن خبر تقديم «ملحمة فنية» في مدينة وجدة.
أن يأتي الخبر من هذه المدينة المغربية الحدودية المتاخمة للجزائر فذالك له دلالة قصوى. ومن ثم، خلتُ أن الأمر يتعلق بعمل فني يحتفي بفتح الحدود المغلقة بين البلدين الشقيقين منذ ثلاثة وعشرين عاماً.
فرحتُ، لأنني قبل ذلك بلحظات كنت أشاهد فقرة إعلانية على القناة الثانية لحلقة جديدة من البرنامج المتميز «تحقيق»، خصصها الزميل محمد خاتم لمعاناة الأسر المغربية والجزائرية المتصاهرة في ما بينها مع مشكلة إغلاق الحدود، (وهي الحلقة التي بُثّت مساء أمس الخميس).
بيد أن مشاعر الفرح سرعان ما تبددت وتلاشت، حين رأيتُ مذيع القناة الأولى يتحدث عن «ملحمة فنية» أُنجزتْ بمناسبة عودة المغرب للإتحاد الإفريقي. سمعتُ في التقرير غناء، وشاهدتُ أناساً يرقصون، وتشنّفت مسامعي بتصريحات لفنانين وأنصاف فنانين وأشباه فنانين، من المغرب وخارجه (ومن بينهم فنان لبناني مغمور) يتحدثون عن الإحتفال بالعودة الميمونة إلى الحضن الإفريقي.
وحينها، أدركت سرّ اختيار إحدى ساحات مدينة وجدة لاحتضان تلك الملحمة الفنية «الكبرى»، فالمسألة أشبه ما تكون بالنكاية في الجارة الجزائر التي لا تفصلها عن تلك المدينة الحدودية سوى كيلومترات قليلة. كما لو أن القيّمين على تمويل تلك «الملحمة» يريدون أن يصل صداها عبر مكبرات الصوت وغيرها إلى آذان الساسة الجزائريين، ليقولوا لهم: ها نحن عُدنا، رغم أنوفكم!
والواقع أن تلك «الملحمة» ليست هي العمل «الفني» الوحيد الذي ظهر ـ على حين غرة ـ خلال الأسابيع القليلة الماضية، فبموازاتها قام الفنان الكويتي مصعب العنزي (الذي يحب أن يُطلَق عليه لقب «سفير الأغنية المغربية») بتمويل أغنية من كلماته تحمل عنوان «ماما أفريكا»، وغنتها الفنانة جنات مهيد. كما أدلى عادل الميلودي بدلوه في موجة الملاحم بعمل أطلق عليه «الصحرا عزيزة»، واختار هذا الفنان الشعبي أن يستهل «فيديو» أغنيته بلقطات لوزير الخارجية ورئيس حزب «الأحرار» صلاح الدين مزوار، المشهور عند المغاربة باسم «الفعفاع»، وهو يفتح فاه مردداً كلمات النشيد الوطني المغربي. والواقع أن لقب «الوزير الفعفاع» لا يندرج ضمن باب التنابز بالألقاب المنهي عنه شرعاً وقانوناً، لأن الوزير المذكور اشتُهر بقوله إنه «فعفع» وزيرة خارجية السويد حين التقاها في ستوكهولم، والمقصود بذلك أنه أربكها وأفحمها وجعل فرائصها ترتجف في نقاش حول الاعتراف بجبهة «البوليساريو». ومن ثم، سار «الفعفاع» مثلاً أكثر منه لقباً، والأكيد أنه سيجد له موقعاً في قاموس الدارجة المغربية الذي أشرف عليه وموّله إمبراطور الإعلانات التجارية والقروض الصغرى نور الدين عيوش، الذي نازل ـ يوماً ـ المفكر الكبير عبد الله العروي في نقاش تلفزيوني حول موضوع اللغة العربية والدارجة في المغرب. ولست أدري هل يردد عيوش أنه «فعفع» العروي أم لا، كما «فعفع» مزوار نظيرته السويدية مارغوت فالستروم!

انتشار المحللين السياسيين

وإذا كان عدد من الفنانين المغاربة هبّوا لإنجاز «ملاحم فنية» عن العودة المظفرة إلى «ماما أفريكا»، إمّا من تلقاء أنفسهم أو بإيعاز من صنّاع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، فإن هناك «ملاحم» من نوع آخر باتت مهيمنة على نشرات الإخبار في التلفزيونات المغربية، ويتعلق الأمر بالمحللين السياسيين الذين انتشروا كالفطر هذه الأيام، وصاروا يمجدون القرار الحكيم باستعادة المغرب مقعده في المُنتظم الإفريقي، وما سيكون لذلك من انعكاسات على السياسة والاقتصاد المحليين. كما أن أية نشرة إخبارية لا تكاد تخلو هذه الأيام من تقرير ذي سمة إفريقية، والشيء نفسه ينطبق على خريطة البرامج التي انطبعت بطابع إفريقي.
يبدو الأمر، إذن، كما لو أن المحللين السياسيين والمخططين الاستراتيجيين يريدون أن يقنعونا بالاكتشاف المهم، المتمثل في كوننا مواطنين أفارقة، وأننا لم نكن ننتمي أبداً إلى البلدان السكندنافية (كما قد يُخيّل إلينا)، رغم البشرة السمراء بدرجاتها المختلفة التي تميز معظمنا. والظاهر أيضا أن أولئك المحللين والمخططين يودون أن يكفروا عن الأخطاء التي كانت ترتكبها السلطات خلال السنوات الماضية، حين كانت تباغت المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، وتقوم بتكديسهم في الحافلات لإرجاعهم من حيث أتوا، أي الحدود مع الأشقاء الجزائريين (فتّشْ عن الجزائر في أية مشكلة بالمغرب، وفي المقابل فتّش عن المغرب في أي مشكلة في الجزائر!) أما اليوم، فقد أضحت الأبواب مشرعة لاحتضان الإخوة الأفارقة، سواء أتوا بطريقة شرعية أم غير شرعية، وسواء أتوا للدراسة العليا والاستثمار والعمل، أم للتسول والبحث عن منفذ للوصول إلى «الفردوس الأوروبي»، من دون أن تكون هناك بنيات مؤسساتية واجتماعية كافية لاستقبالهم ومعالجة مشكلاتهم وأوضاعهم، من منطلقات إنسانية بحتة، وليس من أي منطلق آخر.
المحللون السياسيون يكتفون بتمجيد القرارات الرسمية، ويتفادون الإجابة على مثل تلك الأسئلة الحقيقية، ومن بينها أيضاً سؤال: كيف يسمح المغرب لنفسه بالجلوس في طاولة تضم ممثلي جبهة «البوليساريو» ككيان معترف به في وثائق الاتحاد الإفريقي؟ والحال أن المسؤولين المغاربة كانوا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين تشارك جمعية مغربية في لقاء دولي أو إقليمي تحضره «البوليساريو»!

عودة «زمن الملاحم»

إنه زمن «الملاحم» الذي نسيه المغاربة، ونسوا ما كان يتطلبه من إهدار للمال العمومي ومن سيطرة على الإعلام العمومي، ونسوا أيضا ما كان يمثله من تلميع مبالغ فيه للمؤسسات الرسمية وشُغل الناس عن مشكلاتهم اليومية.
لقد ودّع المغاربة ذلك الزمن قبل حوالي عشرين سنة، أي قبل وفاة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني. وفرحوا حين اتُّخذ القرار، مع مجيء العهد الجديد، بإبعاد قصائد المديح وأغاني المناسبات الوطنية، إلى أن أتى من يطلق على نفسه «سفير الأغنية المغربية»، الفنان الكويتي مصعب العنزي الذي يبدو أنه يتوفر على شيء أكبر من الرصيد المالي والرصيد الفني، إنه رصيد من العلاقات مع مراكز القرار العليا التي فتحت لملحمته الفنية قنوات الإعلام العمومي، فأحيى زمن الملاحم، مثلما تُبعث العنقاء من تحت الرماد.
«الله وكيلي فيك» يا مصعب، كما فضّلتَ أن تُعَنْوِنَ إحدى أغانيك!.

كاتب مغربي

ملحمة فنية في مدينة مغربية حدودية للإحتفال بـ «ماما أفريكا»!

الطاهر الطويل

- -

12 تعليقات

  1. اخطاء متتالسة ترتكب قي حق البلد و يزعمون انها ملاحم
    -
    تمضي الايام ونكتشف انها كانت مشاحم
    -
    كم انزلوا بك الدمار يا وطني

  2. إلى السيد الطاهر الطويل . و ما رأيك عن تلك الحفلات التي كانت تقام بسبب غياب المغرب عن الاتحاد الأفريقي خاصة بالمدن الجزائرية القريبة من مدينة وجدة و مخيمات الخيام البالية بتنندوف. و المهرجانات المقيمة ببومرداس و تندوف المتناشية أن المغرب لن يعود إلى العائلة الأفريقية إلا بعد أن يعترف بالبوليزلريو. السيد الطويل . بإمكانك أن تكون حرا في رأيك و لكن لست حرا أن تمس بأبناء بلدك المغرب . إنه بلدك .

  3. كم أعزك يا اخي الكاتب لكني و اننا اقراء سطور مقالك متلهفا كما العادة وجدة ان درجة لهفتى تتراجع مع مرور السطور الكلمات ، كن على يقين ان المشكلة اكبر من ذالك ، اريد ان أضيف ان العارفين بدهاليز السياسة و الدبلوماسية في العالم اجمع يعرفون من هي الجهة المتعصبة و العقيمة التي تتغدى من الموقف الحالي . مع أطيب التماني للقاء مقالتكم باللهفة المعهودة .

  4. تحليل واقعي وجيد من مغربي اصيل و اعيد نفس السؤال:كيف يسمح المغرب لنفسه بالجلوس على طاولة تضم ممثلي جبهة البوليزاريو ككيان معترف به في وثائق الاتحاد الافريقي,?
    الجواب/ لان المغرب وقع في عزلة قاتلة عانى منها في صمت .
    اما الذين يرقصون لعودة المغرب للاتحاد الافريقي نذكرهم ان المغرب عاد بشروط الاتحاد الافريقي و هي :
    1 مصادقة الحكومة المغربية و البرلمان على ميثاق الاتحاد الافريقي دون تحفظ و اهم بنوده:
    الاعتراف بكل اعضاء الاتحاد الافريقي بما فيهم الجمهورية الصحراوية.
    الاعتراف بالحدود الموروثة عن الاستعمار .
    تقديم خريطة المغرب المعترف بها دوليا لا تشمل الصحراء الغربية المحتلة .
    بعد كل هذا صوت المصوتون لانظمام المغرب و تبرؤوا من مساندته لاطروحته او طرد اي عضو بالاتحاد و هذا ما صرح به وزيرا خارجية كل من السنغال و الكوت ديفوار اكبرمساندي المغرب انهم ساندوه لعودته للاتحاد و ليس لشيئ اخر .
    2 بعد انظمام المغرب للاتحاد الافريقي صادق الافارقة بالاجماع على قرارات الاتحاد الافريقي و اهم ما جاء فيها :
    يطالب الاتحاد الافريقي الامم المتحدة بتسريع اجراء الاستفتاء بالصحراء الغربية و تحديد تاريخ محدد لاجرائه و مطالبة الامم المتحدة بتوسيع صلاحيات الاتحاد الافريقي لتشمل ايضا مراقبة حقوق الانسان بالصحراء الغربية المحتلة .
    ملاحظة هامة: وسائل الاعلام المغربية لم تنشر قرارات الاتحاد الافريقي و لم تشير اليها و هذا مستغرب لان المغرب اصبح عضوا و القرارات الافريقية تعنيه .

    • إلى السيد المستغرب . اكيد إنك استغربت أكثر عندما غير الاتحاد الأفريقي خريطته بوضع العلم المغربي على جميع مناطقه من طنجة إلى لكويرة . (هذا إذا كنت تطلع ) . الجلوس مع جماعة البوليساريو عادي جدا . الم يجلس المغرب مع هذا الجبهة و ليست دولة داخل الأمم المتحدة من اجل التوصل إلى حل يرضي الطرفين أي المملكة المغربية و جبهة البوالبوليساريو و ليست “الجمهورية الصحراوية “. هذه الجمهورية التي توجد إلا داخل مكاتب الاتحاد الأفريقي و منطقة تندوف الصحراوية .

    • لا تحاول تغليط القراء. المؤتمر الأخير للاتحاد الإفريقي الذي قبلت فيه عضوية المغرب لم يناقش بتاتا قضية الصحراء. ابحث عن ما قرره هذا المؤتمر بخصوص هذه القضية في الجبال والفيافي في السند والهند وفي جزر الواقواق وفي القطبين الشمالي والجنوبي وفي جميع السماوات فلن تجد ما تدعي. كل ما في الأمر أن من كان يناور لمعارضة عودة المغرب لجأ بعد خيبته لنشر مقررات قديمة حول القضية حتى لا يصاب سكان المخيمات باليأس وينتفضوا ضد قادة البوليساريو. وفي ذلك فليتأمل ذوو الألباب.

  5. حينما خرج المغرب من المنظمة الافريقية عام 1984، ظلت المملكة تستقبل الافارقة وتخصص من الموازنة العامة 4000 منحة دراسية كل سنة للطلبة القادمين من القارة السمراء. مرد ذلك كون المغرب يميز دائما بين الأنظمة الحاكمة والشعوب المحكومة.

    عودة او استعادة المغرب لمكانه داخل الاتحاد القاري هو بكل تاكيد نصر تاريخي ومن يهون من هذا النصر، فهو لا يعرف عدد وعلو الحواجز التي نصبت في الطريق.
    انها حواجز بعدد وعلو جبال الأطلس. لذلك، فتلك العودة هي اختراق يذكر باختراق آخر. اختراق جبال الأطلس لشق طريق سيار بين مراكش أكادير.

  6. وشهد شاهد من اهلها.
    هكذا يكون الحوار الحضاري البعيد عن كل تعصب شكرا لك ايها الكاتب الصريح على التحليل القيم للموضوع.

  7. @المستغرب، لا يوجد شروط خاصة، بل بنود ميثاق الاتحاد الافريقي، الدي يضم اغلبية واضحة
    لا تعترف بالبوليزايو، و من بينهم 28 دولة طلبت رسميا تجميد او طرد البوليزاريو من الاتحاد.
    .
    المغرب رجع لاسباب اقتصادية محضة لمقارعة جنوب افريقيا، و اما مسالة البوليزايو، فستحل كنتاج
    عرضي لدبلماسية ناعمة قوية روحية و اقتصادية بنائة. و هنا لا يمكن لاحد منافسة المغرب.

  8. وأنا اقرأ هذا المقال ارتسمت في ذهني علامات استفهام كثيرة من بينها:

    -هل السيد الطاهر الطويل يكتب كمغربي أو كصحافي تابع للنظام الجزائري؟ كيفية تناوله للموضوع تذكرني بالكتاب المحسوبين على نظام العسكر.

    -هل يعي جيداً تورط نظام الجزائر في قضية الصحراء المغربية وعدائه الشديد لكل ما هو مغربي، أم يتجاهل ذلك عن قصد؟ في كلا الحالتين ثمة مصيبة.

    -هل يعرف دور النظام الجزائري في معاكسة مصالح المغرب في المحافل الدولية وتحديداً داخل أروقة الإتحاد الإفريقي، أم يتناسى؟

    -هل يرى كيف أن الإعلام الجزائري يطبل ويزمر ويحتفل بأي قرار أو تصريح يمس بوحدة المغرب سواءً كان صادراً عن الإتحاد الأوروبي أو الأفريقي أو الأمم المتحدة، أو عن أي حزب أو جمعية أو منظمة أجنبية؟

    هل نسي كيف أن نظام الجزائر هدد بأن المغرب لن يعود للإتحاد الإفريقي إلا بشروط؟ وهل نسي أن هذا النظام قاوم عودة المغرب الى آخر لحظة؟

    الآن وبعدما عاد المغرب للإتحاد الأفريقي من بابه الواسع رغم أنف الخصوم، لماذا يعيب الكاتب على المغاربة الإحتفاء بهذه العودة؟ ولماذا يستعمل كلمة “نكاية في الجزائر”؟

    “نكاية في الجزائر” وصف غير موفق لأن أغلبية الشعب الجزائري الشقيق مع وحدة المغرب لكن السيد الطاهر الطويل يبدو أنه يختزل الجزائر في نظام العسكر. وهنا يحق لنا أن نضع عدة علامات استفهام أخرى..

    للمغاربة ألحق أن يفرحوا ويحتفلوا بعودتهم للإتحاد الأفريقي، ولهم ألحق أن يعبروا كما يشائون عن سرورهم، ليس فقط في مدينة وجدة العزيزة ولكن في كل بقاع الدنيا. أنا شخصياً احتفلت هنا في فرنسا بطريقتي بهذه العودة وأنا أشاهد ملك المغرب يدخل مقر الإتحاد معززاً مكرماً شامخاً. كم أنت كبير ياوطني…

  9. الكاتب المحترم وقف ووضع اصبعه على الجرح لان قول الحقيقة هي فضيلة و صفة من صفات الشخصية المجردة من اي عاطفة للاي كاتب يتناول الموضوع و يقول ما يراه حقيقة و ليس لارضاء الاخرين .

  10. اتمنى ان يقوم كتاب وباحثون وفنانون و علماء واساتذة من كلا البلدين في تقريب بين الساسة والعمل على ايجاد ارضية صلبة ينطلقون منها لحل كل الاشكالات
    التقارب والتصالح و الانظمام مع بعض لاي كيان يقوي البلدين ولا يضعفهم وهذا في مصلحة الشعبين اما مصالح الساسة فهي آنية وستصطدم بارادة الشعوب واضنه قريبا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left