تبدّلات يوسف عبدلكي و«عاريات دمشق»

Feb 18, 2017
17j299
الفنان عبدلكي وبعض أعمال معرضه الأخير

حكمت شطا٭

قدّم الفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي (1951) في معرضه المقام مؤخراً في دمشق مجموعة من الأعمال الجديدة المنفذة بحرفية عالية، تتألف من 28 رسماً تكسوها طبقة من الرماد الأسود، لكنها أجساد بلا ابتكار، تبدو نمطية ومكررة، وكأن شيئاً من الاستسهال طغى على ذلك النتاج الفني، بحيث بدا المعرض، الذي حمل اسم «عاريات»، وكأنه ذروة لتراجع ما ظهرت بوادره مع عودته لدمشق.
التأمل باللوحات يدفع للتساؤل إن كنا أمام معرض من عصرنا الحالي، أو هل نحن أمام مشروع يقوم على الرسم من أجل الرسم، وهل بالإمكان الاكتفاء بالصنعة المتقنة؟
يبدو أن عبدلكي يتكئ على شهرة من الماضي وجمهور محلي يرحب بكل ما يقدمه «بالفرح والسعادة». آلية عمله أصبحت بسيطة، يكفيه اتخاذ قرار في موضوع معرضه المقبل لكي يجلس كل صباح أمام ورقته البيضاء لتنفيذه.
في حال كانت الأسس النظرية والفكرية لمشروع عبدلكي اليوم تقوم حصراً على «البحث عن الجمال في أجساد النساء» فمن المؤكد أنه ليس على الطريق السليم. فـ»الفن فكر وليس رسماً». وأنا أشعر بأن معرض «عاريات» فيه الكثير من الرسم والقليل من الفكر. كذلك ليس بالوسع إلا أن نتساءل في توقيت المعرض في هذه المرحلة، كما يحق لنا أيضاً طرح بعض الأسئلة الأخرى: هل العاريات في مقابل المنقبات؟ وهل هذا تعبير عن علمانية دمشق في مواجهة سلفية الرقة؟

أجساد متفحمة

من بعد بداياته السورية الأولى لجأ الفنان إلى فرنسا إثر فترة اعتقال في أقبية النظام دامت حوالي العامين. ومن منفاه الباريسي، الذي استمر لقرابة الربع قرن، استطاع عبدلكي الحفاظ على تواصله مع جمهوره السوري من خلال معارض دورية كان يقيمها بلا انقطاع في وطنه. الشحنة السياسية والطاقة الثورية الكامنة في أعماله الحفرية في ذلك الوقت كانت التعبير الأقرب لما يمكن أن نسميه بـ»الفنان السياسي الملتزم». كنا أمام ظاهرة لا مثيل لها، فنقاؤه الثوري جعل منه
رمزاً لشريحة واسعة من شباب البلد. ملامح من التراجع بدأت تظهر مع عودته إلى دمشق منذ حوالي العشر سنوات. التنوع الغريب في مواضيع رسومه، من رؤوس الحيوانات المقطوعة إلى النباتات والورود، مروراً بأحذية النساء، كان يوحي وكأنه يحاول تقديم تشكيلة متنوعة ترضي جميع الأذواق. تنوّع رسومه جعلني في حالة من الضياع أمام مغزى هذا المشروع، على الرغم من بساطته الظاهرة، التي تبدو مفهومة من الجميع.
في هذه المرحلة (الدمشقية) تخلّى عبدلكي عن الحفر على المعدن لحساب الرسم بالفحم، كما تخلّى بشكل متدرج عن الشحنة السياسية حتى وصوله للأجساد المتفحمة. ظاهرة التحول عند بعض مثقفي أوروبا من الماركسية نحو الليبرالية مع التقدم بالسن المرافق للاستقرار المادي والمعنوي معروفة من الجميع. في الحالة العبدلكية كل الدلالات كانت تشير إلى حدوث مثل هذه التحولات في مساره وعلى الأرجح فإن «عاريات دمشق» ليست سوى التعبير الأمثل لهذه التبدلات.

حول سوق الفن التشكيلي العربي

للمصادفة ترافقت عودة عبدلكي لدمشق مع دخول صالة «كريستيز» اللندنية سوق دول الخليج، ما أدى إلى ارتفاع جنوني لأسعار الفن العربي، الذي وصل في بعض الحالات إلى عشرة أضعاف السعر الأصلي في أقل من عامين. من هذه اللحظة لم يعد بمقدور غالبية السوريين اقتناء الفن السوري، بما أن الأسعار أصبحت تتماشى مع القدرة الشرائية لأهل الخليج. بالمقابل الظاهرة نقلت مجموعة من الفنانين العرب بسرعة قياسية إلى خانة طبقة الأغنياء. فعلى سبيل المثال، يبدو أن أحد الفنانين السوريين أصبح يبيع اللوحة الواحدة في دبي بثلاثمئة ألف دولار. بالطبع، الثمن لا علاقة له بالسوية الفنية في سوق يطغى عليه الجهل. في دردشة مع تاجر فن حكى لي كيف أن أحد زبائنه كان يسأل عن فنان بعينه، من دون أن يعير أي أهتمام بالعمل الفني، أو كيف أن الثمن يتحدد مع حجم الطلب من أكبر شريحة ممكنة من الزبائن.

الفن التشكيلي بين مسارين

الفن التشكيلي في العالم يتحرك على مسارين قد يلتقيان أحياناً وقد لا يلتقيان أبداً، الأول فكري والثاني تجاري. المسار الفكري والذي يشمل جميع المؤسسات والمتاحف والتظاهرات الفنية له معاييره التي تحددها نخب المختصين والقائمين على مؤسساته، من خلال التراكم المعرفي على مر العصور، وبالتالي هم وفنّانوهم من يرسمون الخطوط العريضة للتوجهات المستقبلية للفنون وتداخلاتها.
في قمة مؤسسات هذا المسار نجد على سبيل المثال متحف «موما» في نيويورك، متحف «تيت» في لندن، مركز «بومبيدو» في باريز، ومتحف «همبرغر بان هوف» في برلين. والمسار التجاري يشمل جميع الغاليريهات في العالم التي تهتم بتسويق الفن في سبيل الربح المادي. للغاليريهات مستويات متفاوته جداً، من الدكاكين الصغيرة إلى كبرى الصالات التي غالباً ما تستقطب فناني المسار الفكري.
فيما يتعلق ببيروت يمكن أن نذكر على مستوى المسار الفكري «مركز بيروت للفن» وجمعية «أشكال ألوان»، وعلى المستوى التجاري «زملر- صفير» الغاليري الأهم.
من بين الفنانين العرب الذين حظوا بمكانة مميزة على الخريطة التشكيلية العالمية يمكن أن نذكر بالفلسطينية منى حاطوم واللبناني وليد رعد والمصري حسن خان.
وليد رعد (1967)، الذي أقام له متحف الفن المعاصر في نيويورك «موما» عام 2015 معرضا استعادياً كبيراً، يتناول في مشروعه الشهير «أطلس» العلاقة بين الأرشيف والتاريخ والذاكرة الجماعية والفردية، والعلاقة بين المتخيل والواقع للحرب الأهلية اللبنانية.
أثناء تنفيذ رسومك في دمشق، لماذا السوري شريف كيوان (الناطق الرسمي لأبو نضارة) بلا كلية فنون، ولا أي إلمام بالرسم ينجز مشروعه الطليعي والمبتكر خلال ستة أعوام من المجهود الخارق، ليدخل أكبر تظاهرة فنية في العالم الصيف المقبل «دوكومنتا» مدينة كاسل الألمانية؟!
الجواب بسيط: «هو ابن لعصره وأنت من خارجه».

حكمت شطا

٭ معماري سوري

( برلين)

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left