تربط بين مناطق الحضارات القديمة: الدامر السودانية مدينة الأبواب القديمة ونار المجاذيب

صلاح الدين مصطفى

Feb 18, 2017

الخرطوم ـ «القدس العربي»: الدامر، مدينة تقع في ولاية نهر النيل في شمال السودان وعلى مسافة 300 كيلو متر شمال العاصمة الخرطوم. وتمتد على الضفة الشرقية لنهر النيل وإلى الجنوب من مقرن نهر عطبرة مع نهر النيل، وهي عاصمة ولاية نهر النيل. وتعتبر من المدن الإدارية والتاريخية القديمة في السودان.

مدينة العلم والتصوف

ويقول المخرج الطيب صديق وهو من أبنائها:» اشتهرت الدامر بالعلم والعلماء والتصوف وحافظت على أصالتها بالرغم من انها ظلت عاصمة شمال السودان منذ العام 1905 وكانت عاصمة للمديرية الشمالية ومديرية النيل والإقليم الشمالي».

دار الأبواب

توجد في المدينة حفريات قديمة تعود إلى حقب تاريخية تمتد إلى آلاف السنين، واثبتت دراسات انثربولوجية حديثة أن الدامر تعتبر من المدن القديمة في منطقة شمال افريقيا وشرقها. وحسب الدراسات الأثرية فإنها واحدة من عشر مدن في العالم لم ينقطع عنها الاستيطان البشري على مر العصور والأزمنة. وكانت تعرف في العصور الوسطى الحديثة في السودان باسم «دار الأبواب» ويرجع البعض هذه التسمية لكونها منطقة تتقاطع فيها طرق تجارية عديدة تربط بين مناطق الحضارات القديمة الكوشية والمروية في شمال وشرق ووسط السودان.

نار المجاذيب

ويقول الصحافي معتصم الشعدينابي إنها مدينة نيلية تأوي ـ وفق آخر تقديرات ـ نحو 125 ألف نسمة من مختلف القبائل السودانية يعملون في الزراعة والتجارة ومختلف الأشغال، لا تكاد تسمع في الدامر الحديث عن القبيلة أو الوطن الأصل فهي الموطن الذي استوعب مختلف الثقافات من شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط السودان أسهمت في ذلك خلفية المدينة الدينية التي أرساها «المجاذيب» فكانت قبلة لطالبي تعلم القرآن وعلومه وتعرف النار التي توقد لتعليم القرآن بنار المجاذيب.

ثالث مسجد في السودان

ويعتز أهل المدينة بتاريخها، ويرى الطيب صديق أن لهم الحق في ذلك ويضيف:» مسجد الشيخ المجذوب العتيق الذي يجاور منزلنا أخبرني جدي الخليفة هاشم السهيلي بأنه ثالث مسجد في السودان حيث تم بناؤه قبل خمسه قرون». ويضيف: «في هذا المسجد أعدم الانكليز أجدادنا الذين ناصروا الثورة المهدية وقاوموا الانكليز». ويقول: «المدرسة التي درست فيها المرحلة الابتدائية مكتوب على لافتتها (تأسست عام 1905) دائما نفخر بأن مدينتنا عريقة وعظيمة».
وتنتشر في المدينة وريفها عدة أضرحة لشيوخ المجاذيب مثل الشيخ حمد بن عبد الله، والشيخ حمد بن محمد المجذوب، والشيخ محمد المجذوب، والفقيه عبد الله النقر، وهناك قباب عرمان في قرية المكابراب وعبد العال وجندل والحاج عيسى في الشعديناب وقبة كبوش في الكبوشاب.

قرية ومدينة

وحسب الشعدينابي فإن طبيعة مجتمع الدامر المتداخلة تغالب أحياناً مظاهر التمدن والحداثة وان أهلها لا يريدونها إلا قرية وقد قيلت في هذا الخصوص قصيدة طويلة في مدح المدينة للشاعر توفيق صالح جبريل ولكن بيتاً منها كان الأكثر شهرة وإثارة حيث يقول:
أيا دامـر المجذوب لا أنت قرية
بداوتها تبـدو ولا أنت بنـدر
وقد أثار هذا البيت حفيظة الكثيرين وأولهم البروفيسور عبد الله الطيب ابن الدامر والعلامة المعروف والذي رد عليه بقصيدة امتدح فيها المدينة.

حمد دامر

تتميز بموقعها بين مقرن نهر عطبرة ونهر النيل واختلفت الروايات حول أصل تسميتها إلى الفقيه حمد، مؤسسها الذي كان قد تلقى علوم القرآن الكريم على يد والده الفقيه عبد الله راجل درو المدفون بقوز الشعديناب القريبة من المدينة، ثم استقر به المقام في المنطقة التي يقوم عليها حالياً مسجد السهيلي، وعندما كان أترابه يسألون عنه والده كان يجيبهم بأن «حمد دامر» أي أنه استقر في المكان الذي ذهب إليه، فأصبحوا يتناقلون هذه العبارة فيما بينهم واستخدمت فيما بعد للدلالة على مقر حمد وهكذا أصبح المكان يعرف باسم حمد الدامر.
وهنالك رواية أخرى تقول إن المجاذيب الذين سكنوا قرية درو جنوب الدامر الحالية، هم الذين أسسوا الدامر، وإن قرية درو كانت تمتد إلى مساحة كبيرة في المنطقة الواقعة إلى العزلة والتعبد في المنطقة واتخذ فيها غاراً للتعبد، ومرت عليه جماعة مهاجرة من قبيلتي الشايقية المجاورة والدناقلة فاستأذنته للسكن حول غاره وتلقي العلم منه وتحول المكان مع مرور الوقت إلى مورد ماء لبعض العربان وماشيتهم الذين كانوا يقيمون فيه بعض الوقت، ويعودون إلى بواديهم تاركين خيامهم عهدة معه حتى عودتهم في الموسم المقبل، وكانت الخيام تترك في العراء فتدفنها الرمال لتتكون كتلة أطلقوا عليها الدمر أي الربوة أو المكان المرتفع وهكذا عرف المكان بالدامر.

فيضان النيل

ووفقا للبروفيسور عبد الله الطيب، استاذ علوم اللغة العربية المشهور، فإن اسم الدامر قد يكون مشتقاً من عبارة «دامر الليل كله» وتُقال في الشخص الذي يقوم الليل كله عابدا، كما في حالة الفقيه حمد مؤسس الدامر. وقد يرجع الأصل إلى لفظ «الدَمِيرة» وهو الفيضان. والدامَر هو مكان حدوث الفيضان. ولعل الدامر كما يقول البروفيسور عبد الله الطيب اسم عربي نقله العرب إلى النيل منذ دهر قديم. ففي شبة الجزيرة العربية يوجد موضع يسمى الدامر وهو قريب من دومة الجندل في منطقة الجوف في المملكة العربية السعودية.

رجل درو

وقامت الدامرعلى (نار القرآن) وتعاليم الدين الإسلامي من خلال (المجاذيب) وحسب الروايات التاريخية فإن جدهم الأكبر هو ادريس بن حمد الذي عاش في مكة المكرمة مدة طويلة من الزمن وقام ثلاثة من ابنائه بنشر تعاليمه في مناطق مختلف من السودان من بينهم محمد المجذوب عبدالله المعروف «رجل درو» (1796 – 1833) وابنه حمد الذي اختار منطقة الدامر واقام فيها ولا يزال ضريحه يشكل مزاراً في المنطقة حتى اليوم.

أعلام ومشاهير

واشتهرت الدامر بالثقافة والعلم فهي مدينة العلامة عبد الله الطيب والشاعر محمد المهدي المجذوب والشاعر عكير الدامر ويقول المخرج الطيب: «في بيت جدي عاش الباحث الشهير الطيب محمد الطيب عندما كان يدرس في خلاوي المجاذيب».
ويضيف: «مثقفو وفنانو المدينة الذين اشتهروا في مجالات الشعر والغناء والمسرح أمثال ذو الفقار حسن عدلان وقاسم أبوزيد وعبد الرحمن الشبلي والفنانة حنان النيل كان يجمعهم في فترة السبعينيات والثمانينيات مركز للشباب وحاليا لا يوجد أي مركز للنشاطات الثقافية في المدينة».

خلاوي المجاذيب

واكتسبت خلاوي المجاذيب بمرور السنوات شهرة كبيرة وسمعة جيدة في التعليم الديني في السودان وذلك بتدريس القرآن الكريم وعلومه وعلوم اللغة العربية، فقصدها طلاب العلم من داخل السودان وتقاطر على المدينة المريدون، فكبرت وغدت مركزا تجارياً ومركز شعاع ثقافي ومكانا موثوقا لتسوية الخلافات.
واشتهر شيوخ المجاذيب بمساعيهم الحكيمة وتوسطهم في فض النزاعات وتسوية الخلافات التي تنشب بين القبائل والعشائر المحيطة بهم. وذكر بأن شيوخ المجاذيب توسطوا بين الجعليين، حكام شندي، والشكرية الذين كانوا على وشك الانقضاض على شندي لولا تدخل المجاذيب.

متحف وادي النيل

ويوجد في المدينة متحف وادي النيل الذي يحتوي على بعض المقتنيات الأثرية المروية والكوشية القديمة وبضع أدوات من التراث الشعبي والتي تمثل حضارة المنطقة، ومن المعالم الأثرية الأخرى المنتشرة في المنطقة قلعة ود عيسى، وقلعة ود سليمة، وقوز العشير، وقوز الشعديناب.
وذكر يوهن لودفيك بركهارت الرحالة والمستشرق السويسري الذي زار المدينة في سنة 1812 إبّان عهد الفونج أن الكثير من أبناء البلدان المجاورة كالفلاتة والتكارين والبرنو والجبرتة كانوا يدرسون في مساجد المجاذيب كما كان يزورها علماء من شنقيط أثناء عبورهم لها في طريقهم إلى الحج.

رحّالة ومستشرقون

وزار الدامر عدد من الرحالة الأجانب والمستشرقين الذين مروا عبرها ومنهم الراحلة الاسكتلندي جيمس بروس الذي وصلها في تشرين الثاني/أكتوبر سنة 1771 وتحدث عنها في كتابه «اكتشاف منابع النيل» قائلاً: «جئنا إلى مدينة الدامر، مدينة الفقيه ود المجذوب وهو قديس، من الطراز الأول عند الجعليين». كما ذكرها الرحالة بيركهارت وقدم عنها وصفاً وقال: «الدامر مدينة كبيرة فيها حوالي خمسمئة بيت، ولم تكن فيها مبان خربة، وكانت نظيفة بالقياس إلى بربر وشوارعها منظمة، ويقطنها المجاذيب الذين يرجعون في أصلهم إلى عرب الحجاز».

عاصمة الشباب

ورغم تاريخها العريق فالمدينة تفتقد الآن لمنابر الثقافة والترفيه ويأمل أهلها في المزيد من البنى التحتية بعد اختيارها في أيار/مايو الماضي عاصمة للشباب على مستوى السودان.
وحسب الجهات الرسمية فقد رصدت حوالي 290 مليون جنيه لهذه المناسبة من أجل تشييد بنى تحتية في مجالات الرياضة والثقافة والطرق المبلطة والحدائق العامة، لكن كثيرا من أبناء المنطقة ومن خلال منابرهم المتعددة اتفقوا على ان حتى الآن لم يتحقق أي شيء من هذه الوعود.
وحسب بعض الناشطين فإن المشاريع التي أعلنت لا تتناسب وتاريخ المدينة وإرثها، فأغلبها مشاريع رياضية والدامر عرفت بالثقافة والتراث الصوفي والشعبي.

رجل اسمه شرفي

ويقول الطيب صديق إن معظم المرافق الخدمية في المدينة شيدت في عهد المحافظ حسين محمد احمد شرفي الذي افتتحت في حقبته المستشفى ودار الرياضة وبعض المدارس ويضيف:» لذلك تجد أهل الدامر يقدرون لهذا الرجل انجازاته ويقولون إن هذا الضابط الإداري أنجز ما لم ينجزه الولاة والحكام والمحافظين الذين تعاقبوا على المدينة». ويسترجع صديق ذاكرة أطفال الدامر ويقول إن الترفيه كان مرهقا ومكلفا: «كنا نذهب لمشاهدة السينما في مدينة عطبرة وكذلك حوض السباحة وأسواق الملابس ومعظم الاحتياجات الأساسية».
وهو يرى أن الدامر تفتقد للمسارح ماعدا القليل من المسارح المدرسية المتواضعة ويقول: «كمخرج قمت بإخراج العديد من المهرجانات والأعمال الفنية في عدد من الولايات أدخلت السرور إلى نفوس السودانيين إلا أني أجد نفسي عاجزا في مدينتي التي نشأت فيها وهي تفتقر لكل شيء سوى إنسانها الصابر النبيل». ويشير الطيب إلى أن الموسم الثقافي الوحيد الذي كان يمثل متنفسا لسكان المدينة هو الاحتفال السنوي لمهرجات تخريج كلية المعلمات ويضيف: «كان عيد ماري جرجس الذي يقام في كنيسة الدامر المتنفس الثاني للترفيه بالنسبة لنا كأطفال».

مركز العلامة عبد الله الطيب

ويوضح الطيب أن حلم أهل الدامر يتمثل في مراكز للشعر والأدب ودراسات التصوف والأدب الشعبي ومراكز للأنشطة الشبابية ويضيف: «نطمع في تقدير وتخليد حقيقي للعلامة عبد الله الطيب الذي يضعون كل عام حجر أساس لمركزه وهو حجر أساس يقف لعشرات السنين في ساحة فارغة».

إبل وحكايات

ويقول معتصم الشعدينابي إن المدينة تضم أحد أكبر أسواق الإبل والمواشي في السودان كما تشتهر بـ«سوق السبت» الذي يكون بمثابة مؤتمر أسبوعي جامع تشارك فيه كل الأرياف والأطراف ووسط المدينة.
ويضيف بأنها مدينة (الحكايات): «في كل قهوة من قهاوي الدامر حكاية وفي كل خلوة من خلاويها رواية وفي كل ركن من أركانها تاريخ وفي كل شارع من شوارعها ذكريات ربما لا تستوعبها حتى الكلمات».
ويرى الطيب أن البعض يحاول تصوير أهل الدامر وكأنهم سلبيون لا يسعون لتغيير واقع مدينتهم: «لكن لأن إنسان هذه المدينة متحضر ويؤمن بأن تحقيق التنمية المتوازنة من واجبات الدولة وخططها السنوية فهو لا يأبه كثيرا لمبررات أن التنمية تتحقق بالجهود الشعبية ومدى قدرة المتنفذين في اتنزاع حقوقهم من المركز».

تربط بين مناطق الحضارات القديمة: الدامر السودانية مدينة الأبواب القديمة ونار المجاذيب

صلاح الدين مصطفى

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left