ظاهرة لافتة: العنف ضد الأطفال في المجتمع التونسي

أزمة أخلاق وطرف أضعف وخلل في القوانين

روعة قاسم

Feb 18, 2017

تونس ـ «القدس العربي»: بات العنف المسلط على الأطفال في تونس ظاهرة تكاثرت بشكل لافت مع حالة التراخي الأمني التي عرفها البلد خاصة خلال السنوات الأولى التي تلت «الثورة». فقد شهدت الخضراء جرائم بشعة يندى لها الجبين بحق الطفولة تجاوزت الاعتداء بالضرب والمعاملات المهينة والقاسية واللاإنسانية، إلى الاغتصاب والقتل بطرق شنيعة.
واللافت أن هذا الصنف من الجرائم وجد قبل «الثورة» لكنه لم يكن بالكيفية التي هو عليها الآن، والتي جعلت الآباء لا يطمئنون على أبنائهم حتى داخل المؤسسات التعليمية. فقد تورط حراس مؤسسات تربوية في جرائم عنف وجرائم أخلاقية ضد أطفال في غفلة من الآباء ومن الإطار التربوي. ولولا خروج عدد من المسائل من دائرة المسكوت عنه الذي يمنع الحديث فيه إلى العلن في عصر حرية التعبير الذي تعيشه تونس، لما تناهت هذه الانتهاكات إلى مسامع التونسيين ولما أثارت الرأي العام في موطن العلامة ابن خلدون. كما شهدت تونس اختطافات غير معتادة في الطريق العام لأطفال وهم بصدد الذهاب إلى المدارس أو العودة منها، واعتدي على هؤلاء الأطفال ونكل بهم، وهو ما خلف لوعة لعائلاتهم وللمجتمع بأسره. ويجد الجناة، رغم هول هذه الجرائم، من يدافع عنهم ممن يسمون أنفسهم «نشطاء حقوق الإنسان» رافضين تطبيق حكم الإعدام على الفاعلين ويدعون إلى معاملتهم معاملة لائقة داخل السجون بعد تمتيعهم بمحاكمة عادلة.

أزمة أخلاق

ويرى الحبيب المبروكي الأستاذ في جامعة قرطاج في حديثه لـ «القدس العربي» أن المجتمع التونسي أصبح مرتبطا أشد الارتباط بالعنف الذي هيمن على كل المجالات والقطاعات والذهنيات والتصورات والسلوكيات في مجمل حياته اليومية. ويتساءل قائلا: «هل تحول الحديث عن الحداثة مسألة ليست أولوية أم أننا أمام حتمية مجتمع العنف وعدم التجانس والتنافي المتبادل ودحض كل القواسم المشتركة وكل التراكمات الايجابية الحاصلة؟ أم أنها مراجعات حتمية لابد منها كنا قد تناسيناها وغطتها غطرسة الأنظمة الكليانية؟ أو أنه فكر المؤامرة الذي أصبح يفرض نفسه رغم ما فيه من خلفية التبرير ورمي المسؤوليات على الآخر والتنصل من الخيبات؟».
من الأكيد، حسب محدثنا، أن المرحلة الحالية مهمة وحساسة لأنها أصعب المراحل وأكثرها غموضا لما نلحظه من تداخل بين الحقب التاريخية وبين الخيارات المجتمعية والولاءات بين الداخل والخارج وبين المشرق والمغرب وبين القديم والجديد وبين العلماني والديني وبين العلم والجهل وبين القبلية والجهوية وبين العائلة والحزب. كل هذه الوضعيات تدعونا، حسب المبروكي إلى التفكير مليا في هذا المجتمع الذي بتنا لا نتحكم فيه ولا نمتلك كل القدرة على تفكيك بنيته المركبة والمعقدة، لأنه لا يمنح نفسه للفهم بسهولة أمام مستوى الإثارة والمراوغة والتعتيم، فبعضه، كما يقول، ممنهج والبعض الآخر بفعل التراكم والتداول والهرولة نحو الحكم على حساب قضايا الوطن الحقيقية والارتباطات بأجندات داخلية وخارجية ومصلحية ضيقة وبراغماتية على حساب المصلحة الفضلى التي يتشدقون بها كعناوين خالية من المضامين.
ويرى أن هذا التعقيد الذي بات عليه المجتمع التونسي وما انعكس علينا جميعا وخاصة على فئة الأطفال والشباب من حالة اليأس والضياع يجعلنا ننتقل دون اختيار لنعيش براديغما جديدا على حد قول الان توران، فهو يدعونا، حسب المبروكي، إلى التفكير فيه خاصة عندما تصبح علة وجودنا وهويتنا العلمية والمجتمعية والثقافية مشكوك فيها أو هشة، إذ يقول أن «في يومنا هذا وبعد قرنين من انتصار الاقتصاد على السياسة أصبحت المقولات الاجتماعية ضبابية وتركت في الظل جزءا كبيرا من تجربتنا المعاشة. لذا فإننا في حاجة إلى براديغم جديد ليس بوسعنا العودة إلى البراديغم السياسي على الخصوص، لأن المشاكل الثقافية أخذت أهمية كبرى وكان من اللازم على الفكر الاجتماعي الانتظام حولها.
ويختم: «إنه زمن انتصار السوق وقيمه على كل القيم الأخرى التي أصبحت خالية من أي معنى، زمن انفجار التصورات الكلاسيكية وإفلاس تلك الخطابات التي ظلت لمرحلة طويلة تنشد المواطنة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتساوي الفرص والمصالحة مع الهوية الوطنية. هذا التحول لم يكن له انعكاس على الحلم الشخصي لفئة الأطفال والشباب فقط، بل هو نهاية تصور معين لمرحلة بل لأجيال لم تتوصل إلى تحويل القيم والمثل والأحلام والمبادئ، حتى يكون التونسي مواطنا مكتمل الشروط يتفرد بخصائص ويتميز بخصوصيات تعود إلى طبيعة الهوية بكل أبعادها ومعانيها، وبدأ يتأسس في المقابل خطاب العنف والكراهية وعدم التعايش والتمركز حول الذات ورفض لكل مختلف عنا أي ممارسة عنف على الذات أو على الآخرين».

الطرف الأضعف

وترى مريم خيرالدين غابري الباحثة والمدرسة الجامعية التونسية في الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة قرطاج التي تعنى إحدى كلياتها بتخريج مختصين في تكوين الطفولة، في حديثها لـ«القدس العربي» أن العنف يطل على العالم من كل المنافذ المتوقعة واللامتوقعة، وتضيف أنه إذا كان الاقتتال ضمن ما يعرف بالحرب متعارفا فإن عنف الأغذية والأدوية الفاسدة والإدمان والاتجار في البشر وكذلك سوء استعمال السلطة وأداء المهام والوظائف وأخطارها والعنف ضد الأطفال، يمثل منافذ غير متوقعة لهذا الفيروس الخبيث الذي ينخر العالم ويعبث بالبشر وبإنسانيتهم.
لقد توصلت مدرسة الوسط الاجتماعي البلجيكية، حسب محدثتنا، إلى نظرية في العنف تتلخص في أنه:
– ليس للمجتمعات إلا المجرمين الذين يستحقونهم.
– الميكروب هو المجرم وهو عنصر لا يعيش إلا إذا وجد الوسط الذي يمكّن من نموّه وتفاقم خطره. دون أن ننسى قدرته على التلون.
وقياسا عليه هي صورة العنف في المجتمعات اليوم. والمتضررون هم الأضعف، أفرادا وفئات وشعوب. والأطفال هم الفئة الأكثر حساسية وعرضة للعنف والأقل قدرة على رد الفعل. خاصة وأنهم في أغلب الحالات ضحايا لأصناف من العنف يصعب إثباتها ماديا للأسباب التالية:
-العنف سمة ثقافية تخترق كل مظاهر حياة المجتمع وتظهر في سلوك الأفراد وتفاعلاتهم.
العنف المسلط على الأطفال هو في الغالب معنوي ونفسي يتراوح بين التوبيخ والتأنيب والتحقير والإهمال والتجاهل والإهانة. ولأن الطفل يمكن أن يتعرض لمثل هذا العنف في الأسرة والمدرسة وحتى في مجموعات الأتراب فإنه يصبح معتادا من قبل الجميع أو يدخل في المسكوت عنه بسبب تواطؤ الكبار لاعتبارات ثقافية ترى لتعنيف الأطفال جدوى تربوية. والأدهى أنه في صورة تشكي الطفل من العنف فإن أقواله قليلا ما تؤخذ بعين الاعتبار في مقابل أقوال الكبار.
وتعتبر الغابري أن العنف المسلط على الأطفال حاملي الإعاقة هو عنف مركب فهم ضحايا قسوة التمثلات بشأنهم. فقصورهم مضاعف، قصور لأنهم أطفال ولأنهم ذوو احتياجات خاصة مستبعدون من المدرسة ومن اللعب ومن الترفيه. غالبيتهم رغم أنهم يحضون باهتمام أسرهم فإنهم يعاملون على أنهم عالة ولا يعترف لهم بما يمكن أن يكون لديهم من قدرات كامنة.
وتضيف قائلة: «رغم أن التشريعات تشجع على إدماجهم في المدرسة فإن كثيرا من المربين يرفضون القبول بذلك ويتعللون بعدم توفر الظروف اللازمة لذلك، وهو موقف فيه قدر من الوجاهة إذا نظرنا إلى الظروف العامة لمدارسنا التي كثيرا ما لا تستقيم حتى للأصحاء من الأطفال».
وتختم حديثها باقتراح حلول قائلة: «التجاوز في حق الأفراد لا بد أن يخضع لتطبيق القانون والعنف المسلط على الأطفال عموما ليس جديدا. أما الجديد في تونس فيتمثل في أنه بدأ يخرج من دائرة المسكوت عنه خاصة مع زخم نشاط المجتمع المدني بهذا الخصوص. والحل الأجدى يكمن في مزيد العمل على نشر ثقافة حقوق الطفل. وبالنسبة إلى المربين فإننا نقر أن مرافقتهم بالتكوين المستمر وتحسين ظروف عملهم لا بد أن يطور أدائهم المهني ويجنبهم السقوط في ممارسات انفعالية. وفي حالات إدماج ذوي الإحتياجات الخاصة لا بد من تجاوز اجتهاد بعض الأسر لتوظيف مرافقين تربويين وتعميم انتدابهم على المدارس الدامجة خاصة وأن التخصص متوفر يؤمنه المعهد العالي لإطارات الطفولة بتونس خاصة وأن حاملي الإجازة في هذا التخصص مؤهلون بما يتوجب من المعارف والمهارات.

خلل تطبيقي

ويعتبر المحامي والناشط السياسي التونسي باديس الكوباكجي في حديثه لـ «القدس العربي» أن التشريعات في تونس تحمي الطفولة، إذ يوجد قانون خاص يسمى مدونة حقوق الطفل، لكنه يرى أنه على مستوى التطبيق يوجد خلل كبير لا بد من العمل على تلافيه. بل هناك عدة نقائص، في رأيه وجب أن تملأها منظمات المجتمع المدني التي تعنى بحقوق الطفل والأسرة التي هي النواة الأولى التي ينشأ فيها هذا الطفل الضحية.
ويرى محدثنا أيضا أن الصرامة في الأحكام القضائية أمر مطلوب كلما تعلق الأمر بالاعتداء على الطفولة وذلك من أجل الردع. فالعقوبة المخففة والتساهل مع الجناة قد يشجع، في رأيه آخرين على ارتكاب أفعال مشابهة. ليكن الطفل، برأيه، حالة خاصة واستثنائية لا يمكن بأي حال من الأحوال التسامح مع من يستهدفه بأي شكل من أشكال العنف.
ويختم بالقول: «إن فلسفة تدخل الدولة لحماية الطفل ومنحه جملة من الحقوق قائمة على أساس أن الطفل هو كائن ضعيف لا قدرة له على حماية نفسه من الأخطار الاجتماعية المحدقة من كل حدب وصوب. وبالتالي فنحن مطالبون بتوفير أكبر قدر من الحماية لهذا الطفل الذي هو بمثابة الفريسة التي تترصدها الذئاب من كل مكان والذي هو في نهاية المطاف رجل أو امرأة الغد.
كلنا مع حقوق الإنسان ومع إشاعة الحريات العامة والخاصة في المجتمع لكن لا للتسامح مع من يجرم بحق الطفولة خصوصا جناة تلك الجرائم البشعة التي حصلت في السنوات الأخيرة. فمن حق المجتمع أن يدافع عن نفسه وأن يحمي طفولته خاصة وأن نظامنا القضائي يختلف عن نظيره الانغلوسكسوني، إذ لا توجد فيه هيئة محلفين بإمكانها أن تلعب دور المقياس لنبض الشارع الذي هو في الأساس صاحب السلطة الأصلي الذي فوضها لمنتخبين.
إن الدفاع الاجتماعي على غاية من الأهمية لأن لا أحد أفضل من المجتمع لتحديد جملة العادات والأعراف التي يجب ترسيخها وفي عزل من يرى أنهم باتوا عالة عليه ويخلون بأبسط قواعد العيش المشترك بين فئاته. فلنستمع لنبض المجتمع على الأقل في جرائم الاعتداء على الطفولة، وفيما سواها لنخفف على الجناة ما استطعنا».

قالت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة في تونس نزيهة العبيدي، إن «حالات العنف المسلط ضدّ النساء والأطفال في تونس وصلت إلى أرقام مفزعة جداً». جاء ذلك خلال جلسة استماع للوزيرة أمام «لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية» في مجلس نواب الشعب (البرلمان).
وكشفت العبيدي أن قضايا العنف الزوجي وصلت إلى 38 ألف قضية خلال الفترة بين 2011 و2015، و«هذا الرقم مفزع جداً». كما أن «حالات العنف الجنسي ضد الأطفال إناثاً وذكوراً بلغت 301 حالة عنف جنسي سنة 2015 مقابل 262 حالة سنة 2013»، وهذه الحالات من العنف الموجّه ضد الأطفال «في تزايد كبير»، حسب الوزيرة.

ظاهرة لافتة: العنف ضد الأطفال في المجتمع التونسي
أزمة أخلاق وطرف أضعف وخلل في القوانين
روعة قاسم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left