من نازك الملائكة ورجاء النقاش إلى البياتي وبلند الحيدري: استحضار الأرواح والذكريات

عبد الواحد لؤلؤة

Feb 25, 2017

في المقال عن الرائعة غادة السمان، قبل أسبوعين حاولَتْ، ونجحتْ في استحضار أرواح عدد من الأدباء والشعراء الذين كنّا، أنا وأبناء جيلي، نحب أعمالهم. وقد نجحت، كذلك، في استحضار ذاكرتي عن بعض أولئك الأدباء، والشعراء منهم بخاصة، الذين كانوا روّاد الحداثة في شعرنا العربي، كلٌّ وطريقته، ولا بأس من البداية بالشاعرة الكبيرة نازك الملائكة.
أغاظني قليلاً كلام رجاء النقاش عن نازك، أنها قد «ترهَّلت بعد الزواج والإنجاب» هل هذه ملاحظة «جنتلمان»؟ ومن رجل، متأدب، لا يتمتع هو نفسه بقامة مثالية، بل يميل إلى «الإمتلاء»؟ أعرف نازك شخصياً، منذ عام 1957، وكانت قد عادت من جامعة وسكنسن الأمريكية وتعينت للتدريس بقسم اللغة العربية، في الكلية التي تخرَّجت فيها في عام 1944 وتخرجتُ أنا فيها عام 1952. هي جاءت بماجستير في الأدب المقارن، وأنا جئتُ بماجستير باللغة الإنكليزية وآدابها من هارفرد. كان وجود نازك في الكلية التي أنجبت شعراء الحداثة في العراق مكسباً للشعر الحديث. هنا تخرج كبار شعرائنا العرب: سليمان أحمد العيسى، عبد الرزاق عبد الواحد، عبد الوهاب البياتي، لميعة عباس عمارة، عاتكة وهبي الخزرجي وقد سبقهم جميعاً نازك، فأسست لشعر الحداثة، الذي انتشر إلى كلية الآداب التي تأسست في أوائل الخمسينات، وأنجبت الشاعر العربي العراقي، الكبير بجميع المقاييس: مظفر النّواب.
ثم تعرَّفتُ على نازك بشكل أكبر لما جاءت هي وزوجها إلى جامعة الكويت عام 1968. وكان لها ولد واحد هو برّاق الذي حصل بعد سنوات على دكتوراه في الأدب الأمريكي من جامعة نيفادا، وعمل لبعض حين في الجامعة الأمريكية في القاهرة. لم تكن نازك «مترهِّلة» لا قبل الزواج ولا بعده، فمن أين جاء «النقّاش» بهذه الملاحظة غير الشعرية، وغير اللائقة؟ لما تزوجت نازك من أستاذنا د. عبد الهادي محبوبة، الشيعي المذهب لم نعرف، ولم نسأل إن كانت هي شيعية المذهب كذلك. فقد كان ذلك لا يعنينا، لا أنا ولا أبناء جيلي، حتى جاء جيل «التحرير والديمقراطية» بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فصرنا نسمع بنســــبة الشيـــعة في العراق وبالمظلومية ومصطلحات غريبة على الأذن العراقية، متعددة الأعراق والأديان.
واستحضار ذاكرتي جاءت بحكاية طريفة عن رجاء النقاش تعود إلى العام 1958. كان ثمة احتفال شعري في بغداد برعاية وزارة الثقافة وكان النقّاش من المدعوين. جاء يسأل عني بالاسم، ولم أكن أعرفه شخصيا، بل كنتُ أقرأ له في الصحف المصرية. قال لي بعد المجاملات المصرية اللطيفة «عاوز تاخدني النجف» ولفظ الجيم قاهرية، فصلَّحتها له لأن أحداً لن يفهم تلك الكاف الأعجمية. لماذا النجف؟ قال: سمعتُ أن فيها «تُلتمية وخمسين شاعر وأنا أحب الشعر وبلد نازك». فسلَّمته إلى أحد الشباب من مرافقي الوفود. ولما عاد مساء سألته: «إزاي شفت النجف؟» فقال بحماسة: «أنا حتجنن يا خواتي». «ليه؟ كفى الله الشر؟» قال: «رحت داخل في السوق القديم، فوجدتْ راجل عجوز أمامه قفة تمر وبيده منشة يكش بيها الدبان ومفيش مين يشتري التمر». قال: أحببت «أناكفه!» ولم أفهم الكلمة. قال سألته سؤالاً لا يسأله أحد في النجف: ياعم فين مقام سيدنا علي؟ فرفع رأسه وبدأ يؤشِّر بالمنشّة، قائلاً: أمامكَ فاختَر أيّ نهجيك تنهجُ/طريقان شتى: مستقيم وأعوجُ. إذا كان هذا العجوز يجيب بالشعر، معناها النجف فيها مش «تلتُمية وخمسين شاعر بس، إنّما ألف شاعر».
لكن نازك قضت أيام مرضها الأخير في القاهرة، ولها فيها كثير من الأصدقاء والأدباء. ولما توفيت، لم يخرج في جنازتها أكثر من عشرين من محبي الشعر!
ومن ذاكرتي عن شعراء الحداثة في العراق: عبد الرزاق عبد الواحد، الذي تحدثتُ عنه كثيراً في مقال سابق. فقد عرفته من أول سنة لنا في دار المعلمين العالية عام 1948 وبقينا على تواصل حتى وفاته في مستشفى في باريس في 8/11/2015.
والحداثي المهم الآخر عبد الوهاب البياتي كان يسبقني سنة في «العالية». كان البياتي مثار كثير من الجدل بين الشعراء وأدباء الخمسينات والستينات، بسبب من ميوله اليسارية، جداً، لكن شعره كان يتميز بالتجريب الدائم في الأوزان وفي اعتماد الإيقاع الذي يوحي باختلال الأوزان لمن لا يجيد الاصغاء. من دواوينه الأولى «عشرون قصيدة من برلين» جلبت عليه توكيداً ليساريته المفرطة: «قميصُه الممزَّق الأردان/وفرشةُ الأسنان/وخصلة من شعره لوّثها الدخان/صديقنا تِلمان». وتندَّر الشعراء والأدباء ما حلا لهم بالصور الغريبة في هذه القصيدة وأمثالها من شاعر عربي، بغدادي، من باب الشيخ، يرثي شاعراً من المانيا الشرقية، اغتاله «أعوان الاستعمار». فماذا عن المناضلين العرب من شعراء وغيرهم، اغتالهم الاستعمار (قالت: أيُّهم، فهمو كُثرُ)؟
لكنني نشأتُ على محبة الشعر والشعراء، مهما تكن ميولهم، فبقيتُ معجباً بالبياتي شاعراً، وهو كان يعرف ذلك. وفي عام 1996 أقاموا له في عمان احتفالاً ببلوغه عامه السبعين وكان الحضور من الأدباء والشعراء، وأولهم (المرحوم) الدكتور إحسان عباس الذي كتب عن البياتي كتاباً مهما في أول ظهوره شاعراً. أراد عريف الحفل من يقدِّم البياتي، فكنتُ واثقاً أنهم سيطلبون من الدكتور إحسان عباس، أبرز الحضور، أن يفتح الحفل. فلما استمزجوا رأي البياتي طلب أن أكون أنا من يفتتح الاحتفال، قائلاً «إنني قد عاصرتُ جميع شعراء الحداثة». فأصابني حرج شديد وأنا أقف أمام قامة أدبية كبيرة مثل الدكتور إحسان عباس، لأقدم شاعر حداثة بلغ السبعين.

إلى مثوى البياتي

وفي عام 2008، كنتُ مدعوَّاً من وزارة الثقافة السورية إلى مناسبة لم تتكرر مع الأسف، بعد حلول «الصقيع العربي». كان المشروع تكريم النابهين من الأدباء العرب، وبدأوا بعبد الرزاق عبد الواحد. وطلبوا مني تقديم ورقة بحثية عن شعر عبد الرزاق. وهكذا كان. لكن وجودي النادر في دمشق لم يُنسني أن البياتي الذي توفي في دمشق/طلب أن يُدفن قريباً من ضريح محي الدين ابن العربي. فأخذني سائق الوزارة إلى ضريح ابن العربي، على أن نرتقي المنطقة الوعرة بعده إلى مثوى البياتي. لكن سائق الوزارة رجاني ان نعود في الغد، لاقتراب موعد جلسة نقدية في المؤتمر. لكن هذا الأمل لم يتحقق لي، ولن يتحقق بعد الذي جرى للبلاد والعباد. فمعذرة من روح البياتي.
والشاعر الحداثي الآخر الذي يجب أن يأخذ استحقاقه في الدراسات النقدية هو بلند الحيدري. هذا شاعر عجيب، لم يلتحق بالجامعة بل لم يتعدّ المدرسة المتوسطة. لكنه موهوب، وقارئ نهم، أخرج مجموعة شعرية مبكرة في أواسط الاربعينات بعنوان «خفقة الطين» واستمر في الإنتاج الشعري بنفس حديث. وكان على علاقات حميمة مع جميع شعراء الحداثة في عراق الخمسينات فصاعداً، ومع جميع الفنانين التشكيليين الذين كانت تفخر بهم بغداد الخمسينات والعقود اللاحقة. وهو معروف بخفة الدم وروح الفكاهة وتدبير المقالب. مرة في أوائل الثمانينات جاءني يحمل قصيدة جميلة بعنوان «حوار عَبر الأبعاد الثلاثة» وطلب مني ترجمتها إلى الإنكليزية. فأكملتها خلال أسبوع. وبقينا نبحث عن ناشر. وفي ليلة بغدادية شتائية عاصفة رن الهاتف وبادرني بلند بالسؤال: كيف حالك هذه الليلة؟ فقلت عندنا الأستاذ جبرا والدكتور عبد الرحمن منيف على العشاء… تفضل! قال، ولكن أنا معي صديقي. فقلت أهلاً بك وبالصديق، وحسبتُ أنّه قد وجد ناشراً وجاء مع الكتاب والناشر. وبعد دقائق وصل بلند ملتفعاً بمعطفه المطري، وأخرج من تحت المعطف زجاجة ويسكي قائلا: هذا صديقي الصدوق، وليس القصيدة. فضحكنا كثيراً للمفاجأة، وهو يعرف مع الضيفين أن المشروب لم يدخل دارنا قط وأنا لم أذق في حياتي أي مشروب كحولي. وبين ضحكات د. منيف الصاخبة وتكرار: تستاهل، تستاهل. هات الكؤوس. فأسقط في يدي لأن لم يكن لدينا كؤوس مناسبة للمشروبات… يا لطيف. فاقترحَتْ «نصفي الأحسن» هدية لم تفتحها فيها اثنا عشر كأساً كروية الشكل. قلنا نستعملها ثم نكسرها في الغد. وهكذا كان.
ومما يتصل بشعراء الحداثة ذكريات ذلك الجدل اللامجدي عن من بدأ «الشعر الحرّ» في العراق، بل في العالم العربي: نازك أم السياب؟ لقد كتبتُ كثيراً عن سوء ترجمة المصطلح في وصف «شعر التفعيلة» الذي بدأته نازك عام 1949 في قصيدة «الكوليرا» حيث لم تلتزم بعدد التفعيلات في البيت الشعري التراثي ولو أنها التزمت بالتفعيلة التراثية. ونازك أول من يعلم أن «الشعر الحر» الذي أوجده الشاعر الأمريكي والت وتمان عام 1855 كان كتابة جميلة تخلو من أي وزن أو قافية، الا ما جاء عرضاً من إيقاع يشبه التفعيلة، لكنه لا يستمر على انتظام. كانت عبارة «شعر التفعيلة» قد سمعتُها أول مرة من الشاعر العربي السوري الكبير، من الإسكندرونة، سليمان أحمد العيسى وكان ذلك في مؤتمر المربد في البصرة عام 1973. ثم شاعت هذه التسمية التي هي أحسن الحلول السيئة، لأن الشعر التراثي يقوم على التفعيلة كذلك، لكن الفرق بين الأسلوبين هو فرق في «عدد التفعيلات» في البيت الشعري هنا وهناك. فحتى نهتدي إلى تسمية أدق، ليكن «شعر التفعيلة» هو الاسم الجديد. ولكن «ماذا في الاسم؟» تقول جولييت في مخاطبة روميو.

من نازك الملائكة ورجاء النقاش إلى البياتي وبلند الحيدري: استحضار الأرواح والذكريات

عبد الواحد لؤلؤة

- -

3 تعليقات

  1. شكرا للدكتور عبد الواحد لؤلؤة على ماتزودنا به من معلومات قيمة عن هذه الكنوز التي حملت أسم العراق عاليا . وشكرا لمشاركتنا معا هذه الذكريات الجميلة التي تنعش أرواحنا المتعبة في الاغتراب ، والتي تعيد الروح لعراقيتنا المغتصبة والمغصوبة منا ، في وقت أصبح كل شئ يبدوا أمام المواطن العراقي أما أسود أو أبيض ولم يعد يرى ما بينهما من تدرجات ! وهذه هي احدى الأسباب الذي أصابتني بالأحباط وأوقفتني من العودة للعراق منذ أن غادرته من قبل حوالي سبع وثلاثون سنة .

  2. مبدع ورائع كلما كتبت . أرجوكم ان لاتحرمونا من هذا العطاء الثر حفظكم الله مع التحيات

  3. مقالات السيد عبد الواحد لؤلؤة تعتبر لؤلؤة ادبية
    -
    نادرة بالقدس العربي
    -
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left