بعد 119 عاما على التهجير الأول أبناء الجنوب يبحثون توحيد كلمتهم: النوبة في مواجهة مشروعات السيسي

تامر هنداوي

Feb 25, 2017

تخيل أبناء النوبة في مصر، أن مشكلتهم الممتدة منذ 116 عاما، انتهت، بالموافقة على دستور عام 2014 الذي أقر حق عودتهم للقرى التي هجروا منها في أربعة أحداث مختلفة، عندما تضمن مادة حملت رقم 236  نصت على : «تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة ومنها الصعيد وسيناء ومناطق النوبة، بمشاركها أهلها في مشروعات التنمية، والاستفادة منها مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور وذلك على النحو الذي ينظمه القانون، وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات على النحو الذي ينظمه القانون».
إلا أن ثلاث سنوات جدد أضيفت لتاريخ الأزمة، ليدخل أبناء النوبة العام 2017، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مع أحد أهم المشروعات القومية التي دعا إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان، وليبدأوا حركات نضال ضد تملك الأراضي في توشكى، وغيرها من المواقع التي تضمنها المشروع في أقصى الجنوب المصري.
وكانت أحلام النوبيين بانتهاء مشكلتهم، بإقرار الدستور، اصطدمت بعد أشهر من إقرار الدستور، بالقرار الجمهوري رقم 444 لسنة 2014، الخاص بتحديد المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية والقواعد المنظمة لها، وطعن عدد من النوبيين على القرار، بسبب وضع أكثر من 17 قرية من القرى النوبية القديمة من ضمن المناطق المحظورة والممنوعة التي ﻻ يجوز التوطين فيها و ﻻ الإقامة عليها، ما اعتبره أهالي النوبة، مخالفا لأحكام الدستور المصري الجديد الذي قرر أحقية أهالي النوبة في إعادة توطينهم في قراهم القديمة.
وبينما دخل النوبيون في أزمات جديدة مع الدولة، دعا الاتحاد النوبي العام، لعقد مؤتمر خلال الأيام القليلة المقبلة، يجمع كل الحركات والجمعيات التي تمثل النوبة، لبحث الضغط من أجل تنفيذ مطالب العودة، واختيار ممثلين للتحدث باسمهم مع الجهات المصرية الرسمية، بعدما دبت الخلافات في المجتمع النوبي على خلفية الاتهامات المتبادلة بمحاولة التحدث باسم النوبة والالتفاف على مطالب الأهالي.

أزمة تعدد المتحدثين

وقال إبراهيم عابدين عضو الاتحاد النوبي العام لـ «القدس العربي»، إن الاتحاد سينظم المؤتمر النوبي الثالث لتوحيد كلمة النوبيين، وحل أزمة تعدد المتحدثين باسمه، الذي يعطي الحكومة المصرية فرصة الالتفاف على مطالب النوبيين، مؤكداً أن المؤتمر سينظم إما في 24 شباط/فبراير الجاري أو 3 اذار/مارس المقبل على أقصى تقدير في مدينة أسوان
وانتقد عابدين، اجتماع رئيس الوزراء المصري شريف اسماعيل، بأشخاص لا يمثلون أهالي النوبة، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي لحل مشكلة تملك الأراضي، معتبرا ذلك التفافا على مطالب النوبيين، مؤكداً ان حديث البعض باسم النوبيين والتفاف الحكومة على مطالبهم، يدفع الشباب للتخلي عن الحوار والاحتجاج على الأرض مثل قافلة العودة التي نظمها الشباب وغيرها.
وأكد وجود كيانات عبارة عن جمعيات مجتمع مدني  تتآمر مع الحكومة على حقوق النوبيين، مشيراً إلى ضرورة وجود رؤية واضحة لإصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية للنوبيين.
وقال وليد عدنان المتحدث الرسمي للتنسيق بين قرى الشلال، ومنكوبي الخزان، لـ «القدس العربي»، إن المؤتمر يهدف إلى تفعيل المادة 236  من الدستور المصري، وإلغاء قرار 444، وأيضاً المطالبة بتشكيل هيئة لإعمار النوبة وإعادة السكان إلى قراهم الأصلية.
وأكد على ضرورة تمليك منازل قرى الشلال، ومنكوبي الخزان بالمجان، بجانب إلغاء القرار 498 بالسطو على أراضي غرب أسوان، مطالبا بإلغاء توشكى من كراسات مزادات هيئة الريف المصري أسوة بقرار الرئيس الخاص بإلغاء منطقة فورقندي من مشروع المليون ونصف المليون فدان .
وشدد على ضرورة تمليك الظهير الصحراوي لكل قرى النوبة، إضافة لإحلال وتجديد منازل نصر النوبة.
وقال محمد عزمي، رئيس الاتحاد النوبي، لـ «القدس العربي»، إن المؤتمر يهدف إلى تشكيل مجموعة للتحدث باسم أهالي النوبة مع الجهات الرسمية من خلال ورقة شاملة عن كل المشكلات والمطالب النوبية.
وفي إطار الخلافات النوبية النوبية، قال النائب ياسين عبد الصبور، عضو مجلس النواب عن دائرة نصر النوبة في محافظة أسوان، إنه تقدم بطلب إحاطة في مجلس النواب المصري لوزارة التضامن الاجتماعي، للكشف عن نشاط مؤسسة المرأة الزنجية. وأشار إلى أن البشرة السمراء للنوبيين هي لون بشرة القدماء المصريين مثل توت عنخ آمون ورمسيس الثاني وغيرهما وليس للنوبيين علاقة بالزنوج، مؤكدا، أن بعض وسائل الإعلام سبب أساسي في الترويج لمؤسسة «المرأة الزنجية» إضافة إلى الادعاءات إنها تطالب بتعويضات النوبة.
وطالب عبد الصبور، وسائل الإعلام بتوخي الحذر والدقة فيما ينقل بشأن هذه القضايا التي تثير القلاقل والعنصرية داخل الوطن الواحد، محذراً إياها من اللعب بورقة المطالب النوبية تحت أي مسمى قد يؤثر سلباً على الوئام الاجتماعي.
ونفى وجود أي علاقة بين النوبيين وما أطلق عليه مؤسسة المرأة الزنجية التي أشيع إشهارها في مركز نصر النوبة، موضحا، أن وزارة التضامن الاجتماعي أبلغته بعدم وجود أي مؤسسة تحمل هذا المسمى للنوبيين.
وقال الكاتب ذو الأصول النوبية رامي يحيى لـ«القدس العربي»: «يهمنا كمواطنين تفعيل الدستور ككل، فهو العقد بين المواطن وأجهزة الدولة، وهو الضمانة الوحيدة لتحقيق السِلم المجتمعي» متهما النظام الحالي بأنه يضرب بالدستور برمته عرض الحائط، ويتعامل معاه بوصفه تفصيلة شكلية لاستكمال الديكور اللازم للبقاء ضمن أسرة المجتمع الدولي، لكن في حقيقة الأمر فلا وجود هنا لما يتعارف عليه «الدولة المدنية الحديثة» أو «دولة القانون».
وتابع: «من أكثر المواد التي تهمني كنوبي مصري هي المواد الخاصة بالتنوع الثقافي وبحقنا في العودة لأراضينا، لكن الدولة لا تكترث للثقافة كفكرة، ويكفي تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قال فيه (يعمل إيه التعليم في وطن ضايع)، فإذا كان رئيس الدولة لا يعرف أهمية التعليم… فهل ستعرف باقي أجهزة الدولة أهمية الثقافة؟».

الاطاحة بأراضي 17 قرية نوبية

وبشأن المادة رقم 236 من الدستور المصري التي تنص عن حق عودة النوبيين إلى قراهم الأصلية، قال يحيى: « المادة لا تطبق نتيجة إصرار الدولة على عدم إتمام العودة، فكل الخطوات الفعلية تؤكد أن هناك إرادة سياسية لتصفية الملف النوبي عن طريق خلق أمر واقع مغاير يستحيل تعديله مستقبلًا، من أول القرار الرئاسي رقم 444 لسنة 2014، الذي بمقتضاه تتحول المنطقة من خط الحدود مع السودان وحتى 110 كيلومترات شمالًا إلى منطقة عسكرية، ما يطيح بأراضي حوالي 17 قرية نوبية، وحتى استمرار التقاعس عن اتخاذ أي خطوات إيجابية في طريق تفعيل المادة، مرورًا باستمرار المسلسل المزيف الخاص بالحديث عن نية خفية عند النوبيين للانفصال إلى آخر المؤامرات الخفية التي لا يراها إلا النظام ورجاله وتابعيه من إعلاميين أو نواب برلمانيين».
وزاد يحيى: « النظام لا يفعل الدستور لعدة أسباب، منها أسباب اقتصادية مثل الاستيلاء على الثروات المعدنية شرق النيل، وبيع الأراضي الخصبة غرب النيل، بخلاف طبعا العداء الأصيل لهذا النظام العسكري لكل مختلف، خصوصا ثقافيًا، كمان التوجه العروبي للنظام واللي انعكس على المناهج والثقافة جعلى حالة من الاستعراب تحيط بكل شئ وترفض كل ما هو مختلف ثقافيًا، وهي الأزمة نفسها التي مزقت وتمزق السودان، ونرى آثارها أيضًا في سوريا والعراق».
وعبر عن أسفه لعدم وجود كيان نوبي جامع، قائلا : «حالنا كحال كل الشعب المصري، نتفق على غضبنا من النظام لكن لا نستطيع – حتى الآن- أن نلتف حول خطة سياسية أو كيان سياسي واحد، ما يستغله النظام ببراعة، لكن طبعًا يحق لنا استخدام كل وسائل الضغط السياسية والقانونية، بداية من الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي مرورا بالتظاهر والاعتصام وصولًا للتقاضي أمام المحاكم المصرية أو حتى رفع الأمر للمنظمات الإقليمية والدولية التي تنخرط فيها مصر. بل وحتى مقاضاة الحكومة البريطانية بوصفها من قام بترسيم الحدود وتقسيم النوبة وأيضًا من بدء مسلسل إغراق النوبة، من خلال بناء خزان أسوان، باختصار يحق لنا الوصول لأبعد مدى في القتال الشريف من أجل حقوقنا التاريخية… أم أن حرية الحركة حكر فقط على الطغاة واللصوص؟».

قافلة العودة النوبية

وكانت الأزمة النوبية، شهدت مرحلة جديدة، حينما أعلنت الحكومة عن المرحلة الأولى من مشروع «المليون ونصف فدان»، وطرح كراسات شروط لـ500 ألف فدان للبيع، في الفرافر وغرب المنيا وتوشكى.
النوبيون اعترضوا على هذا الأمر، وطالبوا باستبعاد أراضي النوبة من البيع في مشروع المليون ونصف فدان، والتأكيد على أحقية أبناء النوبة في تملك منطقة توشكى، لأنها الظهير الصحراوي لأراضيهم الأصلية، ولكن الحكومة لم تستجب لهم.
وقررت الكتل النوبية في أسوان في نهاية العام الماضي، تنظيم وقفة احتجاجية بمنطقة توشكى جنوبي الوادي لرفض طرحها للبيع أو الاستثمار ضمن مشروع المليون ونصف فدان، وأطلقوا «قافلة العودة النوبية» إلى منطقتي خور قندي وتوشكى جنوبي الوادي، للتأكيد على رفض بيعهما في المزاد العلني للمستثمرين باعتبارهما من المناطق التاريخية الخاصة بالنوبيين.
 وخرج 19 ميكروباص، محمل بالأهالي تجمعوا من 44 قرية نوبية، 19 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وفي أثناء طريقهم إلى توشكى اعترضتهم قوة أمنية على طريق أسوان – أبو سمبل، ومنعتهم من استكمال رحلتهم، لتنشب مشادات واشتباكات بينهما.
وتفاقمت الأزمة واضطر الأهالي إلى الاعتصام وقطع الطريق في الاتجاهين، لتتعطل الحركة المرورية بين أسوان وأبوسمبل.
الخبر انتشر بسرعة الصاروخ في أرجاء النوبة، لتقوم مجموعة أخرى من النوبيين، بقطع طريق السادات أمام نادي النوبة ومحكمة الأسرة في أسوان، مطالبين باستكمال أهلهم رحلتهم إلى توشكى وخور قندي.
مجموعة ثالثة قطعت طريق (مصر- أسوان) الزراعي، بجانب قطع السكة الحديد، لتشل الحركة المرورية تمامًا بين القاهرة وأسوان.
في حين اتجهت مجموعة رابعة محاولة قطع طريق السادات أمام منطقة الكرور، ولكن الأمن تصدى لهم لتحدث اشتباكات عنيفة تطورت إلى إطلاق الأعيرة النارية، ما أسفر عن إصابة شخصين بطلق ناري نقلوا إلى المستشفى.
يذكر، أن أهالي النوبة تعرضوا للتهجير من أراضيهم التاريخية أربع مرات، الأولى عام 1902 لبناء خزان أسوان، وعام 1912 بسبب تعلية المياه في الخزان، وعام 1934 بسبب تعلية الخزان، إضافة إلى التهجير الأخير من أجل بناء السد العالي.

بعد 119 عاما على التهجير الأول أبناء الجنوب يبحثون توحيد كلمتهم: النوبة في مواجهة مشروعات السيسي

تامر هنداوي

- -

1 COMMENT

  1. #قافلة_العودة_النوبية
    #مستمرة_حتى_استيراد_حقوقنا_ان_شاء_الله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left