الخطر الآتي بعد التسويات في سوريا واليمن: «الأطفال الجنود» وقود الغد للإرهاب والجريمة!

رلى موفّق

Feb 25, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»:تجنيد الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة، ولا سيما في الساحات العربية المشتعلة، أصبح مسألة بالغة الخطورة نتيجة تنامي هذه الظاهرة، واحتمال توسّعها مع طول أمد الصراع العسكري وتفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي والإنساني في مناطق الحروب، وانسداد الأفق أمام الأجيال الناشئة التي تُعاني النزوح والتهجير وتقطن في مخيمات في ظروف معيشية صعبة، يصبح معها التعليم نوعاً من أنواع الترف بدل أن يكون شرطاً أساسياً لضمان مستقبل أطفال اليوم… رجالات الغد. وهو ما ينطبق بصورة رئيسية على كل من مناطق النزاع في سوريا والعراق واليمن وغيرها من مناطق الحروب مثل ليبيا والصومال وجنوب السودان وأفغانستان.
المعضلة هي أن القيم الإنسانية، خلال الأزمات والحروب، تُداس ويصبح كل شيء مباحاً، خصوصاً إذا لم تكن حروباً كلاسيكية بين دول تُشكّل الاتفاقات الدولية رادعاً لها، ولو في الحد الأدنى، تجنباً لإدانتها ومحاكمتها دولياً لارتكابها جرائم حرب. الحروب الممتدة اليوم من العراق إلى سوريا واليمن وحتى ليبيا وأفغانستان والصومال وجنوب السودان وغيرها، تغيب فيها الضوابط كلياً بفعل تفلّت القوى المتصارعة، من قوات نظامية إلى التنظيمات والجماعات والميليشيات المسلحة، من أي ضوابط تستبيح معها كل شيء من دون وازع.
لكن ما هو مقلق على الساحات العربية، ما تشهده كل من سوريا واليمن وسط التقارير الأممية التي توثق ارتفاع أعداد تجنيد الأطفال في ظل استمرار الحروب وغياب أفق الحل ووجود الملايين من النازحين وسقوط مناطق تحت سيطرة الميليشيات والتنظيمات المتطرّفة.
هذا لا يعني أن العراق في وضع أفضل، ذلك أن الأرقام المتدنية حول حالات التجنيد، التي وردت في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة للدورة السبعين حول «الأطفال والنزاع المسلح»، تعود إلى نقص في المعلومات الواردة من مناطق المواجهات ومناطق سيطرة تنظيم «الدولة»، وعدم القدرة على التحقق مما يجري هناك. إذ أن التقرير لم يتحدث سوى عن أعداد تم التبليغ عنها لم تتجاوز 230 حالة تجنيد، تم بعضها في صفوف «حزب العمال الكردستاني» وغيره من الجماعات المسلحة الكردية، وفي صفوف قوات «الحشد الشعبي» التي أصبحت منذ نيسان/أبريل 2015 تخضع لسلطة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، فيما العدد الأكبرمن عمليات تجنيد الأطفال يعود إلى «تنظيم الدولة الإسلامية» في محافظتي الأنبار ونينوى. وقد عُرضت في وسائل التواصل الاجتماعي، صور لـ «جنود أطفال»، أثناء تنفيذهم لعمليات إعدام.

مدارس غسل أدمغة الأطفال

تلك الأرقام المتواضعة في العراق لا تعكس حقيقة الواقع. فالتقارير الصحافية التي كانت ترد من مناطق سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية» سابقاً في العراق لا تختلف عن تلك التي ترد من مناطق سيطرته في سوريا، حيث السياسة المتبعة هي سياسة واحدة حيال الأهالي الخاضعين لسلطتهم والقوانين والأنظمة التي يطبّقونها. فمدارس «تعليم الشريعة» للأطفال، والتي تقوم بمهمة «غسل أدمغتهم» موجودة بالصوت والصورة ويتباهى بها «التنظيم». وكذلك معسكرات التدريب التي يصوّرها «التنظيم» وينشر من خلالها كيفية إعداد الأطفال لاكتساب المهارات القتالية واستخدام الأسلحة، بحيث يظهرون وهم يسيرون تحت «الراية السوداء»، وبتسميات عدة منها «أشبال العز» و «أشبال الزرقاوي»، ويطلقون النار على أهداف محددة. ويتحوّل «الأطفال الجنود» إلى عناصر انتحارية أو جواسيس في غالب الأحيان، فضلاً عن انخراطهم في جبهات القتال الدائرة.
ما هو غير واضح يرتبط في حقيقة الأمر بأعداد المنتسبين من الأطفال إلى «داعش»، وإن كانت الاتهامات التي توجه إليه في غالب الاحيان تشير إلى أن تجنيده للأطفال يتم عبر الخطف والترهيب أو الترغيب وثقافة الضخ الديني. بعض الإحصاءات العائدة إلى الحكومة السورية المؤقتة، ومقرها في غازي عنتاب، تشير إلى أن أغلبية المنتسبين إلى داعش هم بين 9 ـ 18 سنة ونسبة السوريين منهم قد تصل إلى 30 أو 40 في المئة.
عمليات التجنيد ليست محصورة بتنظيم «داعش»، بل تطال أيضاً تنظيمات أخرى منها المتشددة، ومنها المعتدلة وإن كانت بأرقام محدودة، لكن الأهم أنها تطال أيضاً القوات النظامية السورية، وهي تتم عبر التشكيلات المسلحة مثل «مليشيات الدفاع الوطني» و «اللجان الشعبية» و «كتائب البعث» التي تم إنشاؤها بعدما بات النظام أمام خطر السقوط الفعلي، وبعد دخول الميليشيات الشيعية لمساندته، حيث جرى تجنيد الأطفال وإخضاعهم لدورات تدريبية، بحيث يتولون أعمال الحماية للأحياء وإقامة حواجز التفتيش ونقاط المراقبة والأعمال اللوجستية.
إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في أن أطفال سوريا باتوا مجهولي المستقبل نتيجة نسبة الأمية المخيفة بين صفوفهم. فمعظم التقارير الدولية، ومنها تقرير» اليونيسف» لعام 2013 الذي تحدّث عن «وجود نحو 3 ملايين طفل في سوريا والدول المجاورة غير قادرين على الذهاب إلى المدارس بانتظام. ويشكل هذا الرقم نحو نصف سكان سوريا ممن هم في مرحلة الدراسة، كما أن ما يقدر بمليون طفل سوري محاصرون أو في مناطق يصعب الوصول إليها، وأن الملايين مهدّدون بأن يكونوا جيلاً ضائعاً، يسهل استقطابه واستغلاله».
وفي رأي معارضين سوريين أن حجم المشكلة هو أكبر إذا ما تم أخذ أعداد الولادات التي حصلت منذ إندلاع الأزمة السورية وحصول عمليات التهجير والنزوح، سواء إلى مناطق داخل سوريا، أو إلى مناطق خارجها في تركيا والأردن ولبنان. فتلك الولادات تُعدّ بمئات الآلاف، وهؤلاء أطفال لا يعيشون حالاً من الاستقرار، ولا يعرفون معنى وجود وطن وبلد، ولن يتسنى لهم دخول المدارس، وهم تالياً سيتحوّلون إلى «قنابل موقوتة» مع أقرانهم من الأطفال الذين غادروا بلادهم ولم يعرفوا سوى البؤس والتشرّد والفقر، وحين يعودون إلى ديارهم يوماً، سيكونون فتية غير متعلمة وغير قادرة على الاندماج في المجتمع، يعتريهم الإحباط والنقمة، بحيث يسهل استخدامهم إذا لم تجد الأزمة السورية طريقها إلى تسوية سياسية عادلة تترافق مع مشروع دولي وعربي لإعادة تأهيل الإنسان السوري قبل الحجر ودمجه في وطنه عبر مشروع مصالحة وطنية حقيقية.

ثلث المقاتلين في اليمن أطفال

الأرقام في اليمن تبدو مرتفعة جداً مقارنة مع ما هو موثق ومنشور من أرقام حول العراق وسوريا. فوفقاً لصندوق الأمم المتحدة للطفولة ـ «اليونيسف» فإن الأطفال في صفوف الحوثيين وغيرهم من الجماعات المسلحة يشكلون نحو ثلث المقاتلين في اليمن.
ووثقت الأمم المتحدة، حسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة للدورة 70 حول «الأطفال والنزاع المسلح»، «زيادة بمقدار خمسة أضعاف في حالات تجنيد الأطفال واستخدامهم من قبل الجماعات المسلحة، ولا سيما بعد تصاعد القتال في 26 آذار/مارس 2015، بالرغم من الصعوبات في التحقق من الحالات بسبب القيود المتعلقة بالأمن وإمكانية الوصول الى مناطق النزاع. ومن أصل 762 حالة تجنيد مؤكدة للأطفال (جميعهم من الفتيان)، عُزيت غالبيتها إلى الحوثيين (72 في المائة)، ثم اللجان الشعبية الموالية للحكومة (15 في المئة) وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (9 في المئة). وساد التجنيد في معاقل الحوثيين، مثل أمانة العاصمة، وتعز وعمران. ولوحظ تحول من التجنيد الطوعي إلى حد كبير إلى التجنيد القسري أو غير الطوعي عن طريق الإكراه، بسبل منها توفير الحوافز أو المعلومات المضللة.»
وذهبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير لها في حزيران/يونيو 2016 إلى الاستنتاج نفسه من أن جماعة الحوثيين المسلحة، منذ سيطرتها على صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، زادت من وتيرة تجنيد الأطفال وتدريبهم، وإرسالهم للقتال في انتهاك للقانون الدولي، بحيث يستخدم الأطفال بشكل متزايد ككشافة وحراس وعدّائين ومقاتلين، وقد قتل بعضهم.
عدد الضحايا الذي تتحدث عنه الحكومة اليمنية للأطفال الذين جندهم الحوثيون وصل وفق نبيل عبد الحفيظ إلى 670 قتيلاً و1953 مصاباً، بينهم حالات مصابة بإعاقات دائمة.
لا يؤكد ولا ينفي رئيس منظمة «سياج» لحماية الطفولة في اليمن أحمد القرشي الرقم الذي تذكره وزارة حقوق الإنسان حول تجنيد الحوثيين لعشرة آلاف طفل في صفوفهم، إذ انه لا توجد احصائية لدى المنظمة ولا لدى أي طرف حقوقي في اليمن تحدد رقما معيّنا، لكنها تبقى تقديرات استقصائية خاضعة للأشخاص في الميدان والملاحظات المعاشة يومياً وليس نتيجة احصاءات دقيقة بالأرقام.
الأكيد بالنسبة للقرشي، كما يقول لـ «القدس العربي» أن تجنيد واشراك الأطفال في النزاعات المسلحة قد إرتفع بنسبة كبيرة جداً خلال 2015 و2016، وذلك بما يشكل نسبة 7 إلى 8 أضعاف ما كانت عليه قبل أيلول/سبتمبر 2014. ويعزو ذلك إلى سقوط مؤسسات الدولة وسيطرة الجماعات المسلحة على المدن اليمنية وعلى البلاد عموماً، وإلى اتساع مساحة الحرب في اليمن التي شملت محافظات أكثر مما كانت عليه في 2013. وربما الأهم بالنسبة إليه هو قبول الناس بخيارات بديلة لتحسين سبل معيشتهم باللجوء إلى ممارسة منتهكة لحقوق الطفل ومنها تجنيد الأطفال.

ثقافة قبلية ودينية متطرفة

صحيح أن الأمم المتحدة تتهم الحوثيين بأنهم أكثر جماعة تجند الأطفال، لكنه يعتبر أن كل الفئات العسكرية في البلد ليست نظيفة من عملية تجنيد الأطفال إنما بشكل نسبي.
في المعطيات المتوافرة لدى منظمة «سياج»، فإن وجود الأطفال في الجيش النظامي انخفض كثيراً عما كانت عليه قبل العام 2014، وذلك بعد حملات المنظمة ضد تجنيد الأطفال، لكن هناك الكثير من القبائل التي توالي القوات النظامية التي لا يستبعد وجود مقاتلين أطفال في صفوفها. ولا شك لديها من أن المقاومة التي تضم تنظيمات مسلحة قد لا تكون تطبق المعايير القانونية في ما يتعلق بعمر المقاتلين. كما أن وجود «أطفال جنود» لدى الجماعات الأخرى مثل «القاعدة» هو أقل عدداً من جماعة الحوثي بسبب عمليات تلك الجماعات النوعية وعدم انخراطها في مواجهات على الأرض. ويعود إرتفاع العدد لدى الحوثيين إلى أنهم يسيطرون على المحافظات الأكثر كثافة سكانية ويخوضون مواجهات على الأرض ويحتاجون إلى عدد كبير من المقاتلين، إضافة إلى توقف المدارس الشمالية مثل حجة وصعدة وعمران وبالتالي جزء كبير من الطلبة يذهبون الى الالتحاق بالقتال فضلاً عن عمليات التحشيد التي تمارس بشكل كبير في وسائل الإعلام وفي الخطاب الديني الذي يحثهم على الحرب.»
تجنيد الأطفال في اليمن هي ظاهرة مزمنة تستند إلى ثقافة قبلية ودينية متطرفة تشجع على حمل السلاح. ولكن كان اليمن قد نجح في العام 2014 في خلق أرضية للانطلاق منها في عمل حقوقي مثمر لمناهضة تجنيد واشراك الأطفال في النزاعات المسلحة. وهذا أدى إلى توقيع حكومة محمد سالم باسندوة مع الأمم المتحدة فى أيار/مايو 2014، خطة عمل تلتزم الحكومة بموجبها بالحقوق العالمية للطفل ومعايير حماية الأطفال التي حددتها اتفاقية الأمـم المتحدة بشأن حقوق الطفل، وعلى مبادئ باريس 2007 التي تعتبر هي المرجعية النظرية لمعالجة وضع الأطفال الملتحقين بالقوات النظامية والمجموعات المسلحة. وكان الجيش الموالي لشباب الثورة في العام 2011 بقيادة اللواء علي محسن الأحمر آنذاك بادر لتسريح كافة الأطفال الملتحقين بالقوات النظامية. لكن هذه الجهود أجهضت، وفق القرشي، بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء.
وكما العراق وسوريا، فإن المشكلة في اليمن تبقى في ما يتنظر الأطفال في الغد، إذ نحو 50٪ من الأطفال في سن الدراسة لا يتواجدون في مدارس ولا تعليم لديهم، وكثير منهم هو عملياً ملتحق بالجماعات المسلحة لأسباب عدة منها ما هو معيشي لتأمين مصادر دخل للعائلة أو تعبوي ديني أو نتيجة عادات وتقاليد قبلية.
السؤال المحوري: ماذا سيحل بهؤلاء حين تضع الحرب أوزارها وينتهي دورهم بانتهاء المعارك؟
الصورة قاتمة، إذ أن ملايين الأطفال في ساحات النزاع العربي سيكونون في الغد رجالا أميين لا يفقهون سوى حمل السلاح العبثي. لا يمكلون حرفة وليسوا سوى كتلة بشرية غير منتجة من السهل استقطابهم في جماعات الإرهاب والجريمة المنظمة. وهذا سيمثل الخطر الآتي على أمن تلك الدول حتى إذا نجحت في الخروج من حروبها وبدء عملية بناء الدولة، إذ أن التحدي يكمن في التعامل مع هذا الخطر القادم عبر وضع استراتيجيات فعالة تستهدف هؤلاء الشباب وإعادة دمجهم وتأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا وحتى فكريا وثقافيا وعلمياً… وإلا فالانفجار الحتمي آت.

«الطفل الجندي»

في تعريف «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» فإن «الطفل الجندي» هو «كل شخص لم يتجاوز عمره 18 سنة وعضو في القوات المسلحة الحكومية أو في الجماعات المسلحة النظامية أو غير النظامية، أو مرتبط بتلك القوات، سواء أكانت هناك، أم لم تكن، حالة من الصراع المسلح». والتعريف هنا، يطال السن، نوع المشاركة التي قد تكون مباشرة أو غير مباشرة، والتي تذهب من حدود المشاركة بالأسلحة في الأعمال العدائية، إضافة إلى زرع الألغام الأرضية والمتفجرات، ومهام التجسّس والاستطلاع والطبخ، أو حتى الذين يجري «استعبادهم» جنسياً.
و «الأطفال الجنود» هي صفة تنطبق، على سبيل المثال لا الحصر، على الأطفال والغلمان والفتيات. وثمة عوامل عديدة تدفع بهؤلاء للتحوّل إلى «جنود». أولى هذه العوامل تعود إلى الظروف غير الطبيعية التي يعيشونها.

الخطر الآتي بعد التسويات في سوريا واليمن: «الأطفال الجنود» وقود الغد للإرهاب والجريمة!

رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left