المؤرخ اللبناني د. عمر عبد السلام تدمري لـ «القدس العربي»: ينبغي إعادة البحث عن المخطوطات العربية والإسلامية الضائعة في المكتبات الغربية

حاورته: روعة قاسم

Feb 25, 2017

الحديث مع المؤرخ اللبناني د. عمر عبد السلام تدمري هو غوص في الماضي والذاكرة…نعود معه إلى محطات خلت في تاريخ المنطقة لنقف على الحقائق علنا نفهم ما يحدث اليوم في العالم العربي. ربما من الأهمية بمكان إعادة قراءة التاريخ للتمعن في أحداثه والتعلم من تجاربه بما قد يفيد المعركة من أجل التطور والتقدم والرقي وكسب الرهان الحضاري في هذه اللحظة الفارقة التي نعيشها بكل صعوباتها وتحدياتها وعبثها. رحلة المؤرخ تدمري – المولود في طرابلس لبنان عام 1940- مع التاريخ والذاكرة بدأت منذ حيازته على الدكتوراه في التاريخ والحضارة من جامعة الأزهر عام 1976 عن اطروحته «تاريخ طرابلس السياسي والحضاري منذ التأسيس حتى نهاية دولة المماليك» وأصدرها في كتابين (حوالي 1250 صفحة). وكان أصدر قبلها كتابين الأول «الحياة الثقافية في طرابلس الشام خلال العصور الوسطى» والثاني «تاريخ وآثار ومساجد ومدارس طرابلس في عصر المماليك». نشر عددا من الموسوعات الفكرية والتاريخية استنادا إلى مخطوطات نادرة أخذت منه عمره ووقته للوصول إلى اصولها عبر مكتبات العالم. وفيما يلي نص الحوار:
○ لديك العديد من المؤلفات والإصدارات عن تاريخ طرابلس والشام وتخصصت في تاريخ هذه المدينة، لماذا طرابلس تحديدا وفي ضوء ما نعيشه من تحديات وحروب، إلى أي مدى نحن في حاجة إلى إعادة قراءة تاريخنا؟
• كنت أضع نصب عيني هدفا أساسيا هو دراسة ونشر كل ما يتعلق بمدينتي من تاريخ وآثار ومن تراث الطرابلسيين ومصنفاتهم القديمة غير المنشورة والمنتشرة في دور الكتب العربية والأجنبية ولا يهتم بها الباحثون. ولهذا جمعت ما يتعلق بعلماء طرابلس من المكتبات العربية والأجنبية وقمت بتحقيقها ونشرها ومنها الأحاديث النبوية الشريفة التي كان يرويها كبير محدثي طرابلس وبلاد الشام خيثمة بن سليمان الأطرابلسي (250 – 343 هـ ، 864 – 955 م). وله «فضائل الصحابة» في المكتبة الظاهرية في دمشق ومكتبة شستربتي في ايرلندا الجنوبية. كما نشرت ودققت في أحاديث أول محدّث من طرابلس من أهل القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) واسمه معاوية بن يحي الأطرابلسي، وهو أول من حدثنا عن بناء حصن القائد الصحابي سفيان الازْدي، الذي حصل في أول خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه في الموضع الذي بنى عليه ريموند الصنجيلي حصنه بعد نحو 450 عاما، وذلك للتأكيد على عروبة هذا الحصن في الأساس. واجتهدت لأكثر من عشرين عاما في البحث عن الديوان الضائع للشاعر احمد بن منير الطرابلسي المعاصر للحروب الصليبية، والمرافق لعماد الدين زنكي وابنه نور الدين زنكي، إلى ان حصلت على قسم من ديوانه المخطوط في مكتبة أمبروزيانا في ايطاليا فنشرته وأضفت إليه أشعاره المتفرقة في المصادر التاريخية والأدبية وأصدرته في طبعتين.
وفي أثناء هذه الأبحاث والمطالعات نشأت لدي فكرة اعداد معجم بأسماء الأعلام الطرابلسيين منذ فتح طرابلس حتى نهاية القرن الخامس الهجري وبدأت رحلة البحث والتجميع والترتيب على الحروف لأوائل الأسماء وهكذا حتى تجمعت لدي مئات البطاقات للعلماء الطرابلسيين. وكنت منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي أنشر بعضا من تلك المعلومات والأخبار في مجلة الفكر الإسلامي التي كانت تصدر عن دار الفتوى اللبنانية في بيروت. وفي نهاية القرن الرابع عشر الهجري قررت منظمة المؤتمر الإسلامي التحضير للاحتفال بإطلالة القرن الخامس عشر الهجري وصدرت توصية بان تحتفل كل دولة من دول المنظمة بالطريقة التي تليق بهذه المناسبة واظهار الدور الحضاري للمسلمين. وشكلت لجنة عليا في دار الفتوى في لبنان ضمت هيئة من كبار علماء المسلمين السنة والشيعة والدروز يرأسها الدكتور صبحي الصالح رحمه الله وحينها قدمت عمل «معجم العلماء» لأنه يتفق مع أهداف الاحتفال والمناسبة التاريخية. وكان علي ان أعيد النظر في المعجم فلا يقتصر على الأعلام الطرابلسيين فحسب بل أضفت إليهم كل الأعلام المسلمين من جميع المدن والقرى والمناطق اللبنانية ومن جميع المذاهب واستبدلت عنوان المعجم إلى موسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان وهي في خمسة مجلدات وتشمل الأعلام في خمسة قرون ونالت ثناء وتقدير اللجنة العلمية العليا.
لم أتوقف بالموسوعة عند هذا الحد بل رأيت ان أتابع العمل بها لأصل إلى نهاية القرن 14، فكنت إلى جانب التأليف وتحقيق كتب التراث أعطي الموسوعة اهتماما بين حين وآخر إلى ان صدرت في 16 مجلدا في نحو 6500 صفحة تضم نحو ستة آلاف محدث وفقيه وأمام وقاض وخطيب وأديب ومقرئ ومدرس من الرجال والنساء. وقدر لهذا العمل الذي استمر عدة سنوات ومطالعة آلاف الكتب المطبوعة والمخطوطة الموزعة في مكتبات العالم ان يكون الفائز الأول بجائزة مؤسسة عبد الهادي الدبس للأعمال الخيرية في مجال العلوم الإسلامية عام 1996.
ومع ذلك لم اكتف بما أنجزته من الموسوعة فقمت بتطويرها لتشمل كل الأعلام اللبنانيين أو الذين دخلوا لبنان من كل الديانات والمذاهب وأعدت اصدارها تدريجيا على تسلسل القرون بدءا من الصحابة الذين أسهموا في فتح المدن والمناطق في لبنان ثم التابعين وثم القرن الثالث وهكذا وصدر منها حتى الآن ثمانية قرون في 16 مجلدا. ويجري العمل الان في كتابة القرنين التاسع والعاشر الهجريين وهي تحمل عنوانا رئيسيا جديدا باسم موسوعة العلماء والأعلام في تاريخ لبنان وساحل الشام. ومن المتوقع -إذا كتب الله لنا فسحة من الأجل -ان تأتي هذه الموسوعة عند انجازها في أكثر من 35 مجلدا.
ولا يفوتني ان أذكر ان مجموع ما صدر لي حتى الآن في نهاية سنة 2016 هو 86 عنوانا في 185 كتابا بين تأليف وتحقيق لنوادر المخطوطات، وفي مقدمتها موسوعة تاريخ الإسلام والمشاهير والأعلام للمؤرخ الحافظ الذهبي وقد صدرت في 52 مجلدا ثم نشرت وأصدرت «الكامل في التاريخ» لابن الأثير في 11 مجلدا وغيرها من الكتب والمجلدات من تأليف عبد الباسط بن خليل بن شاهين الذي أخذ علومه في الجامع المنصوري الكبير في طرابلس، والسيرة النبوية لابن هشام، وقد طبعته للمرة العاشرة وغير ذلك من المخطوطات النادرة التي لم يكن الباحثون يعرفون أسماء مؤلفيها وكشفت عنها لأول مرة. هذا عدا عشرات الأبحاث المنشورة في كتب المؤتمرات العالمية وغيرها.
○ وماذا عن مشاريعكم ومؤلفاتكم المستقبلية؟
• في مجال الاهتمام المحلي في مدينة طرابلس قمت بجمع عدد من المواقع الأثرية والتاريخية لم تعترف بها وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار بموجب المرسوم الصادر سنة 1972 وتقع داخل أحياء طرابلس القديمة. وحققت فكرة الاحتفال بمناسبة مرور 700 عام على بناء الجامع المنصوري الكبير في طرابلس وشارك في الاحتفال وزير الثقافة والتعليم العالي ميشال ادة في نيسان -/ابريل سنة 1994. وكذلك أوجدت فكرة الاحتفال بمرور 1400 عام هجري على الفتح الإسلامي الأول لطرابلس، وأخيرا قمت مع ابني خالد تدمري بالمعرض التاريخي لآثار طرابلس التاريخية المصورة الذي يضم أكثر من مئة لوحة لآثار المدينة الموجودة في أكثر من عشرين دولة وهو معرض دائم منذ عشر سنوات في قاعة المؤتمرات الكبرى في غرفة طرابلس للتجارة والصناعة والزراعة.
وأنجزنا فيلما عن طرابلس بعنوان «درة الشرق» بإسهام من بلدية طرابلس كما أصدرنا 30 ألف نسخة من كتب «جولة في طرابلس» ونتطلع إلى تحقيق مشروع العرض بالصوت والصورة داخل قلعة طرابلس أو على واجهة السور يستعرض تاريخ طرابلس وآثارها بإيجاز بعدة لغات.
○ انطلاقا من أبحاثكم في تاريخ المنطقة ودراستكم لعصورها الذهبية، ما سبب الانحطاط الذي وصلنا إليه من تعصب ومن انتشار للإرهاب؟
• لا شك ان التخلف الاقتصادي يؤدي إلى التخلف الاجتماعي والثقافي والفكري، ومن هذه الثغرة التي تعاني منها امتنا منذ عقود استطاعت الصهيونية والدول الاستعمارية ان تنفذ إلى مجتمعاتنا العربية بكل الوسائل غير المشروعة لتضليل أفكار شعوب الوطن العربي باعتناق المذاهب والأفكار الهدامة والمتطرفة، لتضرب أسس الأمة من جذورها وتشوه معتقداتها وتصرفها عن التوجه للتصدي لعدوها التاريخي إلى تدمير تراثها وبلدانها من الداخل، كما هو حاصل اليوم في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر والصومال، وكاد ان يحصل في لبنان مثل ذلك وهذا ما يريده العدو الصهيوني المستفيد الأول مما يحصل من تخريب وتدمير لمقدرات الأمة.
○ هل ما نعيشه اليوم هو انتفاضات، ثورات أم انحطاط فكري وحضاري؟
• ان المخطط واضح للعيان وهو تدمير الدول القومية التي تملك المقدرات العسكرية الوطنية وكانت البداية في العراق بكذبة امتلاكه الأسلحة النووية ثم تدمير ليبيا وتفكيكها وتقسيم السودان وضرب قدرات الدولة السورية وسط التضليل الأعلامي بما سمي بـ «الربيع العربي» وهو التخريب والتدمير بعينه.
وللمرء ان يتساءل هل الربيع العربي يتحقق بإحراق مكتبة جامعة الموصل وآلاف المخطوطات العربية النادرة وتدمير تحفها وتحطيم التراث الحضاري؟
أليس هذا ما فعله القرامطة في العراق وبلاد الشام قبل أكثر من ألف عام، أليس هذا ما فعله الفرنج الصليبيون حين دخلوا طرابلس الشام وأحرقوا مكتبة دار العلم فيها عمدا سنة 1109 وكان فيها ثلاثة ملايين مخطوطة؟ وهل ننسى ما فعله المغول من تدمير لمكتبات بغداد وما فعله القوط في مكتبات الأندلس؟
ان الصهيونية العالمية ودول الغرب الاستعمارية تريد ان تقضي على التراث الحضاري في امتنا بأيدي المتطرفين الذي أزاغت قلوبهم وأعمت أبصارهم فدمروا جزءا من حضارة بلاد الرافدين من خلال آثار بابل ونينوى ودمروا في سوريا مدينة تدمر وآثارها العالمية وكذلك الحال في اليمن.
○ وكيف يمكن مواجهة تنامي التيارات المتطرفة في مجتمعاتنا العربية؟
• ليس أمام الأجيال الا التمسك بقيمها وموروثها الحضاري في قراءة تاريخها لتعيد من تجارب هذه الأمة وتحافظ على مكامن قوتها ووحدتها. وعلى العلماء المتنورين ان يقوموا ببث روح الوحدة والتسامح ونبذ الاحقاد وبث الفتن والفرقة والعصبيات بين الفرق والمذاهب والاعتصام يدا واحدة وقلبا واحدا على ما فيه من تعزيز لوحدة الأمة لتحرير فلسطين وإليها يجب توجيه البندقية.

 المؤرخ اللبناني د. عمر عبد السلام تدمري لـ «القدس العربي»: ينبغي إعادة البحث عن المخطوطات العربية والإسلامية الضائعة في المكتبات الغربية

حاورته: روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left