حلّ الدولتين وقمر عرفات

صبحي حديدي

Feb 25, 2017

حين صوتت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، ولاح أنّ منطق الدولتين لا محيد عنه؛ سارع قادة الصهيونية العالمية، وعلى رأسهم دافيد بن غوريون، إلى قبول الخطة رغم أنّ «الدولة» التي اقترحها القرار كانت أقلّ بكثير من اشدّ أحلامهم تواضعاً. ولقد عوّلوا، يومذاك، على أنّ مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، سوف يرفض خطة التقسيم، وبالتالي سوف يُحمّل عبء مواجهة «المجتمع الدولي».
وفي سنة 1977، حين وصل حزب الليكود إلى السلطة، كان رفض التقسيم في طليعة القرارات «الكبرى» التي اتُخذت على الفور، ومعه ارتفعت دعوات ضمّ الضفة الغربية إلى «إسرائيل الكبرى». وحين عقدت إدارة جورج بوش الأب مؤتمر مدريد (تحت ضغط مناخات «عاصفة الصحراء»، ومبدأ «الربط بين الاحتلالات» الذي أعلنه صدّام حسين)؛ توجّب على جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي يومها، أن يذكّر الإسرائيليين برقم هاتف الوزارة في واشنطن… إذا ارتأوا الانخراط في العملية السلمية.
لكنّ الدولة الغاصبة، التي زرعتها قوى عظمى في المنطقة بقوّة السلاح، هي نفسها الدولة التي تدير ظهرها لاتفاقات ومواثيق رعتها واحتفلت بالتوقيع عليها القوى العظمى ذاتها. وهي دولة لا تطيق عتاباً من حليف، فكيف بنقد أو ملامة أو ضغط: إسرائيل ليست جمهورية موز، قال أرييل شارون في توبيخ الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، أحد أكثر رؤساء أمريكا انحيازاً إلى الدولة العبرية؛ وإسرائيل ليست تشيكوسلوفاكيا، كما قال شارون نفسه في توبيخ جورج بوش الابن. وإسرائيل، تابع جنرال اجتياح لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، ليست معنيّة بحاجة البيت الأبيض إلى عمليات الضحك على لحي العرب ودغدغة مخاوفهم (قبيل اجتياح العراق)؛ وإنّ تنظيف جنرال ـ دكتاتور مثل الرئيس الباكستاني برويز مشرّف، أمرٌ لا يبرّر أبداً غسل ياسر عرفات من صفة «أسامة بن لادن إسرائيل».
هذا غيض من فيض إسرائيل، وأمّا على الجانب الأمريكي، وخلال العقود المعاصرة وحدها؛ ظل حلّ الدولتين يراوح في المكان تارة، وتارة أخرى يتقدّم خطوة إلى الأمام، لكي يتراجع ثلاث خطوات! ومن الرئيس الأمريكي بوش الأب، إلى خَلَفه بيل كلنتون، ثمّ بوش الابن، وخَلَفه باراك أوباما، لكي نضع جانباً ريشارد نكسون وجيمي كارتر ورونالد ريغان؛ ومن واشنطن إلى كامب دافيد ومدريد وأوسلو، ومن واي بلانتيشن وشرم الشيخ إلى طابا وأنابوليس… ظلّ إنزال القمر إلى الأرض (كما في عبارة ياسر عرفات الشهيرة: «نحن لا نطلب القمر»)، أسهل منالاً من زحزحة إسرائيل قيد أنملة في مسائل تعريف الدولة العبرية لأمنها، وتفسيرها لمفهوم المستوطنة، وقراءتها لحقّ العودة، وتحديدها لجغرافية مدينة القدس بوصفها «عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة».
وفي الأساس، حين لا يراوح في المكان، أو يتقدّم ليتراجع أكثر؛ كان حلّ الدولتين بمثابة الـ»جوكر» في تسعة أعشار الحلول السياسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي عموماً، والفلسطيني ـ الإسرائيلي خصوصاً؛ مع فارق أنّ هذه الورقة ليست محض لافتة للزخرف والمناورة والاستغفال، فحسب؛ بل هي عملياً فاقدة الفاعلية، مائعة الوظيفة، وغامضة المحتوى. أكثر من هذا وذاك، مضى زمن فقد فيه الحلّ صفته الثنائية ذاتها، وصار «حلّ الدول الثلاث»، حين طُرح الأردن لإدارة الضفة الغربية، ومصر لإدارة قطاع غزّة!
وسواء كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاداً في تخلّي إدارته عن «حلّ الدولتين»، أم كان قد انخرط في واحدة من شطحاته الكثيرة، التي من قبيل كلام ليل يمحوه النهار التالي؛ فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، حتى دون الإعلان صراحة، منخرط في هذا الخيار منذ عقود، وربما منذ انتمائه إلى الليكود. وبذلك فإنّ قمر عرفات، الذي في الأعالي، يظلّ أسهل منالاً من دولة فلسطينية، سيّدة مستقلة!

حلّ الدولتين وقمر عرفات

صبحي حديدي

- -

6 تعليقات

  1. من يتقبل أول صفعة برحابة صدر ليس لديه مشكلة أن يتقبل صفعات أخرى، هذا هو حال العرب من مفاوضات إلى أخرى والعرب يعرفون حق المعرفة أنها مفاوضات عبثية لا نهاية لها ولا تسمن ولا تغني من جوع. على النقيض من ذلك، الصهاينة أعلنوها بكل صراحة ووقاحة سوف نفاوض ألف سنة ولكن فقط من أجل التفاوض أي لا على شيئ إلا الوهم. التفاوض بدون قوة مضيعة للوقت، اللصوص لن يستردوا المسروقات إلا بالتهديد.

  2. الأستاذ صبحي حديدي تحية ثقافية.. أشد على يديك بحرارة على نظرتك الثاقبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعيدا عن أي بوليميك أقض مضاجعنا، ودون تمسح باعتاب المتحكمين في الرقاب ومن سار في ركبهم دون حساب.. شكرا لك على قلمك البارع / الشفاف، وسعة أفكارك الجامعة بين النقد الحداثي المائز والتحليل السياسي وفق طبيعة الأحداث والأزمات الخانقة التي نتخبط فيها…

  3. غطرسة العدو ،من ضعف من يواجهه، أولآ،وثانيآ _قوة المعرفة،فعدونا ،أسس للجامعات والمعاهد ،قبل المشروع، وثالثآ_إستبدلنا الأفعال،بالأقوال،
    وترديد الشعارات بدون رصيد، فطارت الثقة بين أنظمةالحكم والشعوب ،فصارت الفجوة التراكمية،أبعد من ،،قمر عرفات ،، الذي ذكرت.

  4. لدى تساؤل لم يطرح بعد فى ايطار حل الدولتين هل سيقبل “فلسطينى 48″ التخلى عن المواطنة الإسرائيلية ؟؟؟ انا اظن ان افضل الحلول بالنسبة للفلسطينيين هو حل الدولة العلمانية الواحدة التى تحترم معتقد الجميع …و مثال جنوب افريقيا او بلا قوس قزح مثال ناجح …و ليس بالبعيد …و لكن هذا الحل يتطلب شجاعة من الطرفين و ابعاد المتطرفين من الجانبين … ليعيش الكل فى سلام ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

  5. ضعف العرب وانحدارهم وانحططاهم يصب في مصلحة كيان الاجرام الصهيوني لا شك في هدا ولكن من ساهم في هده السلبيات الهدامة والقاتلة التي اتاحت الفرصة لهدا الكيان الغاصب للاستمرار في توسعه وغطرسته وجبروته؟ اليست الانظمة العربية نفسها التي كانت ترفع شعار لا صوت يعلو فوق المعركة مع العدو الصهيوني مستغلة اياه للحفاظ على كراسيها؟ الم تكن هده الانظمة تصرح في العلن بانها مع فلسطين وفي السر تتواطؤ ضدها؟ بالله عليكم كيف لبلدان وهبها الله سبحانه جميع اسباب ومقومات وعوامل التقدم والازدهار والقوة ان تعجز لحد الساعة على الانعتاق من الدائرة الضيقة المظلمة التي تخنقها؟ كيف لبلدان تتلقى الضربات تلو الاخرى بطريقة عنيفة ومؤلمة وموجعة الا تنتفض ضد اعدائها وفي طليعتهم كيان الارهاب الصهيوني وداعموه في واشنطن والغرب؟ كيف يستقيم ان نطالب هدا الكيان الغاصب باسترجاع الحقوق ومن هم محسوبون على العرب يقيمون معه العلاقات ويبرمون معه الاتفاقيات وينشئون معه الاحلاف ضد بعضهم البعض وينسقون معه امنيا ومخابراتيا ويطلبون وده ورضاه ويتسابقون في عقد اللقاءات مع عصاباته الاجرامية الموغلة في الدماء الفلسطينية والعربية؟ ويشاركونه في فرض الحصار على اهلنا في غزة هاشم؟ ويتبنون اطروحاته في وصم المقاومة بالارهاب ويدمرون بيوتهم بايديهم نيابة عنه وخدمة لاهدافه ومشاريعه ومخططاته الهادفه بالخصوص الى تصفية القضية الفلسطينية. لقد قلنا مرار وسوف نكرر سؤالنا الى متى سيبقى العرب يكدبون على انفسهم وينتظرون من الكيان الصهيوني ان يصحو – ضميره -دات يوم ليرد الحق لاهله؟ متى سيبقى العرب يراهنون على امريكا وهي التي ابانت مرات كثيرة عن عدائيتها المطلقة للعرب وقضاياهم ومقدساتهم وما يصرح به دونالد ترامب واضح وجلي؟ الى متى سيبقى العرب قبائل واحزابا وطوائف وممالك بعيدين عن الموضوعية والمنطق والعقل؟ متى يغضب العرب ويصرخون في وجه امريكا والغرب خصوصا ان للصبر حدود؟

  6. المقال يجسد الواقع بدقه , الواقع الذي لم يستطع فهمه العرب وأولهم الفلسطنيين القائمين على أمر اداره المشكله الفلسطينيه منذ سنة 1967 وما قبلها . عرفات الذي لم يكن يطالب بالقمر لم يدرك الأمر وكذلك عباس من بعده ولغايه اليوم والغد ومئات السنين القادمه . اسرائيل لا ترد سلاما أو أي شكل من أشكال الحلول مهما كانت ، اسرائيل بأغلبيتها تؤمن فقط بشئ واحد ؛ أن الأرض أرض اسرائيل التاريخيه التي وهبها الله لهم عندما كان وكيلا للعقارات والأرضي يوزعها ويعطيها لمن يشاء . اسرائيل مستعده للمفاوضه ومناكفه العالم أجمع ألوف السنين دون التنازل عن شبر من أرض الميعاد المقدسه , التنازل هو مخالفه لمنهج اسرائيل منذ قيامها ، مخالفه للدستور الغير مكتوب ، مخالفه لأمر الله . سمعت يوما مناقشه لأحد رجال ألدين اليهود يقول ؛ أن الله وهو السلطه العليا المقدسه قد اعطانا وأمرنا بالإستيلاء على الأرض هل نقول له لا … شكرا … هل نخالف أمره . تلك هي الخرافات التي تم تحويلها الى واقع راسخ اقتنعت به معظم دول وشعوب العالم والكثير من العرب .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left